علاقة الاجتماعي والدرامي
جدلية؟ أم تبعية؟ أم حلول صوفية؟
علاء الجابري
دائماً ما تحتاج العلاقة بين الاجتماعي والدرامي إلى طلب نوع من حسن النية في التعامل معها, وذلك على خلفية التحكم العريض لبعض التوجهات الإيديولوجية في المسألة برمتها، ولفترات طويلة, فيحتاج الأمر لشيء من التعاطف لدرء ظلال إيديولوجية معينة ارتبطت بالحديث عن «المجتمع» و«الالتزام» و«الوظيفة» وسواها من اللافتات الضخمة التي أرادت أن تقف الحياة – بكل مفرداتها – تحت ظلالها, بما فيها الإبداع, برغم فرديته وانفلاته عن التأطير.
إن الاجتماعي الذي نقصده نسق متحرك ينبني داخل علاقات, يحتل بعضها موضع الصدارة, ويصبح بعضها الآخر مجرد خلفية للإطار المقصود, ولا نقصد - على الإطلاق - تصوير الإبداعي بوصفه نسخاً باهتاً للاجتماعي, أو تابعاً بسيطاً, يدور معه حيث دار, وإنما غاية المراد أن نصف الإطار الاجتماعي وبيان حضوره في الإبداع, مهما حاول التجريب أو التطوير, ولاسيما في الفن المسرحي بمواضعاته الموروثة من جهة, واعتبارات التلقي الشفاهي من جهة أخرى, ولا ريب أن تلك الشفاهية ترتبط بما رآه جابر عصفور (متأثراً بجولدمان كما أقر) «المبدأ الأساسي»(1) «وهو أن الإبداع الأدبي جانب من السلوك الإنساني يخضع للقوانين نفسها»(2).
إن تجادل الإنسان مع المنظومة الاجتماعية لا يعني استاتيكية الإبداع وثباته في مواجهة المستوى التعاقبي للأعمال الإبداعية, وهو أمر صار مستقراً ومشهوراً, طبقاً لسعي الأعمال الإبداعية - في أغلب الأحيان- إلى هدم الأبنية القديمة, وتأسيس أبنية ورؤى جديدة. إن الأمر لا يعدو أن يكون «سلاماً مؤقتاً»– إن صح التعبير – مع المنظومة الاجتماعية, واستغلال الهدنة شيئاً فشيئاً للتسرب داخل المنظومة المستقرة وصولاً إلى استقرار الفن المسرحي, ومجاوزة ذلك إلى قدرته على مناقشة «التابوهات» – مثلاً – في مرحلة تالية. إن «أفق التوقعات» يحضر فيه الاجتماعي بشكل بارز, سواء على مستوى الإبداع أو التلقي, دون أن نشتط فنرى أفق التوقع محدداً للعمل على نحو نهائي وبخاصة في جنب الإبداع بحكم كونه مجاوزة, ولكنه أكثر فاعلية مع مستوى التلقي؛ إذ إنه «من المسلم به أن تلقّي المتفرج للعلامات المسرحية يوجهه, سواءٌ بشكل واعٍ أو غير واعٍ تجربته الحياتية واليوميـة وخبرته في وضع شيفرات وحل شيفرات اجتماعية مشابهة..»(3).
ويقف التاريخ المسرحي شاهداً أكيداً على أن الفن المسرحي اجتماعي بامتياز؛ فالمسرح الذي يحتوي كثيراً من الفنون, بفعل أبوته للفنون جميعها يكيّف هذه الفنون مع طبيعته – هو- الداخلية, ويرغمها على الاعتراف بخصوصية الفن المسرحي, حيث إن الفنون الداخلة إليه تكتسب قيمتها, وقيمها من مجاله, الذي يدخل فيه كونه اجتماعياً بامتياز. إن فكرة مثل «الفن للفن» ربما تتحقق بصورة كبيرة في فنون مثل السينما والرسم والأوبرا والموسيقى, ولكن الفكرة ذاتها تجد كثيراً من التحفظ لدى المسرحيين على مدار تاريخ المسرح بصفة عامة.
ربما كان المسرح أكثر الفنون قدرة على مواجهة الفرد بصورة ذاته, وإذا كنا نتوقف مراجعين لبعض «الكلاشيهات» المحفوظة من نوعية «الفن مرآة المجتمع» فإن أمثال هذه التعبيرات تبقى صحيحة بوجه ما؛ فحين فشلت مسرحية The cenci للشاعر شيلي (1820) برغم جودتها فنياً, سواءٌ على المستوى الدرامي أو الشعري ردَّ الكثيرون فشلها إلى دورانها حول الفعل المحرم, وهو موضوع بغيض في الوعي الاجتماعي, ودخول المجتمعي في صلب المسرحي (دون هيمنة أو تسلط) جعل المسرحية ملفوظة, وربما كان ذلك مصير أوديب, لو استمرأ الفعل, بحيث تتحول المسرحية للدوران حول الفعل المحرم, غير أن ندم أوديب, وفقء عينيه توافق مع السياق المجتمعي العادي, أو الأكثر اتساقاً مع الذات المجتمعية, بما وفّّر – مع الأسباب الفنية بالطبع – خلوداً لأوديب, على العكس من نص شيلي المندثر, دون أن يعني ذلك إجراء مقارنة فنية بينهما.
إن «أفق التوقعات» يحضر فيه الاجتماعي بشكل بارز, سواء على مستوى الإبداع أو التلقي, دون أن نشتط فنرى أفق التوقع محدداً للعمل على نحو نهـائي وبخاصة في جنب الإبداع بحكم كونه مجـاوزة
الحديث عن العلاقة بين الاجتماعي والدرامي لا يحمل وجهة نظر قديمة؛ تجاوزها الزمن كما قد يدعي البعض؛ فالحق أن كثيراً من النزعات التجريبية الحديثة يرى أعلامها وجوب مراعاة هاجس الاتصال وتقديمه - أحياناً - على سواه, وسطورنا تذهب مع آن أوبرسفيلد في رأيها القاطع بأن «النص في المسرح المعاصر كثيراً ما يتجه صوب استعراض الوظيفة الاتصالية على حساب الوظائف الأخرى»(4), فيكون الاهتمام بالمناسبة - أو «اللياقة» بالتعبير المسرحي- والتماشي بين الاجتماعي والدرامي نوعاً من الحديث عن صلب العملية المسرحية برمتها, ويحمل مظهراً لترادف المسرح والحياة, وأن المسرح ظاهرة اجتماعية وحقيقة فنية, حتى إن السياق الاجتماعي يفرز توجهات مسرحية بأكملها, وقد يحمل عوامل زوالها, تماماً كما حدث مع المسرح العبثي الذي أفرزته توجهات فلسفية ومجتمعية بعينها, ثم انقلب الأمر على التيار الجديد مع زوال مقدماته الفكرية والاجتماعية, وفشل سريعاً في المسرح الغربي, وبشكل أكثر سرعة لدينا, ولا ريب أن زوال توجه مثل المسرح العبثي من المجتمع العربي بسرعة كبيرة, وحضور المسرح الملحمي, واستمرار حضوره وتأثيره في المسار المسرحي لفترة طويلة جداً مردود – بشكل أو بآخر – إلى مناسبة التيار المسرحي للمجتمعي أو تنافره معه؛ ليدل زوال هذا واستمرار ذاك على أنه ثمة علاقة مردها اجتماعي تجعل قبول هذا ورفض الآخر متوقعاً, «وكلما أشار النص إلى الوقائع المعطاة التي ينتمي إليها بلا شك عالم السلوك الاجتماعي للمتلقين المحتملين كان قادراً على الأفعال التي تعود إلى تأويله»(5).
لا يقتصر الأمر على أهمية المنحى الاجتماعي في حضور تيار إبداعي, وخفوت آخر, ولكن ربما يمتد الأمر – بشكل ما – إلى المناهج النقدية ذاتها، فلقد كان خفوت الاجتماعي في المنهج البنيوي – مثلاً – واحداً من أكبر المثالب التي جعلت طموح المناهج التالية في تخطي المنجز البنيوي وارداً بشكل كبير, فالحق أن المنهج السيميولوجي – مثلاً – يحضر فيه الاهتمام بالاجتماعي ليكون ذلك أهم مميزاته, وليتجاوز تركيز البنيوية على محاولة الدقة والموضوعية, والتي وطأت في سبيلها – أحياناً – خصوصية النصوص الأدبية, فالبنيوي «يعامل هذه النصوص كما لو كانت نماذج من برادة الحديد أنتجتها قوة خفية»(6). ولا ريب أن حضور النظرة الاجتماعية والاهتمام بفردية العمل بشكل كبير يعتبر اختلافاً مهماً, يبدو في عناية البنيوية بفكرة النظام, فيما تعنى السيميولوجيا بفكرة الاختلاف, أو على وجه آخر, تقف البنيوية عند حدود الوصف والتصنيف, وتغفل السؤال في المعنى, والسبب في إنتاجه, والغايات التي يستخدم فيها, لتنطوي على مثالية شديدة, تصل لدرجة وضع «القواعد»، على الرغم من كون «قراءة نص أدبي وفهمه, شأنها شأن إنتاجه، يعدان كذلك لونين من النشاط الاجتماعي»(7).
ولعل أكبر ما يبرز من طموحات السيميولوجيا, بصفة أساسية, ما تريده من محاولة إخراج النص من تعقيم المناهج الأخرى - التي تضع النص في قداسة لا يحتاجها, ولم يطلبها. إنها في استعانتها بالمناهج الاجتماعية مثلاً -, تعي أن الذات المبدعة لم تبدع نفسها كذلك, وإنما كان المبدع نتاجاً لمجموعة من الظروف الاجتمـاعية والسياسية والاقتصادية, والتي لا تزال تؤثر في مسار النص (بالمعنى الأشمل للكلمة), ليكون الإبداع ظاهرة مجتمعية متفردة إلى حدٍّ بعيد, ومحكومة في النهاية بالفردية التي تنفي كونه وثيقة اجتماعية كما فهم أرباب النقد الاجتماعي ولكنه – الإبداع – يظل محكوماً – في نهاية الأمر بما سماه جوناثان كللر «المحتمل الثقافي»(8) الذي يطرح قبولاً واستمراراً لإبداعات دون غيرها, ويدفع البعض الآخر صوب الفناء المحتوم ويقنن لبعض الأهداف الإبداعية, حتى ما كان منها شديد الخصوصية والاتصال بالذات الداخلية, وهو ما ستشير إليه السطور في الحديث عن تطور «الحب» بين أحمد شوقي وصلاح عبد الصبور.
إن النص نفسه علامة, والعلامة ليست حقيقة فردية, ولكنها حقيقة اجتماعية, بل إن المسألة الاجتماعية تبدو أساسية وطبيعية للغاية في البحث في العلامات على ضوءٍ من تعريف سوسير لعلم العلامات حين جعل المجتمع ركناً أساسياً في تعريفه فقال «إنه العلم الذي يدرس حياة العلامات داخل المجتمع» غير أن الفارق الشفيف, والمهم في الآن ذاته, يبدو في اعتماد المناهج الاجتماعية على إضاءة النص من خارجه فيما تعكس السيميولوجيا تلك الوضعية فتذهب إلى رؤية النص من داخله إلى الخارج.
وإذ يعتبر الكثيرون أن صنم الاجتماعي قد يكون واحداً من أبرز أسباب أزمة المسرح العربي؛ ذلك أن الاجتماعي وسطوته قد يدفعنا للالتزام الممجوج, فالحق أن مرونة الاجتماعي, وعدم ثبات المعايير على نقطة واحدة يتماشى مع تطور النص الإبداعي عموماً, والمسرحي بصفة خاصة, فالشاهد أن المستهجن والممجوج في عصر ما, ربما يصير أساسياً في العصور التالية, فشكسبير – مثلاً – حين قدم مشاهد المعارك على الخشبة عوض أن تروى سرداً كما كان الحال في الفترات السابقة المغرقة في الكلاسية, كان من الطبيعي أن يعارضه – كما هو ثابت – في ذلك التطوير كثيرون, حتى إذا صارت معدلات الحراك الاجتماعي كبيرة بشكل ما, أصبح التغير الإبداعي متسارعاً بشكل موازٍ, وهو الحاضر المشهود من تغير تقنيات وأساليب يقبلها التغير الاجتماعي بعد ذلك, كما حدث بشأن قيام الرجال بأداء أدوار النساء لفترة طويلة جداً, قبل أن يتقبل المجتمع فكرة صعود النساء ليؤدين أدوارهن, بداية من القرن السابع عشر.
هناك شاهد أكثر وضوحاً, يبرز ما نريده من مواكبة المسرحي للاجتماعي دون تبعية, وإنما بعلاقة جدلية تقوم على التكامل؛ كتغيير «إبسن» نهاية مسرحية «بيت الدمية»؛ إذ النهاية الحالية هي النهاية الأصلية التي كتبها إبسن, وهي التي تغلق فيها «نورا» باب الزوجية وراءها, وتجري تبحث عن ذاتها, وتترك زوجها وطفليها, ولكن الزواج نظام اجتماعي راسخ, تقف خلفه المؤسسات الدينية والمجتمعية, ولهذا أحدثت تلك النهاية ضجة عنيفة, دفعت إبسن, بوعي عميق بمواضعات المجتمع, إلى تغيير النهاية كي تتوافق مع المجتمع حينئذٍ, ولمّا تطور المجتمع, وصارت الحرية والبحث عن الذات قيماً واردة بشكل كبير أصبح حتمياً أن تعود المسرحية إلى النهاية الأصلية, بعدما صارت مقبولة على المستوى الاجتماعي.
يتلاقى هذا الموقف مع ما فعله يعقوب صنوع حين قَبل ثورة الجمهور على مسرحية «صفصف»، فغيَّـر نهايتها بعد ثورة الجمهور عليه؛ إذ طالبه بإضافة مشهد ختامي يزوج فيه البطلة, وإلا قاطع مسرحه, فرضخ يعقوب صنوع لمطلب ذلك الغول المسمى بالجمهور, ولا ريب أن «تمثل أي شيءٍ أو تفسيره يعني وضعه أو استحضاره داخل أطر النظام التي تتيحها الثقافة. وهذا يتم عادة, بالحديث عن هذا الشيء بلون من ألوان الخطاب تقبله تلك الثقافة بوصفه خطاباً عاديّاً»(9).
في رحاب المسرح العربي يبدو تراجع «محمد صبحي» عن تبادل القبلات على المسرح مؤشراً اجتماعياً, وذلك على الرغم من عدم الإجماع على استهجان ذلك التصرف, على الأقل من جانب أغلب المتفرجين. إن العلاقة بين التقاليد الدرامية, والتقاليد الاجتماعية, يتم في إطار من العرف الحضاري المتبدل, فالإطار الاجتماعي مكوِّن هام في تقبل العمل المسرحي, ولن يمكن التعلل بكون القبلة «درامية» تحمل جزءاً من المعنى المراد توصيله سبيلاً لوطأة الاجتماعي, فالسياق أكبر من الرسالة, وهو ما يجعلنا نرى في تراجع «محمد صبحي» عن كسر ذلك التابو ما ينطوي على تطور فني, وإيثار لعدم الصدام المجتمعي, حيث يبدو فيه فهم كبير لتصنيف «هال»(10) الذي يهتم بالمسافات بين البشر في المسرح, وقسَّم المسافات إلى مجال حميمي أو شخصي أو اجتماعي أو علني تبعاً لمسافات مختلفة تختلف من مجال إلى آخر, غير أنه تقسيم اجتماعي خالص على معنى وجوب تغيير المسافات بين مجتمع وآخر على خلفية الوعي بتحكم المواضعات الاجتماعية في نسبية تحديد هذه المسافات, والتي قد يكسر بعضها «التابو» الذي يمنع التلامس وهو وجه آخر لتغيير فكرة الحب ذاتها بين مسرحية وأخرى, بحيث نجد الصراع التقليدي «الحب والواجب» في الأعمال الأولى لدى أحمد شوقي مثلاً بينما ينقلب الأمر لدى شاعر مثل «صلاح عبد الصبور» فلم تعد الفتاة هي شرف القبيلة وتحاول درء الظن الخبيث عنها, ولكنها صارت تسرق أباها لأجل حبيبها كما حدث في «الأميرة تنتظر» أو تبحث عن فعل الحب بدلاً من البحث عن معناه كما في مسرحية «ليلى والمجنون» وهذا التباين بين فترة وأخرى, «يعني بشكل بديهي أن هدف الحب مثلاً لا يتم اختياره وفقاً لذوق الذات الفاعلة فقط, وإنما وفقاً للخصائص الاجتماعية – التاريخية التي يندرج تحتها الهدف»(11).
الحديث عن العلاقـة بين الاجتماعي والدرامي لا يحمل وجهة نظر قديمة؛ تجاوزها الزمن كما قد يدعي البعض؛ فالحق أن كثيراً من النزعات التجريبية الحديثة يرى أعلامها وجوب مراعاة هاجس الاتصال وتقديمه - أحياناً - على سواه
لا يقتصر الأمر على مبدعين لم يسهموا في التقليد للفن المسرحي والتنظير له مثل إبسن ويعقوب صنوع ولكن طال الأمر بعض المنظّرين الذين دشنوا للتجريب, فبريخت – مثلاً – حاول إعادة كتابة مسرحية «الأم الشجاعة» حين أثارت شخصية الأم عطف المتفرجين وقت عرض المسرحية للمرة الأولى, ولكن ذلك لم يغير الجمهور, فتعاطف معها, رغم كل محاولات بريخت, فظل الجمهور يشفق عليها, وهي تمضي وحيدة في المشهد الأخير, تجر عربتها الثقيلة. إن معاداة المسرحي للاجتماعي تؤدي – لا محالة – إلى دحض المسرحي وبقاء الاجتماعي بمواصفاته التي تفرضها الحياة, والمسرح وجه رائع وصافٍ للحياة, لا يعيبه انطواء كثير من الثنائيات تحت الظاهر البادي منه ؛ فالجدلية متحكمة في تلك الثنائيات مثل التجريب الذي قد يبدو متنافراً مع سطوة المجتمعي, غير أن ترادف المسرح والتجريب لا يتنافر مع ترافق المسرحي والمجتمعي؛ ذلك أن بحث التجريب عن التحرر من القيود الاجتماعية ينتهي – في آخر الأمر – عند حدود الذائقة السائدة التي تحكم التلقي برمته والتلقي الشفاهي المفترض في النص, والواقع فعلاً في العرض يحكم الطقس المسرحي برمته، ويتحكم في نوعيتها بدرجة ما, دون أن يعني ذلك تناقص التجريب مع أصالة الاجتماعي في المسرح على معنى من نفور التجريب من الصدام مع المجتمع وتابوهاته, دون مهانة للمجتمع من جهة, أو إزاحة الاعتبارات الفنية إلى الصفوف الخلفية من جهة أخرى.
لقد كانت هيمنة الاجتماعي على الفردي هي فرضية باختين الأساسية, التي جعلته – تبعاً لرأي تودوروف – أهم مفكر سوفييتي في مجال العلوم الإنسانية, وأهم منظّر للأدب في القرن العشرين, ولا ريب أن علو القيمة الفنية في نظرة باختين جعل تواري (هل نقول «حلول» تبعاً للتعبير الصوفي الرائع) الاجتماعي داخل الفني شفيفاً لدرجة يصعب معها الحكم بوجوده, وربما كان القول بغيابه أكثر صعوبة. إن الإمساك بالخيط الرفيع الواقع بين «الالتزام» من جهة وما يمكن تسميته «مراعاة المقتضى الاجتماعي» من جهة أخرى يحتاج إلى حرفية رائعة, وهو ما اتضح من الأمثلة التي سبقت, حيث ترافق الوعي بالمقتضى الاجتماعي مع التطور الفني ونضج الوعي لدى بريخت أو إبسن أو محمد صبحي أو يعقوب صنوع, أو لدى بعض النقاد مثل تحفظ الدكتور أحمد مجاهد على المسافات في تصنيف «هال», أو تقييم تودوروف الرائع لباختين الرائد الكبير. إن الوعي بحلول الاجتماعي لا يتماشى مع الالتزام, أو توظيف المسرح اجتماعياً, كما قد نتوهم, فإنه – إذا جاد وارتقى – لا يحتاج لإقامة علاقة «تقية» مع المجتمع, وغاية ما يبحث فيه تجادل الفني مع الاجتماعي, وبخاصة في رحاب المسرح.
الهوامــش:
(1) د. جابر عصفور : نظريات معاصرة, هـ. م. ع. ك, 1998, ص 145.
(2) السابق: نفسه.
(3) ألين استون وجورج سافونا : المسرح والعلامات, ترجمة سباعي السيد, ومراجعة د. محسن مصيلحي, أكاديمية الفنون, القاهرة, ص 211.
(4) آن أوبرسفيلد: قراءة المسرح, ترجمة مي التلمساني, وزارة الثقافة, مصر, مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ص 28, 29.
(5) د. صلاح فضل: شيفرات النص «دراسة سيميولوجية في شعرية القص والقصيد» الهيئة العامة لقصور الثقافة, كتابات نقدية (85), فبراير 1999, ص 229.
(6) رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة, ترجمة د. جابر عصفور, الهيئة العامة لقصور الثقافة, مصر, سلسلة آفاق الترجمة(1) 1995, ص 132.
(7) روبرت هولب: نظرية التلقي (مقدمة نقدية), ترجمة د. عز الدين إسماعيل, المكتبة الأكاديمية, مصر, 2000, ص 58.
(8) راجع في هذا المفهوم «الشعرية البنيوية» ترجمة: السيد إمام, دار شرقيات, مصر, 2000, ص 175.
(9) رامان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة, ص 39.
(10) يرى «إدوارد هول» عالم الأنثروبولوجيا في تنظيمه المسافات بين الشخوص واستقراء دلالاتها أنها تنقسم إلى أربع درجات :
1- المسافة الحميمة = تلامس.
2- المسافة الشخصية (من 1.5 – 4 أقدام).
3- المسافة الاجتماعية (من 4 – 12 قدماً). 4- المسافة العلنية (من 12 -25 قدماً).
ويرى المسرحيون نفي الأول وندرة الثاني, ودوران المسرح بين الثالث والرابع.
لمزيد من مبادئ هذا التصنيف راجع:
1- كير إيلام: سيمياء المسرح والدراما, ترجمة رئيف كرم, ص 102, وما بعدها.
2- جوليان هلتون: نظرية العرض المسرحي, ترجمة د. نهاد صليحة, ص 43, وما بعدها.
3- شرح د. عادل فواخري له في مقاله «حول إشكالية السيميولوجيا» مجلة علم الفكر، الكويت، المجلد (24) العدد (3) يناير– مارس 1996.
(11) - آن أوبرسفيلد: قراءة المسرح, ص 95.
|