|
محمد الجزائري
1 ـ شبه تمهيد:
ما هي حدود «الفنون» التي أنجزها العمال والحرفيون الصنائعيون الشعبيون من المسلمين ومن غيرهم، في حاضنة تتماهى والإسلام، أو تعلنه ديناً رسمياً للدولة؟
هل تجلت في مطرزات الزي، ونقوش الحلي، وزخرفة العمائر والعمائم، وتضاريس المسكوكات والمكبوسات والمطروقات في رقائق المعادن الخفيفة كالذهب والفضة والصفيح الأصفر (البرنج) أو صبِّها في قوالب المعادن الثقيلة كالبرونز والرصاص والحديد، أو فيما تركه الصاغة والحفارون النقاشون على الخواتم والأختام من نقوش وكتابات وزخارف، من عهود ما قبل التاريخ حتى شاعت لدى الخلفاء المسلمين ووزرائهم وطبقة التجار والموسرين، أو فيما زَيَّن به الزخرفيون والرسامون والوراقون تلك الكتب والمخطوطات العتيقة والجديدة من تحليات زخرفية ومرسومات مجاورة لمضامين الكتب وعلى هوامش متونها، أو ما أبدعه الفخارون والخزافون من أوانٍ وجرارٍ ومربعات متجاورة من الآجر والقاشان، أو ما نفذوه من خطوط متعاشقة ومتوالية على جدران القصور والمساجد وما نقشوه أو نفذوه على الخشب مطعماً بقطع العاج أو قشرة الخيزران أو رقائق المعادن الثمينة، كما فعل أسلافهم القدامى في قيثارات أور التي وجدت في مقابر السلالة السومرية الملكية الثالثة، كجزء من طقس الدفن ومعتقد حياة المسرات الأخرى بعد الموت، كرحيل أول عن الدنيا الأرضية إلى دنيا الجنان؟!
حتى فيما قدمه الخياطون، الحرفيون، والطرزيون، من نقوش ومطرزات أو تطاريز بخيوط الحرير والذهب والفضة على عمائم الخلفاء العباسيين بخاصة وحللهم وحليهم، أو ما زينوها به من فصوص من الجواهر كالياقوت والزمرد، أيضاً امتداداً لما قام به الترف الأكدي والبابلي من تجميل تمثيل معبوداتهم وحوريات قلوبهم، كقناع امرأة من الوركاء، حيث حُفر المفرق وملئ بالجواهر والأحجار الكريمة، كذلك الأمر في محاجر العيون ووسط إنسانها!
«الفن» ـ ومن تجليات جماله وجلاله تلك التي نسميها اليوم: «الشعرية» ـ تمظهر في حجم الجمال وشكله الذي نضحت به تلك المصنوعات والمشغولات والتحف، كنصوص بصرية قابلة للديمومة والنظر وإثارة التأمل والدهشة والمتعة، في آن زمنها والأزمنة التالية، إلى أبد الناظرين بمقل مثقفة وشاعرية الهوى.
ربما نشعر بصرياً بتلك «الشعرية» تتجلى في حركة جسد أنثوي يتمايل رقصاً وغنجاً ودلاً، وتزيد من جماله ومتعة جلاله، حركة تلك الأزياء الشفيفة وألوانها تحت أنوار الشموع والقناديل، عبر أجساد الراقصات العباسيات والشرقيات بعامة، في حومة تلك الرنات السابحات في مقامات الوجد والعشق والغناء، مع إيقاعات الطبل والرق، ومتوالية أصابع عازفة القانون ورجع صدى نغمات أوتاره في الصندوق المسجى على منحنى فخذي تلك الفاتنة من الجواري والقنان المتمرسات، وصولاً إلى عازفات الفرق الاحترافية في الكونسرتات الشرقية وفرق معاهد الفنون المسرحية، مع مدات النايات الساحرات، والمزامير التي تنفخ بها شفاه رقيقة أو ممتلئة، تمرست الإغراء والبوح بصوت الموسيقى.
(الشكل) البصري وما يولده في المطلق من الحواس من جمال وجلال، هو من تجليات (الشعرية) أو هو في صلبها!
الفنون أنتجها المهرة المسلمون ومن عايشهم من الديانات والمذاهب الأخرى، فصاغوا ــ على هوى تلك المرحلة وأذواق بشرها الداعم ومراميه ـ صناعة النمط، والأسلوب، والنموذج، بعد أن فكوا أسرار «السمة» و«العلامة» و«المقام»، كبنية جمالية وفلسفية، واستكشفوا طاقتها التعبيرية، الداخلية والخارجية، فصاغوها على (شكل) متعة موسيقية، كما هو جوهر الشعر وغرضه المتسامي الأسمى، مهما كانت وظائفه الآنية وأغراضه، وحوافز منتجيه!
وإلا فالمسلمون، المسلمون، ظهروا في الخشن من اللباس، والزهد في المُعاش، حتى دخلوا الأمصار الأخرى، وتعرفوا نعيم أرضها ومنتج مبدعيها، وترف قصورها وملوكها، واحتكوا بحاضرها وحضارتها، فغرفوا من غنائم أصابوا بها ترفاً، وامتاحوا تالياً من إبداع منتجيها ومهارتهم في تخليقهم للجمال في الملبس والمسكن والمأكل واللياقات.
وحين شيد العرب «الدولة» بمفهومها الملكي، زمن الأمويين ثم العباسيين، فالأندلس، أسبغوا من نعم الجمال وفنونه، إلى «جمال» النعمة والترف، ما أظهرهم في ذلك الأثر في قصورهم وأثاثهم ومدنهم وفضاءات عيشهم ولباسهم ما تعلموه وامتاحوه من «الآخر»، وأضافوا عليه وزينوه بسيماء طبيعتهم وخيالهم وأنماط حكمهم، وفلسفتهم في الحياة والموت: الدنيا والآخر.
وظل «الخط العربي» هو السيد، وحده «الفن» الذي رافق تلك الأقوام، مذ كانت للجاهلية الأولى أسواق للشعر ومعلقات وأيام، حتى صدر الإسلام وما بعد، حيث صار وسيلة التدوين لرسائل التبشير والتحذير لملوك العالم وقياصرته وأباطرته، ولتوثيق الآي الكريم وتدوينه في المصاحف الأولى، بما اصطلح عليه تالياً «الخط الكوفي المصحفي» في القرن الأول للهجرة.
لذا لم تأتِ مقولة ابن عربي «واعلم أن القرآن يحوي على جلال الجمال وعلى الجمال» في (كتاب الجلال والجمال)(*) ـ في رأينا ـ إلا لتوكيد شعرية المضمون وليس جمال الشكل، بل الجمال والجلال اللذين يظهرهما المضمون، كحالة عرفانية، هي في الخلاصة (شعرية) فن القول. ومن زاوية نظر الخطاطين، بعد أن تمرسوا في القواعد الخطية والتجويد وخرجوا عن وعورة الخط الكوفي المصحفي الأول، وصولاً إلى ليونة الكوفي المغربي، والديواني والفارسي وما توالدت من أشكال ورنات، كما تماماً القراءات والتجويد لآيات الذكر الحكيم، من قارئ لآخر، سبعة أو أكثر أو أقل، لا يهم، لكن المهم ما تعطيه تلك القراءات السمعية أو البصرية، من تلاوين الجمال والجلال، وما يترسب لدى الخطاطين بخاصة ولدينا بعامة ـ كمتلقين مساندين ومتعاضدين متفهمين ـ من التواصل حدّ السمو والتسامي أحياناً، بسبب متعة (الشعرية) التي ولَّدها ذلك الجمال، وما أضفى الجلال عليها من هالة الخشوع والتجلي العرفاني.
وإذا كانت هناك «شعرية» في تلك الفنون، فقد تجلت أيضاً في «الزخرفة»، والقوس المنحني، وملء الفراغ الوهمي بين كتلتين ماديتين.
يؤمن خالد الرحال، وهو نحات عراقي مبرز، بأن موسيقى منحوتاته الصلدة تنبعث من الفراغ بين كتلتين، موسيقى يسمعها في خلده ووجدانه وتملأ رأسه، كأنه يضع كل وحدة من وحدات منحوتاته بين هلالين، فتتولد متوالية موسيقية، كما لو كانت استلافاً من أجداده السومريين في زخرفة جدار معبد الألف عين في الوركاء من منتصف الألف الثالث قبل ميلاد السيد المسيح، حين وضعوا مخاريط من فخار ملون بالأبيض والأسود مرصوصة جوار بعض كإزاز للجدار الداخلي زينة، فصار تشكيلها زخرفة بصرية سبقت فن الأوب آرت بحقب وسنين، فيا للحداثة المبكرة، أو ما أنتجه البابليون في شارع الموكب أو على بوابة عشتار من زخارف نباتية وهندسية وحيوانية، جوار تلك الريليفات من الحيوانات التركيبية الغرائبية، فصارت مثالاً يحتذى إلى يومنا هذا.. أو فيما آلت إليه الزخرفة الجصية في سامراء من جمال الزخرفة في التناظر والتماثل، فصارت قبساً يهدي الحرفيين لتجميل السقوف والجدر والصالات والغرف العامرة والدواوين، وكان ذلك تأسيساً لما اصطلح عليه تالياً «فن الأرابيسك».
2 ـ الزخرفة:
الكتابة روح اللغة
والزخرفة ثوب الفن..
والحرف العربي هو الخلية التي تكوِّن جسد اللغة العربية.. لذا عُدَّ الخط، منذ البداية من وجهة نظر تراثية إسلامية بأنه وسيلة لحفظ الكلام الإلهي.

أمثلة:
(ن. والقلم وما يسطرون).
(والطور. وكتاب مسطور).
(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون).
(وليكتب بينكم كاتب بالعدل).
(والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً).
(وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً).
لكن، لنتأمل أقدم طرائق التعبير البصري، فسنجد بين الطية وفي الثنية، مستوراً أو في السطح ظاهراً معلوناً، ذلك الومض من «الشعرية»:
فثمة، كما اتفق الباحثون، المرحلة التصويرية الذاتية: وهي أقدم طرائق التعبير البصري عن الكلام المسموع، وفيها يكتفي الكاتب برسم مدلول الكلمات الواحدة تلو الأخرى.
وتعتبر هذه المرحلة من أبسط مراحل الكتابة، لأنها حالة تصويرية عن فعل حدث تماماً مثلاً:
(الرجل): يُعبر عنه بصورة رجل.
(والتضرع) يعبر عنه بصورة (يد) تُرفع تتقدم إلى أمام.
و(الأكل) يُعبر عنه بيد تمتد إلى الفم.
و(الماء) يعبر عنه بأمواج متتابعة.. وهكذا..
وكانت الصورية الذاتية تعتمد لدى كهان المعابد القديمة في مصر، كالكتابة الهيروغليفية، وتكتب عادة بصورة عمودية، من الأعلى إلى الأسفل، بعد أن كانت تكتب من اليمين إلى اليسار وبالعكس. (والهيروغليفية) كتابة تطورت نحو تبسيط الصورة وتوحيدها، فزودت بإشارات مصرية لتحديد المعنى، ولكثير من هذه الإشارات وظيفة نحوية صرف، ولا تقرأ أو تنطق كالإشارات التي بين المذكر والمؤنث والجمع التي تميز الآلهة عن البشر. و(هيروغليفي): لفظ مركب من كلمتين يونانيتين تعنيان (الحفر المقدس: Heroglyphiy) أو: كتابة مبهمة بحسب «المورد».
والصورية: مزيج من إشارات ذات معنى، (بمنزلة الكلمات) ومن إشارات صوتية، بحسب المؤرخ (موريت) أو إشارات ترمز إلى أصوات.
وقد عرفها علماء الآثار الفرعونية بالإشارات التشكيلية، وهي إشارات كتابية تشمل أشكالاً للكائنات أو للأشياء. وهذه الإشارية في جوهرها رسوم مبسطة تعبر عن الأشياء في معناها، فرسم العصفور يعني العصفور، وكذلك رسم اليد والفم.. إلخ، أما المجازية: فهي رسوم اكتسبت مدلولاً مجازياً من نوع المجاز المرسل والكناية والاستعارة. فاقتصر رأس الثور على أداء معنى الثور، وصار معنى الهلال يعني الشهر، ومقدمة الأسد تعني الرفعة والتفوق، وقد ولدت إشارات متعددة النطق، حيث أدت بعض الرسوم إلى معانٍ مجازية متنوعة.
أما المعاني التي لا صورة لها من الخارج كالحب والبغض والصباح والمساء، أي المعاني الكلية، التي يضطر فيها صانعها إلى الرموز فيرمز للمحبة بالحمامة وللبغض بالحية، ولليوم برسم الشمس في أعلى دائرة.
أما المرحلة الصورية الرمزية، فإلى جانب الصورة الذاتية: ثمة صورة رمزية تدل على المعاني المعنوية، التي لا صورة لها في الخارج، ويمكن التعبير بها عن حاجات الإنسان، كالرجل المقرفص رمزاً للجائع، والشمس رمزاً للنهار.
أما الزخرفية: فهي كل رسم يعمل على مسطح بقصد ملء الفراغ بهيئات جميلة متناسقة تستريح لها العين، خطوطاً أو هيئات هندسية، أو نباتية أو حيوانية، وجمالها يعتمد على ذوق صانعها ودرجة سيطرته على المادة التي يزخرفها أو يزخرف بها، ومن سماتها:
التكرار والتوازن: ويأتي أكبر جانب من جمال الزخارف من التكرار، فإن ورقة العنب شكل جميل، فإذا رسمنا هيئات ورق العنب متجاورة في صورة متماثلة، حصلنا على زخرف، وكذلك يقال عن زهرة اللوتس أو غيرها.. هذا أولاً.
وثانياً: التكرار المتوالي، ويبدأ من خطين منمنمين متماثلين، ويستطرد إلى صور هندسية ونباتية وحيوانية لا نهاية لها.
وثالثاً: الزخارف تكون بمثابة رسوم، أو تحفر بارزة، وقد تكون ذات لون واحد أو أكثر.
وأول زخارف ظهرت تلك التي أشرنا إليها سلفاً، في إزار الجدار الداخلي لمعبد الألف عين في ماري 2500 ق.م. ومن ثم ظهرت الزخارف في نتاج بابل، كما نوهنا، على جداريات شارع الموكب وبوابة عشتار، نباتية وهندسية، جوار الحيوانات المركبة.
وقد وصلتنا رسوم من القرن الثاني الهجري نجدها في زخارف خلفاء الأمويين ببادية الشام وأخرى في القرن الثالث الهجري عثر عليها في قصور سامراء، وسواها.. كما أكد الباحثون ـ ومنهم د.جمال محمد محرز في كتابه: التصوير الإسلامي ومدارسه ص12، مصر 1962 ـ كما أكد اتنهاوزن بأن حفائر القصور الأموية في الشام وفلسطين أمدت الباحثين بأصول المعمار، والزخرفة الجصية، بل ساعدت على دحض خرافة انعدام النحت في تصوير الكائنات في الفن (الإسلامي)، ولذلك تؤكد الباحثة د. وفاء إبراهيم بأن المنع من التصوير ليس مبدأً يقره الدين للاستاطيقا الإسلامية، بل إنه مبدأ ترقٍّ ووسيلة تربوية أخلاقية، للانتقال في المجسمات إلى اللامجسمات، وفق الرؤية الرؤية الإسلامية في ثنائية العالمين الروحي والمادي، فالفن (الإسلامي) في صدر الإسلام قام بالدور نفسه الذي قامت به الرياضيات عند أفلاطون، أي: تدريب الذات على التجريد.بمعنى كانت هناك في الصدر الأول من الإسلام ضرورة ملحة لتدريب الفرد على المجردات، وذلك لأن المفاهيم الجديدة التي أتى بها الدين الجديد، مفاهيم ذات طابع تجريدي، لأنها مما يخاطب العقل والفكر، وكان لابد أن تنعكس هذه المفاهيم والقيم الجديدة نفسها من خلال الفن بصورة تجانس طبيعتها الأصلية (التجريد) فقادت إلى النزعة التجريدية.
إن الحركة التجريدية في صدر الإسلام تمخضت عن قدرة رياضية أو هندسية، أي القدرة على التحكم، في التفصيلات المكانية وعلاقات التداخل والتشكيل، فاستعملوا تقاطع ما يسمى بالطبق النجمي، وهي زخارف مستديرة الهيئة تصنع خطوطها نجماً في وسطها، تفننوا في ذلك تفنناً يحار فيها العقل، فاستعملوا شكل ورق العنب وفروع النخيل والحبيبات المستلهمة من حبوب النباتات والأقراص والزيتون وسنبلة القمح والفصوص والورود المتشابكة والخطوط المنكسرة والجدائل والخطوط المتعرجة أو المنحنية، وما إلى ذلك.
وثمة الزخارف التي ظهرت على أواني الفخار الخالية من الطلاء والأخرى المطلية، كما في خزف خفاجة في وادي الرافدين، كما استعملت الزخارف على شكل إزارات متوازية، كما استعمل الحرفيون المهرة آنذاك الألوان بنجاح كبير.
وكان المزخرفون الإسلاميون يفضلون الألوان القرآنية، أي التي جاء ذكرها في الكتاب الكريم: كالأخضر (السندس) والأحمر (المرجان) والأحمر القاني (الياقوت) والأصفر لون الذهب، والفضة...إلخ.
وظهرت الكتابة كعنصر زخرفي، بخاصة في تدوين الآي الكريم، وبعض الأحاديث الشريفة وأسماء الرسول والخلفاء الراشدين كعناصر زخرفية. وفضل هؤلاء المزخرفون الكتابة الزخرفية بالذهب على أرضية زرقاء داكنة أو استبرق، ومن مصطلحاتهم (خط الذهب على بحر الاستبرق)!
كما استخدم الفنانون المسلمون الزخرفة على الفخار والخزف بخاصة خزف الفسيفساء بالغ الرقة لتغليفة الجدران منذ القرن الرابع عشر الهجري، بعد أن استعمله البابليون قبل ذلك بآلاف السنين، ومن الأمثلة المتداولة: (قُصير عميرة) في الشام شيِّد في العام 1898 ميلادية، حيث وجدت على جدرانه مجموعة من الرسوم الحائطية.
وتميز اكتشاف (هرتزفلد) لعدد من الصور الحائطية في سامراء عام 1911 بما اصطلح عليه اليوم الزخرفة الجصية في سامراء في (قصر العاشق) وقصر (الغريب) تحديداً، وليس حصراً ثم قصر الحيرة الغربي بالشام اكتشف عام 1936 ونيسابور بخراسان عام 1939، حيث وجدت عديد الصور الجدارية والمرسومات والزخارف، وفيها من الشعرية ما جعلها أمثلة قياسية بارزة في البحوث والدراسات الجمالية والأثرية في آن.
وظهر الفن التمثيلي في الجداريات الآشورية قبل آلاف السنين، ومن الأمثلة الشاخصة حتى الآن ما يكتنز به المتحف البريطاني من مشاهد الصيد والحروف والمعارك البرية والنهرية واقتياد الأسرى، وتدريب الجنود، وولائم النصر على الأعداء ...إلخ.
كما ظهرت على حوائط الجوامع وجدران القصور والمسكوكات، وأقدمها عربياً تلك المرسومة على قبة الصخرة في القدس، وفي ر واق المسجد الكبير في دمشق وقصير عميرة، وأظهرت جميعها موضوعات حياتية كالصيد، والمصارعة والأجساد البشرية.
وفي الكتب الأدبية كانت أول إشارة أظهرت صورة علي بن أبي طالب منقوشة على السيوف ورسمة ليزيد بن الوليد ـ على ما يذكر المسعودي في مروج الذهب(**) ـ كما يذكر المقريزي، كما أن الأشرف بن خليل بن قلاوون أمر برسم صورة أمراء الدولة وخواصها عندما عمر الرفوف بقلعة الجبل، وفي (نفح الطيب) أن عبدالرحمن الناصر نقش صورة الزهراء على باب المدينة التي شيدها وسماها باسمها، عدا عما ظهر في رسوم المغول، والفن التركي، والفن الهندي، وتبلور في المنمنمات، وما أنتجه بخاصة يحيى بن محمود الواسطي في القرن الثالث عشر الميلادي.
أما الرقش فلا يحمل معنى بيانياً، إنما ينقل الشكل الهيولاني والجوهر لأشياء كانت واقعية. الخط من جهة والصورة من جهة أخرى مرّا بتحول أساسي من الشكل البدائي إلى الشكل الفني جعلهما يكتنزان بالشرعية وينضحان بها بصرياً، إذ أصبح الخط صيغة فنية مجردة ترتبط بمعنى وباتت الصيغ المجردة من توابعه، ثم صارت مستقلة تحيط بالمزيد من التزويق، أو تنفصل عنه لتصبح رقشاً بذاته، ثم صار إلى الحروفية، وهي نقشة الحرف وليست معناه في البنية النسيجية للوحة.
أما الوسائل والمواد الزخرفية التي جسدت الشعرية البصرية، فمشت على العمارة والخزف والفخار والنسيج والمعادن والأخشاب، وطرزت بها الرايات والعُصب، والبسط وإطارات السجاد والعباءات العربية، كخيوط الحرير والذهب والفضة، بتوزيعات هندسية زخرفية، نباتية وحيوانية أيضاً، وقد فرضت نفسها على المزخرفين الأوروبيين و(الترزيين)، فظهرت ملامح من الخط الكوفي المصحفي دون أن تكون مادة للقراءة بل كشكل فني فقط، حتى طغى الأرابيسك كفن في الاستعمال اليومي، وهو امتداد بصري لما سبق يضم وحدات من المثلثات والمربعات والمنحنيات في التوازي والتناظر والتماثل وصولاً إلى الوحدة البانورامية التي تنظم الكثرة، فأطلق الباحثون مصطلح الأرابيسك على كل زخرفة متشابكة حتى لو لم تكن عربية، كتلك التي شاع إنتاجها في الأندلس، والمغرب العربي والقاهرة القديمة والشناشيل العراقية، ولا يزال..
3 ـ القباب:
جعلت مخرجة فيلمي «صورة زمن» تصنع مدورة دراما عن بغداد عبر منجز أسياد العمارة في العالم الذين تركوا أثراً لهم في هذه المدينة وحدها، كمثل مبنى جامعة بغداد في الجادرية والمحطة العالمية والقصر الجمهوري وجامعة آل البيت في الأعظمية والمقبرة الملكية ومبنى وزارة التخطيط ومشروع إسكان غربي بغداد ومبنى السفارة الأمريكية والملعب المغلق جوار ملعب الشعب...إلخ.
فصارت شوامخ معمارية إلى جانب القبة المشطورة لنصب الشهيد الذي صممه إسماعيل الترك، وقفت أمام مسجد جامعة بغداد، جوار عدسة المخرجة السيدة عاتكة الخطيب لأشير لها ببدء التصوير في الساعة العاشرة وخمس دقائق ضحى، حيث تتكامل مدورة الفتنة بين قوس القبة ونظيره الانعكاسي على الإغمار المائي المقابل، إذ جعل المعمار قبة المسجد على شكل نصف دائرة تتصل بالأرض، بل جعل المسجد كله محض قبة تستقر قاعدتها على حافة خط أفق من أرضية مستطيلة من المرمر، وفتح في الفضاء المائي أمامها محض إغمار على شكل بحيرة، فرسم لنا دائرة كاملة نصفها السفلي محض وهم وانعكاس، ونصفها العلوي حقيقة صلدة من الكونكريت، محققاً بذلك مقولة: «الأرض مسجدي!».
إنه جماع بين الواقع والمتخيل في المرئي ولَّد «شعريته» ذاتياً.. كأنه يعلمنا أن الأشياء لا تكمن في المرئي والمسموع حسب، بل فيما نجعله شبيه الواقع وخدنه في متعة تجلياته!
والقباب، تمنحنا جمالية وجلالاً في تلك القوسية، أو الخط المنحني غير المغلق، كما هي السماء، وكما هو قوس البحر حين تبتعد السفينة وكأنها تغرق في خط الأفق، تختفي شيئاً شيئاً، حتى نهاية الصاري والعلم، لكنها تدور في محيط البحر كما لو كانت عربة تسير في الفلاة وتقطع المسافات والمفاوز حتى تختفي فيما يبدو خط التلاشي، أي ما بعد خط الأفق!
القباب تمنحنا هذه الحركة والخيال في المنحنى، وتُنتج عنه، ذلك الجمال والجلال والتسامي.
أي تنتج عن كتلته الصلدة «شعرية» رقيقة خالصة لوجه الفن.
تضاربت الآراء في الأصل الذي أخذت عنه العرب هذا النوع من البناء، إذ استعمل من قبل الرومان والبيزنطيين، وحتى هؤلاء لم يكونوا أول من أدخله في عمارتهم، لأن الفرس الإيرانيين سبقوهم إلى استعماله.
والعرب استعملوا القباب لأول مرة في بناء (قبة الصخرة) بالقدس، وكانت موجودة في عمارة المسيحيين العرب في سوريا وفلسطين قبل القرن السابع الميلادي الذي نشأت فيه (العمارة العربية)، وبُنيت جدران هذه العمارة من الصخور الصلدة، وجعلت الإيوانات (الأواوين) وفتحات النوافذ على شكل (أطواق) نصف دائرية، أما الأعمدة الرخامية فكانت من مخلفات المعابد والكنائس القديمة، ووضعت كتل ضخمة من الأخشاب القوية في محلات تفرع الأطواق، والحكمة من ذلك هي تخفيف أثر الزلازل الأرضية التي كانت تعاود هذه المنطقة، فراحوا يضعون تحتها هذه الروابط الخشب المتينة لتزيد من قوتها وشدة مقاومتها.
وظل الطراز المسجدي هو السائد في العمارة العربية حتى نهاية القرن التاسع، ومنذ القرن التاسع حتى نهاية القرن الثاني عشر كانت المساجد التي أنشئت قليلة جداً، بينما كانت أهم منشآت هذه الحقبة: القلاع والحصون والسجون والممرات، وهي طراز جديد من الأبنية العسكرية صارت أهم ما أخذه الصليبيون من العرب إلى أوروبا.
مرة سُئل خالد الرحال كيف استوحى فكرة تصميم نصب الجندي المجهول، فأجاب: حين قلبت طاسة «اللبلبي» أمامي استوحيت فكرة الترس المقلوب..!!
ولم يستعن بالفكرة الأزلية التي هي الأرض، ومدورتها المحيرة التي سببت بإعدام غاليليو: الأرض، نعم إنها مدورة!.. تدور وتدور!
والقبر حفرة دائرية في الأصل، ثم صار مستطيلاً، لكن «حدبة» القبر هي بمثابة «البطن» المكور للمرأة الحامل، وكأن القبر ناتج فلسفة (الأرض أمّنا) التي تحمي طفلها الإنساني البشري، لتحنو عليه في رحلته نحو الأبدية ورحيله إلى العالم السفلي!
استعمل «الأسطوات» العراقيون العقادة في سقوف الطابوق المنحنية للداخل كأنها طاقيات حامية، كنوع من الشعور بالأمان الذي يمنحه السقف الداخلي للغرفة أو البيت أو المسجد الجامع، فاتسعت المنحنيات لتصبح قباباً من الخارج وحانيات معقودة من الداخل، كمثل البطن، وغطاء الرأس (الطاقية الأكدية التي شاعت عربياً، وتطور غطاء الرأس إلى العمامة المدورة في أغلب نماذجها)، تصد من الخارج المؤثرات والأخطار في الفضاء المفتوح، وهذه ميزة الأرض ككرة مدورة تحمي سكانها وكائناتها.
وما دام البشر يستشعرون مدورة قطرة الماء والدمعة وقطرة الدم منذ بدء الخليقة وبدء الوعي، فهم أشادوا دورهم الأولى على شكل أكواخ مقوسة من القصب والبردي منذ سومر، وحتى أكواخ الأهوار المعروفة، التي استوحى منها المعمار رفعت الجادرجي منحنيات شبابيك بناياته ومداخلها المقوسة، وصارت قبل ذلك بوابة عشتار البابلية وأبواب قصور آشور بانيبال في نينوى مقوسة تأخذ من الأرض صورة منحناها.
وهي فلسفياً مدورة تمتد لتشمل الحياة والموت، ودورة الزمن من مدورة الليل والنهار والكواكب السيارة والنجوم وحدقات العيون التي نرى فيها، وعيون الماء (نبع) الرواء رجوعاً إلى (النطفة) المدورة القدرية الأولى في التكوين والنماء والديمومة.
فهل يغيب عمن اخترع العجلة ورسم الحروف وابتدع القوانين أن يبتكر قبة تحمي عشتار من شمس أوروك ومن نار غيرتها من فتوة جلجامش وطيبة تموز، وسحر أنكيدو؟
وعندنا كان أول قبرمكور يشيده ابن آدم لشقيقة المغدور تبدى في قصة قابيل وهابيل، ولا نزال نبني قباباً من حزن الأيام وأسى الأحوال والغربات، كما يبنى الدم العراقي قباب المزارات كأنها منحنيات تلال من الرمال اللامنتهية والهضبات.
في ذلك كله ومن ذلك كله، تنبع «شعرية» الفن في العصور جميعاً وتجلت أكثر في الأقطار الإسلامية!
(*) محيي الدين بن عربي: كتاب الجلال والجمال، حققه وضبطه وقدم له: عبدالرحيم مارديني، دار آية (بيروت) ودار المحبة (دمشق) 2002 ـ 2003، ص: 45 ـ 46.
(**) المسعودي: مروج الذهب، ص69.
|