السينما الأمريكية … و«عقدة» فيتنام

 

يوحنا دانيال

لم تكن كل لحظات الحرب الباردة اسماً على مسمّى، فقد سادها الدفء أحياناً إلى حد الاشتعال، فانحسرت حروب النيابة في كثير من الأماكن، لتزج القوى الكبرى بقواتها في أتون المعارك خصوصاً في فيتنام وأفغانستان. ولما كنا نتحدث عن التوازي والترابط بين السياسة والسينما الأمريكية، فربما كان من الضروري النظر إلى الوراء - ليس بغضب - لكن بتمعن وهدوء لإعادة النظر في كيفية تعامل هذه السينما مع المسألة «الفيتنامية».

باختصار، يمكن القول إن المشاركة في الحرب بحد ذاتها وكثرة الضحايا على مدى عقد من السنين والخسارة النهائية لأمريكا وحلفائها، كانت كلها أشياء مريرة جداً على العقلية أو النفسية الأمريكية، خصوصاً في المراكز السياسية والإعلامية، التي لم تستطع أن تهضم هذه الهزيمة بسهولة أبداً، وظلت تعاني من آثار الحرب ومخلفاتها - داخل أمريكا - لأكثر من عشر سنوات تالية للحرب، وكان لها نتائج وانعكاسات على السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية.

ويستطيع أي مشاهد أو متابع للسينما تذكّر العديد من الأفلام المتميزة والعادية عن فيتنام في حقبتي السبعينيات والثمانينيات؛ مثل «صائد الغزلان»، «سفر الرؤيا الآن»، «الفصيل»، «العودة الى الوطن»، وغيرها. وهناك أيضاً بعض الأفلام التي ترتبط بفيتنام بصورة غير مباشرة، وهي التي تتحدث عن العائدين من الحرب ومصادماتهم ومغامراتهم مثل سلاسل أفلام «رامبو» و«مفقود في الحركات العسكرية» وغيرها من أفلام الحركة والمغامرات.

وقد يكون نوعاً من الاجترار تذكر كل هذه الأفلام أو إعادة نقدها أو تحليلها، لكن هناك خطوط عامة تبرز في معظم هذه الأفلام عن الحرب في فيتنام:

1- عار الهزيمة والانكسار أمام عدو صغير ومتخلف تقنياً.
2- عار المشاركة في حروب عبر المحيطات لأسباب لا تتعلق بأمريكا مباشرة.
3- اللامبالاة الشعبية والعامة في الداخل تجاه الحرب لسنوات عديدة.
4- التصادم بين العائدين من الحرب مع المجتمع ومؤسساته المختلفة.

ومهما حاولت هذه الأفلام التحليل والتعمق والذهاب بعيداً في التعاطف مع الضحايا من الجانبين، إلا أنها لم تذهب إلى تأشير السبب الرئيسي للانغماس في هذه الحرب، ألا وهو الحرب الباردة، أي الصراع ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي وحلفائه في المعسكر الاشتراكي وقوى التحرر الوطني في كل مكان، وخصوصاً فيما كان يُعرف بالعالم الثالث. المهم في هذه الحرب الباردة الطويلة، كان دحر إمبراطورية «الشر» الشيوعية وكل من يصطف معها، كائناً من كان وفي أي مكان، من الأدغال إلى الصحاري، من شرق آسيا مروراً بإفريقيا إلى أمريكا اللاتينية.

وربما كانت عشر سنوات بعد انتهاء الحرب في فيتنام كافية لإخراج هذه العقد والجروح النفسية إلى الخارج وتحليلها ونقد الأخطاء والمواساة الجماعية سينمائياً، فكأنما هذه العملية كانت نوعاً من «المعالجة النفسية الجمعية» لعموم المجتمع الأمريكي أو نوعاً من «الاعتراف» الديني الجماعي لغرض طلب المغفرة أو التطهير من الخطايا والعقد ومركبات النقص. لقد أعادت السينما شق الجروح وتوغلت فيها من الناحية الإنسانية والفنية، في عملية طويلة من أجل رأب الصدع في المجتمع ومعالجة الآثار السلبية المتخلفة عن الحرب... كي تعود أمريكا في النهاية إلى زعامة العالم بوجه جديد وبروح جديدة، وحتى بأساليب جديدة. وفي مجتمعات غنية بالمؤسسات الثقافية والإعلامية وبأحدث تقنيات الاتصال والمعلومات، وفي ظل نظام ليبرالي عريق، فإن السينما تلعب دوراً كبيراً في نقل الرسائل وتحقق التفاعل بين الشعب والمؤسسات القيادية، لمعالجة التصدعات وسوء الفهم العميق الذي ينشأ خلال مسيرة هذه المجتمعات.

ولإبراز كيفية تعامل السينما الأمريكية مع الموضوع الفيتنامي بعد هزيمة أمريكا والآثار القاسية التي خلفتها داخل المجتمع الأمريكي وكيف تم تحقيق التجاوز أو التسامي سينمائياً، سنأخذ نموذجاً سينمائياً: هو ثلاثية أفلام «رامبو» التي لعب فيها دور البطولة النجم الشهير « سلفستر ستالوني»... وهي أفلام معروفة جداً وشعبية في كل مكان، وتمثل أسلوباً نموذجياً للدعاية السينمائية الممتعة، وهي تعتمد على مقومات وأسس واضحة ومحددة:
1- أفكار إنسانية بسيطة.
2- نجوم رائعون في البطولة.
3- إبهار جمالي وتقنيات عالية ووضوح في الرؤية والتنفيذ.
4- التعبير المباشر عن المجتمع الأمريكي في حقبة زمنية متحركة.

إن أول الأفلام السلسلة هو أصعبها، إذ لا تظهر خيوطه بوضوح، والبطل في ظهوره الأولي غير مقبول، سلوكه غريب، وحشي أو بدائي نوعاً ماً، غير منسجم تماماً مع المجتمع الذي بدوره يرفضه ويصطدم به لاحقاً. ومن وجهة نظر المجتمع، فإن «رامبو» هو التجسيد المباشر والعملي لعار الحرب في فيتنام من كل النواحي؛ المشاركة، الهزيمة، الانهيار النفسي والأخلاقي. إن الفيلم يتحدث عن الزمن الذي احتاجه المجتمع الأمريكي والعائدين من الحرب لوضع لغة مشتركة بينهما، وهي لغة العنف المفهومة بوضوح والمقبولة أيضاً داخل هذا المجتمع «المهووس» بالعنف.


بعد مرور سنوات على حرب فيتنام، فإن المصالحة مع النفس تتحقق داخل المجتمع، وهؤلاء العائدون من الحرب - الضائعون في البداية - تتطور شخصياتهم، وتصبح لهم توجهات «روحية» وانفتاح على الديانات الشـرقية والحضارات الأخرى وأتباعها. لكن إمبراطورية «الشـر» السوفييتية لا تتوقف عن التحرش بالشعوب وإيذاء الناس...

وإذا كان الصراع في الفيلم... أمريكياً داخلياً محضاً، فإن الناس تطابقوا أو تماهوا تماماً مع رامبو - في كل مكان من العالم - في رفضه للمجتمع وعدم انسجامه معه، ثم قتاله وحده ضد رموز وقوى السلطات المحلية في أمريكا. المهم، أن رامبو اجتاز امتحان القبول الأولي لدى الجماهير - داخل أمريكا وخارجها. إنه ضحية حقيقية لعدوانية السياسة الأمريكية في الداخل والخارج... لكنه ضحية مقاومة، غير مستسلمة، والناس تعشق مثل هذه «النماذج» من دون تفكير أحياناً.

لكن رامبو – والشريحة التي يمثلها - يهدأ رويداً... رويداً؛ في السجون والمصحات .. إلخ، ليستعيد بعضاً من حياته وعقله وأصدقائه الذين فقد قسماً كبيراً منهم في الحرب، إما قتلى أو أسرى أو مفقودين. هنا ندخل في الفيلم الثاني من السلسلة، بعد أن تستعيد أمريكا توازنها من صدمة الهزيمة وتبدأ بالتعامل مع نتائج ومخلفات الحرب، حيث تنشط بعض مراكز الضغط في أمريكا من أجل البحث عن الجنود الأحياء، المفقودين في فيتنام، لتحريرهم وإعادتهم إلى الوطن. وبالطبع، يُكلف رامبو – ضحية العدوانية الأمريكية – بهذه المهمة؛ حيث يجابه الفيتناميين «الأشرار» وحلفائهم الروس... في مهمة ليست عدوانية أساساً، مشروعة نوعاً ما، للبحث عن المحتجزين وإنقاذهم وإعادتهم إلى أهلهم ووطنهم. في منتصف الفيلم تتخلى رموز الإدارة الأمريكية عن رامبو لمصيرٍ أسود تحت أيدي الفيتناميين والروس، فيزداد الرفض الجماعي - بين المشاهدين - لهذه الإدارة المخاتلة التي تستغل مصاعب أبنائها في الأسر، وتضحي بهم وبمن يعمل على تحريرهم، لأجل إغلاق ملفات فيتنام نهائياً. رامبو يتحدى الإدارة التي تتخلى عنه ويهدد رموزها بالويل والثبور، ويقاتل من أجل إنقاذ الأسرى بمفرده وينجح في تحريرهم.

إن هذه الأحداث تدير رأس المشاهد، فينقلب ولاؤه ليصبح تماماً مع رامبو ضد الذين يحتجزون الأسرى من دون سبب، وضد من يستغل قضية الأسرى في أمريكا لأغراض سياسية أو إعلامية. إن رامبو ينتصر... بحب ودعوات وتعاطف المشاهدين في كل مكان، فينقذ الأسرى المساكين ليحرج الإدارة الأمريكية ويفضحها.

في الفيلم الأخير من الثلاثية، وبعد مرور سنوات على حرب فيتنام، فإن المصالحة مع النفس تتحقق داخل المجتمع، وهؤلاء العائدون من الحرب - الضائعون في البداية - تتطور شخصياتهم، وتصبح لهم توجهات «روحية» وانفتاح على الديانات الشرقية والحضارات الأخرى وأتباعها. لكن إمبراطورية «الشر» السوفييتية لا تتوقف عن التحرش بالشعوب وإيذاء الناس... وهذه المرة في أفغانستان المسلمة، حيث يقاتل الأحرار - او الـFreedom Fighters - بسلاحهم البدائي أكبر قوة نووية في العالم. الفيلم يقول: إن أمريكا محرجة؛ إنها تريد مساعدة الأحرار، لكنها لا تريد التدخل بشكل مباشر والتورط في الحرب... الفيلم يدعونا إلى احترام هذه الحكمة والتعقل، إلى التعاطف مع النوايا الحسنة بمساعدة المقاتلين المسلمين دفاعاً عن أرضهم وشعبهم... لذا يترك رامبو الدير ليقاتل الروس ويساعد المقاتلين الأفغان الأحرار. رامبو – على الشاشة وفي ذاكرة الناس وعواطفهم – لم يعد رمزاً أمريكياً، إنه مقاتل إنساني حر ضد الزيف والتسلط والعدوان على الشعوب. رامبو، أيضاً، حرر المجتمع الأمريكي من عقدته وصالحه مع ذاته، وأعطاه دفعة قوية ليواصل مسيرته ويتحمل مسؤولياته أمام أمريكا نفسها والعالم أجمع... لتكمل أمريكا «رسالتها» في مقاتلة الروس في أفغانستان بطرق غير تقليدية، لتكون بداية النهاية للاتحاد السوفييتي وحلفائه الشيوعيين في كل أنحاء العالم.

أفلام رامبو – ومشتقاتها وشبيهاتها – حملت رسالة «الريغانية» السياسية، داخل أمريكا وخارجها، بكل إخلاص ووضوح، مبشرة العالم بأمريكا قوية وحكيمة ومساندة لنضالات الأحرار، أمريكا أخلاقية، ناهضة.... وذات رسالة «خالدة».

هذه هي السينما في المجتمعات المتفاعلة الحية: قد تكون متعة لساعات ولجماهير كثيرة، لكن رسالتها وآثارها العميقة في الوجدان والفكر... تصلح كعلاج نفسي وتربوي أحياناً للمجتمعات المتأزمة، كما قد تصبح أو تتحول إلى رسالة سياسية تفسر العالم، لا بل تعمل على تغييره أو تهيئته للتغيير.

إن السينما الأمريكية لن تستطيع التخلص من آثار حرب فيتنام تماماً حتى منتصف التسعينيات، حتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتحول أمريكا إلى القوة الكبرى الوحيدة في العالم. حيث شهدت حقبة التسعينيات من القرن الماضي فيلمين مهمين من صنع المخرج الكبير أوليفر ستون، أولهما «المولود في الرابع من تموز - يوليو»، وهو قصة حياة شاب أمريكي اسمه رون كوفيك، مولود في الرابع من تموز - يوليو ذكرى يوم الاستقلال الأمريكي، مليء بالأحلام والطموحات التي تتكسر كلها في الحرب... التي يعود منها معوقاً على كرسي العجلات. يحكي الفيلم عن الهزيمة العسكرية والنفسية والجسدية الشاملة، لكن الإيجابي والمهم في الفيلم... هو التركيز على الحركات المناوئة للحرب والفعاليات الشعبية والمظاهرات الناشطة ضد استمرار الحرب. يتحول البطل المهزوم كلياً إلى بطل إيجابي من خلال مساهمته في العمل السياسي ضد الحرب والسياسات الأمريكية العدوانية. بالطبع، إن الفيلم اجتذب الجمهور بقوة بوجود النجم الوسيم «توم كروز»، الذي لعب دوراً «أيقونياً» لا ينسى، دوراً مخالفاً لصورته السينمائية المعتادة من الجماهير.

وأخيراً، يبقى فيلم أوليفر ستون «السماء والأرض»، المنتج في أواسط التسعينيات، وكأنه الكلمة الأخيرة. الفيلم يقترب من فيتنام وشعبها كثيراً، البطل الأمريكي يمرّ بشكل عابر في حياة البطلة الفيتنامية، الفيلم كله يدور حول قصة حياتها التي تتداخل مع الحرب والتدخل الأمريكي في فيتنام. ورغم زواج الفتاة الفيتنامية بالجندي الأمريكي (مشروع للمصالحة) وانتقالها للعيش معه في أمريكا، إلا أن الحياة بينهما لن تستمر لمختلف الأسباب - التناقض بين الشرق والغرب -، وعندما يموت الزوج تعود البطلة مع أولادها إلى فيتنام الموحدة الخارجة من الحرب، لتعيد اكتشاف وطنها المتألم والممزق بسبب الحرب والفقر وتصفية الحسابات بين أبنائه، تعود لتتصالح مع أهلها ومع ذاتها ومع حقول الرز.


إن السينما الأمريكية لن تستطيع التخلص من آثار حرب فيتنام تماماً حتى منتصف التسعينيات، حتى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتحول أمريكا إلى القوة الكبرى الوحيدة في العالم. حيث شهدت حقبة التسعينيات من القرن الماضي فيلمين مهمين من صنع المخرج الكبير أوليفر ستون، أولهما «المولود في الرابع من تموز - يوليو»

ربما يقول ستون... إن وضع المنتصر في الحرب ليس أفضل كثيراً من وضع المهزوم... الحرب في الحقيقة كانت ضد روح فيتنام الحقيقية، ممثلة في شخصية «الأب» الحكيم المحب، الذي يعمل في حقول الرز ليديم الحياة ويحافظ على التراث والتقاليد والأبناء... إلى الأبد.

في النهاية، لا يبقى من هذا الفيلم «المُتعِب» و«المُحزِن جداً»... إلا مناظر حقول الرز الواسعة المغمورة بالمياه، في مشاهد «بانورامية» جميلة، مصحوبة بالموسيقى الملحمية «الشرقية» المذهلة للساحر الياباني «كيتارو»؛ الذي يمسك بروح فيتنام وجمالها ومأساتها وعظمتها «الخالدة» منذ البداية وحتى النهاية، في شريط صوتي وموسيقي رائع ومؤثر.

وربما كان إلقاء بعض الضوء على الماضي مفيداً أحياناً لفهم الحاضر والمستقبل، ليس بطريقة ميكانيكية أو مباشرة، فالتاريخ لا يكرر نفسه بنفس الطريقة.... لأن البشر الذين يصنعون التاريخ، لايكررون أنفسهم بنفس الطريقة!