المسـرحية التاريخية
الواقـع والأسطــورة
ممدوح محمد حفني
يظل التاريخ المعين الذي لا ينضب، والذي يمد الأدباء بالمادة الخام التي ينسجون منها أشكال فنهم، وقد يكون أمراً طبيعياً أن يبدأ الأديب مؤلفاته مستهدياً بالتاريخ، حيث تعتبر وقائع التاريخ هياكل جاهزة تعفيه من مشقة بناء العمل الأدبي، ويبدو أن الجمهور بالرغم من أنه يعجب بالمسرحيات المعاصرة، فإنه كان أشد عجباً بمناظر المسرحيات التاريخية آنذاك، وما تنتظمه من شخصيات وملوك وأمراء، وهذا الجو المهيب الذي يسبغه العمل التاريخي على المسرح. وما يتضمنه كذلك من غناء ورقص جماعي يهزان عواطف الجمهور ويحققان المتعة والفائدة.
وهو كذلك نتيجة الدوافع الوطنية، حيث يمكن من خلالها توطين الثقافة العربية، ولقد بدأ بعض المسرحيين العرب خاصة، البحث عن الجذور التراثية منذ منتصف العقد السادس، متأثرين بما فعله مسرحيون عالميون(1).
ولقد اجتذب المسرح التاريخي الكثير من الكتاب، ولعل هذا راجع إلى أنهم يقبلون على هذا النوع في تشوق إلى سيرة أبطالهم، وصفحة التاريخ التي يختارها الكاتب تقدم له عصب الموضوع الذي سيعالجه وتوحي له بالحدث وتلهمه بالتطور وتيسر له رسم الشخوص. فيجد فيها الكتّاب متنفساً لما تضيق به صدورهم ومهرباً من الواقع الذي يؤلمهم.
بالإضافة إلى أن طواعية الحقائق التاريخية للرمز والإيحاء والإشارة وغيرها من أدوات التعبير الخاصة بالأدب؛ دلائل تشجع الكتاب على معالجة التاريخ في المسرحيات، ولقد يكون الاختيار والانتخاب من وقائع الحياة المعاصرة صعباً، ويأتي التاريخ بحل تلك المعضلة، حيث أحداث وتفاصيل وملابسات متبلورة وجاهزة.
ولم يكن الأديب الموسوعي (محمد لطفي جمعة) بدعاً في استلهام حوادث التاريخ وتوظيفها في مسرحياته، بل كان قطاع عريض من أدباء المسرح يوظفون التراث وحوادث التاريخ في مسرحياتهم في تلك الفترة بشكل واسع مثل السلطان صلاح الدين ومملكة أورشليم (لفرح أنطون) وطارق بن زياد(لحنا أندراوس)، وعنترة بن شداد (لأحمد أبو خليل القباني) ولويس الحادي عشر التي مثلها (جورج أبيض) وأبطال المنصورة(لإبراهيم رمزي)(2).
موقف الأديب مـن التاريخ
قبل تناول الطريقة التي كتب بها (لطفي جمعة) مسرحياته التاريخية، كان لا بد من إلقاء نظرة عاجلة على معرفة الفرق بين عمل المؤرخ، الذي يسجل وقائع التاريخ، والأديب عندما يتناول الوقائع التاريخية نفسها، وكذلك من ناحية النظر إلى المادة التاريخية، ولتحديد هذا الفرق الكبير بينهما يحتم التفريق بين موقفهما من أحداث الماضي. فالمؤرخ يسجل وقائع التاريخ كما هي دون زيادة أو نقصان، أما الأديب فعندما يتنـاول موضوعاً تاريخياً، لا تتمثل مهمته في تسجيل ما حدث في التاريخ كما حدث في الواقع والحقيقة، وإنما هو ينشئ من خلال تلك الحادثة من التاريخ عالماً جديداً تقع فيه المواقف وتتعدد الأحداث وتتنوع وتتصرف فيه الأشخاص فتتشابك فيه المشكلات، وتخرج نتائج جديدة ليست هي ما دوّن في سجلات التاريخ، بل بلـورة رؤية عامـة تخيلها الأديب على ضوء معرفته بحياة ذلك العصر الذي استلهـم منـه الأحـداث.
وإذا كان ما يهم المؤرخ أولاً هو التعريف بالماضي، حتى إنه يطلق عليه «ضمير الزمن الماضي»(3)، فإن الأديب يستخدم هذا الماضي في التأثير على معاصريه، مبرزاً أيضاً القيم الإنسانية التي استطاع بخبرته العامة أن يستنبطها، حسب تناوله للأحداث والجانب الذي أراد أن يظهره، والرسالة التي يريد أن يؤديها للناس(4).
إن المؤرخ يحكي ما حدث مجرداً من الخيال وإن أظهر ما في التاريخ من أسس إنسانية، والأديب يفسر ويتخيل ويستنبط الحقائق الكلية التي تصدق على الواقع، والأديب يقرأ حقائق التاريخ ويتخيلها، ثم يترك لوحيه الفني أن يلهمه صوراً لا تكذب على التاريخ برسومها وأعلامها، ولكنها ليست ترجمة تاريخية مبنية على وقائع، فلا يحاول إعادة تجسيم التاريخ، بل يحاول تجسيم العوامل التاريخية(5).
وإذا كان ما يهم المؤرخ أولاً هو التعريف بالماضـي، حتى إنه يطلق عليه «ضمير الزمـن الماضـي»، فإن الأديب يستخدم هذا الماضـي في التأثير على معاصريه، مبرزاً أيضاً القيم الإنسـانية التي استطاع بخبرته العامة أن يستنبطها، حسب تناوله للأحداث والجانب الذي أراد أن يظهره، والرسـالة التي يريد أن يؤديها للنـاس فالأديب عند معالجته لموضوع تاريخي، يبرز عنده عنصر الاختيار، فيختار من الأحداث ما يلائم هدفه، ويترك ما لا يفيده من تلك الأحداث، فتوظيفه لهذه الأحداث التاريخية ليست من قبيل الترف العقلي، بل أحياناً تحتمه الضرورة الفنية، إذ في فترات الأزمات التي تصيب الأمة تكون العودة إلى الماضي ملحة لتعطي دفعة قوية للنهـوض للأمام، ومن خـلال ربط حاضر الأمة بماضيها يكون خير معين لها على تجاوز محنتها، فالماضي بإشراقاته وانتصاراته كفيل بطمأنة الأمة تجاه حاضرهـا ومستقبلهـا.
«والمسرح أداة فاعلة يحمل فكراً ورسالة يود توصيلها للمتلقي، فالفكر يمثل عنصراً أساسياً تنهض عليه الفنون التعبيرية بصفة أساسية»(6)، لكن تحكمه أحيانا قيود سياسية واجتماعية كثيرة، ولذلك يكون «التاريخ وما يكتنفه من دلالات وما يحمله المؤلف من عبقرية إسقاطاته على الحاضر رسالة واضحة تحمل قيمه وآراءه»(7).
مسرحية هرماكيس سنة 1909
إن الأجناس الأدبية ترتبط بالمتغيرات الاجتماعية؛ ولذلك تكون المتغيرات التي تصاحب لحظة الإبداع هي الدافع لتوظيف واستلهام تلك اللحظات الماضية، فقام (محمد لطفي جمعة) في هذه المسرحية باستلهام الموروث الديني عند الرومان، وكان الباعث على تأليفه لها فتاة تدعى (ماري مادلين) أو كما كانت تدعى (أنطونيا شينو).
وهي فتاة جميلة تعرّف إليها المؤلف مصادفة في فرنسا، ودارت بينهما أحاديث وكلام، على أثره صحبته إلى مكان إقامته، وهناك راحت الفتاة تغريه وتحتال عليه بجمالها، ولكنه عف عنها وملك زمام إرادته أمام سطوة جمالها، فقررت الفتاة أن تبيت عنده هذه الليلة، فنامت هي على فراشه، وجلس هو بجوارها إلى الصباح يرقب جمالها.
و(لطفي جمعة) أديب حساس يقدر الجمال وتستثيره المرأة الجميلة وتبث في روحه الشوق العارم وتروي بداخله حرارة الحب الدفين، فما أعظم تلك اللذة التي رآها من كل شيء، وكيف يتحمل الإنسان أن يرى الفاكهة الناضجة دون أن يشمها أو يلمسهـا، ثم يصونها ويكتفي بلونها ورائحتها، ويعـز عليه أن يخدش قشرتها بيـده أو أسنانـه(8).
في تلك الأثناء استدعى المؤلف أحداثاً جرت في فلسطين زمن الرومان تتعلق بيوحنا المعمدان والراقصة سالومي وسيدها الروماني هيرودس، فكان هرماكيس البطل الديني المتمسك بعقيدته، والراقصة اللعوب التي تغريه، وعندما ينفر منها تغري الملك بقطع رأسه، انتقاماً منه لأنه لم يطع أمرها ولم يتجاوب مع عواطفها.
السياق التاريخي
تحكي الأناجيل عن (يوحنا المعمدان) أنه كان مسجوناُ بأمر الحاكم هيرودس، لأنه حرم عليه الزواج من هيروديا زوجة أخيه فيلبس، وجراء ذلك حنقت هيروديا على يوحنا لرفضه هذا الزواج، وكان هيرودس يخاف يوحنا ويهابه لأنه كان عالماً باراً وقديساً مباركاً ولما له من شعبية في قلوب أتباعه؛ لذا لم يستطع التخلص منه.
وفي يوم ميلاد هيرودس صنع عشاءً للعظماء والقواد، ودخلت ابنة هيروديا ورقصت، فسرت المعزومين وخاصة هيرودس الملك؛ فأقسم عليها مهما طلبت ليعطينها، فاستشارت أمها، ماذا تطلب؟ فقالت لها: رأس يوحنا المعمدان، حزن الملك لهذا الطلب، لكنه من أجل القسم والمتكئين من العظماء والقواد نفذ لها رغبتها فجيء برأس يوحنا المعمدان على طبق وأعطي للراقصة فأعطته لأمها(9).
السياق المسرحي
في سجن الملك أمنمحتب يقبع هرماكيس لاتهامه بالدعوة للتوحيد المطلق ونبذ الألوهية البشرية عن الملك، والتبشير بمبادئ الخالق الواحد، فسجنه الملك لأن ذلك يهدد مملكته ويقوض مكانته المقدسة في قلوب الرعية، في الجانب الآخر الملك غارق في ملذاته وعشقه الشديد للراقصة ساتيني.
في أثناء تجول ساتيني في حدائق القصر يستثيرها منظر امرأة عجوز تبكي وتصيح لرؤية ابنها، فيكون هرماكيس، وعندما تراه ساتيني يتعلق قلبها بحبه وتشترط عليه وعلى أمه أن خروجه من السجن رهن بطاعتها وإطفاء نار العشق بداخلها، لكن هرماكيس يأباها ويحتقرها، لأن في عقيدته ومبادئه العليا ما يحرم عليه اقتراف المعصية.
أمر الملك ساتيني أن تمتعه وضيوفه برقصها فتمنعت عليه، فخشي نفورها وعاهدها إن هي رقصت لينفذن لها ما تطلب، فلما رقصت له تمنت عليه طالبة رأس هرماكيس، فكان الطلب مفاجأة بهت أمامه الملك، لكنها أصرت أن يفي بوعد قطعه على نفسه، فكان لها ما طلبت، وقُطع رأس هرماكيس، فلما رأت ساتيني رأسه وضعته بين نحرها وظلت تنتحب وتهذي بحبه، فأمر الملك بقتلها(10).
تصرف (لطفي جمعة) في شخصيات المسرحية، فجعل يوحنا المعمدان (هرماكيس)، وسالومي (ساتيني)، والحاكم الروماني هيرودس هو (أمنمحتب) في المسرحية وأضاف إلـى الشخوص شخوصاً أخرى، ليست موجودة في الواقع مثل (نيتوكيس) رئيس الحرس، و(تاو) أحد الندماء، وبدل بعض المواقف والأحداث.
فالقصة التراثية تقول: إن يوحنا المعمدان سجن لأنه حرم على هيرودس الزواج من هيروديا وليس لدعوته لمبادئ التوحيد ونبذ الشرك، وكان الحاكم هيرودس يحب أم سالومي هيروديا ولم يكن يعشق سالومي كما ذكر المؤلف، وفي الإنجيل أمر الحاكم بقطع رأس يوحنا بناءً على طلب البنت بإيعاز من أمها، وليس كما في المسرحية أنها كانت رغبة من ابنتها الراقصة، والحادثة وقعت في فلسطين فنقلها المؤلف إلى مصر، ولكنه في هذا كله لم يخرج عن الإطار العام للموضوع التاريخي.
لماذا هرماكيـس؟
عندما ذهب (لطفي جمعة) إلى محل إقامته في فرنسا وصحبته الفتاة (ماري) وأصرت على أن تبيت معه في غرفته وعفّ هو عنها، ازدحمت في خواطره ظروفه التي كان يعيشها وحيداً غريباً عن وطنه أمام هذه المغريات، فربما يكون هذا الموقف باعثاً له على تصوير نفسه وموقفه في العفاف والترفع عن الدنايا في سبيل التمسك بالقيم والمبادئ، والنفور من أسر الشهوة، ولكن لا يمكن أن ينهض هذا السبب بمفرده باعثاً له على التأليف، واستلهام هذه القصة بالذات، لولا أنه كان يحترق بنار الاستعمار والثورة، فامتزجت بداخله ظروفه الخاصة والظروف العامة التي كان يمر بها الوطن العربي، فقد تكون هذه الأحداث باعثة له على أن يتذكر ما حدث ليوحنا المعمدان.
لكن الباحث لم يستطع التوصل إلى مغزى المؤلف من تغيير اسم يوحنا المعمدان إلى هرماكيس، فلا يمكن القول إن المؤلف تعمد عدم الربط بين المسرحية والأسطورة المعروفة، لأنه لم يخرج عن إسارها وموضوعها وجوها، وإن أدخل تغييراً في بعض الأسماء كما ذُكر.
لقد كانت السنوات الأولى من القرن العشرين تتسم بكونها شهدت إرهاصات الحرية والوطنية، وكان على المسرح العربي أن يتناول مثل هذه القضايا في تلك الحقبة السياسية والاجتماعية المتنوعة من حياة الشعوب، وفي مقدمة تلك القضايا قضية الحرية، حيث كان المسرح آنذاك مرتبطاً بأماني الأمة ورغبتها في الحرية والدستور والاستقلال(11).
لكن مَن هرماكيس؟! يحتاج القارئ إلى هامش يوضح له من هرماكيس وما حكايته وفي أي عصر هو؟؟ وهذا ما فعله (لطفي جمعة) في مذكراته عندما كتب في هامش الصفحة «هرماكيس المصري اسم لرواية تمثيلية في فصل واحد وضعتها خلال شهر نوفمبر 9091 وخلصت منها في يومين وهي من حوادث التاريخ المصري القديم وبطلها نبي جاء قبل موسى»(12).
لابد للمؤلف أن يستغل ما تملكه الشخصية المستلهمة من رموز وقدرات إيحائية تنشأ عما ارتبط بها من دلالات في وجدان المتلقي ووعيه بحيث يأتي استدعاء هذه الشخصية التراثية دون غيرها محركاً لذلك المخزون الدلالي وباعثاً له، وعندما لا ترتبط الشخصية التراثية بدلالات وإيحاءات وقيم معينة، فضلاً عن أنها شخصية مجهولة لدى المتلقي، فكيف يستطيع المؤلف أن يحمل شخصيته آراءه، أو يستطيع التعبير من خلالها والتواصل مع الآخرين؟(13).
وهرماكيس هو الشخصية المحورية في المسرحية بما تمتلكه من وجود مكثف وحضور في وعي باقي الشخصيات ودوره في تغيير مجرى الحدث الدرامي، وما استدعاه (لطفي جمعة) هو المضمون العام للشخصية، مع محاولته الحفاظ الدائم على الجو العام للأسطورة.
فيفتح الستار على حديث الجنود وأم عجوز نفهم من الحوار أن هذه المرأة هي أم هرماكيس وأنه قابع في السجن بأمر الملك، لدعوته لتوحيد الإله الحق وأن هذا الملك ما هو إلا عبد مثل باقي الناس.
فهو يعاني عدة صراعات خارجية وداخلية، الصراع بين الحق والباطل المتمثل في الملك، وبين العفة والخطيئة المتمثلة في ساتيني، وهو يواجه هذه الصراعات معتمداً على المبدأ المقدس الذي يحرك شخصيته.
ساتيني: هرماكيس لا تردني عنك تندم،...... إنني سأعطيك روحي وجسمي لو علمت أنني سألقي بنفسي على صدرك وأبثك لواعج حبي، لو علمت أنني سأذرف دموع العشق لأطفئ لهيب شوقي، لو علمت أننا نصير روحاً في جسمين لو علمت مقدار حبي ما رددتني.
هرماكيس: (يدفعها) ابتعدي عني أيتها الحية المطيبة، إنك كالدودة في قلب الفاكهة الناضجة.......(14)
أما شخصية الملك (أمنمحتب) من الشخصيات التي أحدثت تغيراً في أحداث المسرحية، فغالباً ما كان الكتّاب يوظفون صورة السلطة الحاكمة رمزاً لكل قوة باطشة تعمل على قمع الحق بالقوة، وعلى إخماد كل صوت يحاول أن يرتفع في وجه طغيانها، فهذه القوة النمطية موجودة في كل عصر.
إن كثيراً من هؤلاء السلاطين والملوك ـ كما يحكي التاريخ ـ من مغتصبي السلطة، وهذا ما عناه المؤلف إيراد هذا الحوار المقتضب على ألسنة العسكر، فيما يتصل بشخصية مصر (أمنمحتب).
المسـرح أداة فاعلة يحمل فكراً ورسالة يود توصيلها للمتلقي، فالفكر يمثل عنصراً أساسياً تنهض عليه الفنون التعبيرية بصفة أساسية»، لكن تحكمه أحيانا قيود سياسية واجتماعية كثيرة، ولذلك يكون «التاريخ وما يكتنفه من دلالات وما يحمله المؤلف من عبقرية إسقاطاته على الحاضر رسالة واضحة تحمل قيمه وآراءه
جندي1: ولماذا هل في تاريخ الملك ما يزعجه ذكره؟
جندي4: نعم.... أنه كان وزيراً لدى الملك السابق وتفصيل ذلك أنه....(15).
ويختزل المؤلف بقية الحديث معتمداً على المخزون الذهني لدى العقلية العربية، إذ يصبح الباقي معروفاً لدى الجميع، وربما يكون هذا هو السبب في اختصار دوره المؤثر في الأحداث، فلم يظهر الملك على مسرح الأحداث إلا ثلاث مرات مؤثرة، لمعرفة المتلقي سلفاً بما يمكن أن يكون عليه الملوك أمثاله من مغتصبي السلطة.
ومن خلال الصورة التي قدمها المؤلف سلفاً نستطيع أن نحدد سلوك الملك وتصرفاته في سبيل المحافظة على ملكه، لأن «ممارسة السلطة كثيراً ما تتشابه في فلسفتها ومسوغات مواقفها، وخاصة عند انحرافها أو إحساسها بالخطر أو عند مس سمعتها»(16).
الملك: ارقصي ساتيني وأنشدي. اطلبي ما تشائينه أهبك إياه.
ساتيني: (كمن يفيق من غشيته) أتعدني يا جلالة الملك بذلك.
الملك: نعم أعدك(17).
تطلب ساتيني رأس هرماكيس. وكان من الطبيعي أن يقبل الملك طلبها دون تردد اعتماداً على مكانته، لكن الملك ؟ كما تحكي الأناجيل ـــ كان يهاب يوحنا المعمدان ويخشى قتله، بل عندما طلبت منه سالومي قطع رأس يوحنا اغتم الملك بهذا الطلب(18).
فعندما تطلب ساتيني رأس هرماكيس يواجه الملك صراعاً تتجاذبه عدة محاور، فهو يريد تلبية طلبها تنفيذاً لوعد قطعه على نفسه أمام حاشيته وجنوده، وهو يخشى كذلك غضبة الشعب وصولته ضده، ثم رهبته من هرماكيس كرمز مقدس لا يستطيع مواجهته.
الملك: ويحك يا ساتيني. اطلبي ضياعاً أهبك. اطلبي مالاً أمنحك. اطلبي بلداً بأسرها أجب رغبتك. اطلبي هيكلاً يكن لكِ، ولكن لا تطلبي رأس هذا الرجل(19).
استبطن لطفي جمعة الصراع الداخلي لدى الملك، لكنه كذلك لم يستطع استثمار هذا الصراع أو إبرازه كقوة مانعة تحرك الأحداث وتبدي أبعاد الشخصية، وهي النتيجة الطبيعية لوقوع المؤلف في التجاذب بين الفن والأسطورة، ومحاولة إضفاء الواقعية على الحدث الأسطوري، وهذا التجاذب لم يستطع المؤلف نفسه أن ينهيه، فاضطره ذلك إلى إنهاء المسرحية بصورة غير مبررة.
الملك: (باضطراب) إذاً فليكن لكِ ما طلبتِ......... ادعوا الجلاد ليقطع رأس السجين (يسود السكون، وفي وسط السكون يسمع عويل أم هرماكيس)(20).
وبكاء ساتيني على صدر هرماكيس فيستشاط الملك غضباً، ثم يأمر الملك كذلك بقتل ساتيني لأنها أرهقت دماء كثيرة(21) وكأن الملك قد تحول في لحظة مفاجئة إلى إنسان عادل، يعيد الحقوق إلى أهلها، يمثل الحق الإلهي في عقاب المسيء.
كان من الممكن للمؤلف أن يكرس جهده في استغلال تلك النهاية، وتوظيفها جيداً في ظهور الحق والتبشير بالنصر القادم، وهذا ما فعله (محمد سلماوي) في مسرحيته الممثلة (سالومي) في استغلال تلك النهاية عندما استلهم الحادثة التراثية نفسها في المشهد الأخير للمسرحية الذي يجمع هيرودس الحاكم والناصري الداعية للحق المقدس.
فجعل «لعنة ما تحل بهيرودس» الحاكم، تطيح بعقله في نهاية الأحداث في حين يدوي صوت الناصري في أرجاء المسرح بعد أن تطيح سالومي برأسه، ليبشر الفقراء والبسطاء بأن الفجر يوشك أن يبزغ والظلام يوشك أن ينقشع»(22).
هوامــش:
(1) فاروق أوهان:آفاق تطويع التراث العربي للمسرح، وزارة الإعلام والثقافة، أبوظبي، 1999، ص7 بتصرف.
(2) أحمد الطماوي:مرجع سابق، ص (180).
(3) نمي تويلييه وجان تولار:مهنة المؤرخ، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، لبنان، 2001.
(4) علي أحمد باكثير: الفن المسرحي من خلال تجاربي الشخصية، المطبعة الكمالية، القاهرة، 1958م، ص31. بتصرف.
(5) محمد غنيمي هلال: في النقد المسرحي، دار العودة، بيروت. لبنان، 1975، ص(34-45) بتصرف.
(6) محمد حسن عبد الله: أقنعة التاريخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2007، ص44.
(7) سعد عبد العظيم: استلهام التاريخ العربي في الفترة من 1927إلى1987، رسالة دكتوراه، مقدمة لقسم البلاغة والنقد والأدب المقارن بكلية دار العلوم، 1993، إشراف د.عبد الفتاح عثمان.
(8) تذكار الصبا، مرجع سابق، ص96، بتصرف.
(9) بتصرف عن إنجيل (متى) الإصحاح (14) وإنجيل (مرقس) الإصحاح (6)
(10) الأعمال الكاملة، ص45، 63. بتصرف.
(11) نادية بدر الدين أبو غازي: قضية الحرية في المسرح المصري المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1989، ص (1952-1967).
(12) شاهد على العصر، مرجع سابق، ص 209.
(13) علي عشري زايد: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، دار الفكر العربي. القاهرة، 1997، ص 94. بتصرف.
(14) الأعمال الكاملة ص55.
(15) الأعمال الكاملة ص47.
(16) مسعود بوبو ـ الإبداع والسلطة في التراث العربي، مجلة دراسات، مطابع اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، العددالسابع، السنةالخامسة، 1994، ص105.
(17) الأعمال الكاملة ص60.
(18) بتصرف عن إنجيل متى الإصحاح 14 ص 26 / دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط.
(19) الأعمال الكاملة ص64.
(20) الأعمال الكاملة ص62.
(21) الأعمال الكاملة ص63.
(22) عزة منير حسين: توظيف التراث في المسرح النثري المصري من أعقاب الحرب العالمية الأولى إلى الآن، ماجستير بدار العلوم، 2000، ص122.
|