سلطان مؤلفاً .. أفكاره مرصودة في تمائم الاتصال غير اللفظي
د. عمر عبد العزيز
اختيار صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي شخصية العام الثقافية يفتح الباب لمراجعة أساسية حول مثابة الدكتور سلطان بوصفه مؤلفاً، خاصة إذا عرفنا أن هذه المثابة تتصل جوهراً بعلاقته الحميمة بالعلم والمعرفة، واستسباره الدائم لتجليات الحكمة، ونظره المتمعن للظواهر التاريخية التي تشكل بجملتها قيمة كبرى على درب الاستنارة والرؤية.
سلطان المؤلف ترجمان أقصى لعلاقته الخاصة بالمعرفة والثقافة، كما أسلفنا، كما أنه تفسير آخر لخياراته الرائية لمنطق الثقافة وقوتها السحرية وقدرتها على تعمير الإنسان بوصفه القيمة الاستثناء في الكون، فالإنسان مؤتمن على ما تنوء بحمله الجبال.. قال تعالى: «إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً»، والإشارة هنا تطال صفتين حاسمتين أودعهما الله في الإنسان الذي لا يستطيع تحمل الأمانة، وتتلخّص هاتان الصفتان في كونه ظلوماً جهولاً، ونلاحظ هنا صيغتي المبالغة، فالإنسان ليس ظالماً لنفسه فقط، بل إنه ظلوم، وليس جاهلاً فحسب، بل إنه جهول، والحال فإن المعرفة درب سالك للخروج من ربقة الظلم والجهالة، ومن منحه الله هذه الطاقة سيكون مُنعتقاً متجاوزاً لتلك العوائق النفسية والذهنية التي تجعله يئن من وطأة حمل الأمانة، وبالتالي يسلك الدرب كالأولياء والصالحين ومن في مثابتهم.
الحديث عن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي بوصفه مؤلفاً لا يجعلنا نقف عند عتبات علاقاته العضوية بالمعرفة فحسب، بل تضعنا في أساس المتوالية الثقافية الشخصية التي ظل يعيد إنتاجها بكفاءة الرائي المنعتق من صروف الدهر وتقلباته السلبية، فقد وجد المتسع من الوقت برغم انشغالاته الكبيرة، واتسق مع نواميس الوجود المبثوثة بكلمة من الخالق، واستوعب ثنائية الجبر والخيار في سياق الانتظام مع حكمة الله في أرضه وخلقه، وهكذا سنجد أنه قدّم تنويعات مدارية في الآداب والفنون والبحث العلمي الـمُحكّم، مما يتسع له المقال تباعاً.
سلسلة مؤلفاته تشتمل على الأبحاث العلمية كرسالة الدكتوراه الضافية التي استقرأت مبررات احتلال بريطانيا لمدينة عدن، في إشارة إلى أن هذه المدينة الساحلية كانت مفتاحاً أساسياً للوجود البريطاني اللاحق، وأن من يريد الاحتلال لا يعدم الحيلة والفتيلة للشروع في عمله، وهذا ما كان، فقد ظلت عدن تحت الاحتلال البريطاني لقرن وربع، فيما باشرت الثكنة العسكرية البريطانية الإشراف على سلسلة البحار التي تمتد من عدن في اتجاهات مختلفة، وهي بحر العرب الموصول بالمحيط الهندي، وخليج عدن الموصول بالخليج العربي والبحر الأحمر.
وخلال استسباره المنهجي الرائي لمعطيات التاريخ الوسيط والمعاصر لمنطقة الجزيرة والخليج العربي كانت مؤلفاته الخاصة بالكويت وسلطنة عمان، وصولاً إلى تحقيق الرسائل الهامة كرسالة عشائر الصومال للقواسم، وجاءت سرديته اللماحة بعنوان «الشيخ الأبيض» لتطوف بنا حول المنطقة ونتابع مسارات الشيخ الأبيض من موانئ التهائم اليمنية وحتى سلطنة عمان وعمق الجزيرة العربية، ولنقف على بانوراما سردية دلالية تكشف وجهاً هاماً من وجوه التاريخ الملتبس بالبحار والقرصنة والمفارقات، فيا لها من نظرة استبقت ما نشهده الآن من قرصنة بحرية تبدو للرائي المباشر أنها صناعة محلية صومالية، وهي ليست كذلك، وإن كان منفذوها الظاهرون على الشاشة قلة من الشباب الصومالي الخارجين من رحم الحرب الأهلية.
أما على مستوى المسرح فقد كان تطواف سموه واسعاً ومقيماً في تضاعيف التاريخ وإشاراته الدالة، ذلك أن سلسلة مسرحيات سموه لا تقدم التاريخ فحسب، بل تباشر إسقاطاً فنياً ودلالياً على واقع الحال، فيما تنبئ عن مصير الظالمين المغالين المتجبرين، وهنا نلمح الروح الرسالية الإرشادية التي تكاشف التاريخ لتكاشف الواقع، وتقدم الحقيقة الشاخصة لتقول البديل العاقل مما لا يتسع له المقال في هذه العجالة.
وفي «سرد الذات» نتوقف ملياً أمام سيرة وجودية وإبداعية تترجم العنوان بدقة، فالسيرة الذاتية هنا تخضع لقانون السرد والانتخاب والتلخيص، فيما تتقدّم على خُطى الرشاقة اللفظية لتصل الملفوظ بما يتجاوزه، وتقدم لنا كيف تفاعل سموه مع هموم الأمة، واستبق القادم بهمة العقل والذائقة، وأظهر بعضاً من ملامح تلك الصورة الكاملة التي تغيم في فضاء الكتابة القادمة مما لا يسعفنا إدراك كنهه إلا باتصالات غير لفظية.
مؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي إشارة دالة في زمن الإبداع والمعنى، واختياره شخصية ثقافية للعام وسام على صدر عارفيه ومحبيه ممن اقتربوا من مدرسته، وعرفوا فحوى مشروعه الكبير.
|