حين يتصافح العظماء... سلطان القاسمي شخصية العام الثقافية
نورة شاهين
تحتار دلالة الأشياء بين المانح والمستقبل، فالمانح يحمل اسم زايد ذلك الرمز الغائر في قلب كل إماراتي والغالي على قلب كل عربي، إنها الجائزة التي تحمل اسم القائد الذي يندر أن تجود به الأيام، وبين الاستغراق في هذه الدلالة تفاجئنا دلالة منح الجائزة للشيخ سلطان بن محمد القاسمي، فهو راع للكتاب عهدناه بهذه الصفة الحانية على كل ما يحمل معنى الثقافة والعلم والفن الرفيع، زايد، خليفة، سلطان، إنها أسماء شكلت حبنا وانتماءنا لهذا الوطن.
تأتي هذه الجائزة تأكيداً لشيء أكيد، وتتويجاً لجهود سنين، ومساندة لرؤية حكيمة، ترى ما هو أبعد من الماديات والصروح والأبنية، إنها تستهدف الإنسان في حد ذاته، وما يمكن أن ينمي هذه الذات ويجعلها مفكرة وراقية وحساسة وكريمة ومفيدة لنفسها وغيرها، فربما تندثر المادة وتزيد تارة وتقل أخرى، لكن الثقافة الراقية والكلمة تظل حية وتنتقل من جيل إلى آخر تنير الدرب وتسعد النفوس.
في وسط زخم التكنولوجيا والتقنيات الحديثة، يظل الكتاب الأساس في المعرفة وطلب العلم، وتأتي هذه الجائزة مؤكدة ومشجعة للثقافة والمعرفة، ومرسخة لدور المثقفين والعلماء ومكانة الكلمة الصادقة والعلم الجاد النافع.
إسهامات الشيخ سلطان..
مؤلفات الشيخ سلطان بن محمد القاسمي اتسمت بالتنوع والقوة وسمو الرسالة والهدف، واهتمت بجوانب متعددة من الفنون والعلوم، كالتاريخ والسيرة الذاتية، وكالمسرح والرواية والقصة، ورفدت وما تزال الساحة الثقافية في الإمارات وخارجها بثراء فكري وفني رفيع، ولا يمكننا حصر إسهامات الشيخ سلطان للساحة الثقافية المحلية والعربية، أو ما نستطيع أن نسميه بالتنمية الثقافية المحلية، واهتمامه ذاك تحول إلى تأسيس مؤسسات تعطي باستمرار في مجال الثقافة والعلم، فرعايته لمعرض الكتاب السنوي وهو بمثابة احتفالية سنوية تعم كل الإمارات في كل عام، وقد أصبح بفضل اهتمام الشيخ سلطان ورعايته أحد أهم معارض الكتاب على مستوى الوطن العربي، ولا يخفى اهتمامه بالمسرح وتبنيه لأيام الشارقة المسرحية، واهتمامه بالتراث والمتاحف، وغيرها الكثير من الإسهامات المتعددة والمتوالية.
وجاء قرار الهيئة الاستشارية بمنح الجائزة لحاكم الشارقة للحركة العلمية والثقافية النهضوية التي انتهجها على مدى أكثر من ثلاثة عقود في إقامة المؤسسات العلمية والثقافية بإمارة الشارقة ودعم النشاطات ذاتها بدولة الإمارات العربية المتحدة وسائر دول العالم، بالإضافة لانتهاجه سياسة ثقافية واعية في شتى الحقول العلمية والمعرفية.
إن إسهامات الشيخ سلطان بن محمد القاسمي في الساحة الثقافية المحلية والعربية هي بصمات عميقة بادية للعيان، وهو نموذج فريد لظاهرة الحاكم المثقف، التي لا تتكرر إلا نادراً، وباهتمامه وحدبه المستمر للثقافة ورعايته للعلم وللكتاب، غدت الشارقة رمزاً للثقافة وحصناً للفنون والاهتمام بالتراث والحفاظ عليه، وذلك على مستوى الخليج والعالم العربي.
ومما يزيد الابتهاج بهذه الجائزة تزامنها مع اختيار الشيخة بدور القاسمي شخصية العام الثقافية المحلية، واختيار الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية، وهذه خطوات حثيثة وطريق واضح لمكانة أعلى كأن تكون الشارقة العاصمة الثقافية للعالم في المستقبل بإذن الله.
وتمثل هذه المناسبة احتفالية مبهجة للجميع، وللمثقفين على الساحة المحلية والعربية خاصة، لما أعطاه ولا يزال الشيخ سلطان بن محمد القاسمي ـ حفظه الله ـ من رعاية لكل ما يمثل الثقافة في العالم العربي وفي دولة الإمارات.
عن الجائزة..
تم إعلان صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله عن إنشاء جائزة علمية سنوية تحمل اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه بعنوان (جائزة الشيخ زايد للكتاب) والبالغ قيمتها سبعة ملايين درهم لتكون أضخم جائزة للكتاب على مستوى العالم.
وقال سموه (إن الكتاب هو وعاء العلم والحضارة والثقافة والمعرفة والآداب والفنون والأمم لا تقاس بثرواتها المادية وحدها وإنما تقاس بأصالتها الحضارية والكتاب هو أساس هذه الأصالة والعامل الرئيس على تأكيدها) بهذه الكلمات البسيطة والعميقة والمعبرة اختصر المغفور له الشيخ زايد نظرته لأهمية الكتاب والثقافة منذ التباشير الأولى لبزوغ شمس دولة الإمارات.
وجائزة الشيخ زايد للكتاب جائزة مستقلة تقوم على أسس علمية وموضوعية لتقييم العمل الإبداعي، وتعتبر الأكثر تنوعاً وشمولية لقطاعات الثقافة مقارنة مع الجوائز العربية والعالمية الأخرى، حيث إنها تتضمن جائزة الشيخ زايد للتنمية وبناء الدولة ـ جائزة الشيخ زايد للآداب ـ جائزة الشيخ زايد لأدب الطفل ـ جائزة الشيخ زايد للمؤلف الشاب ـ جائزة الشيخ زايد للترجمة ـ جائزة الشيخ زايد للفنون ـ جائزة الشيخ زايد للنشر والتوزيع ـ جائزة الشيخ زايد لأفضل تقنية في المجال الثقافي.
وتهدف جائزة الشيخ زايد لأهداف مختلفة ومتنوعة، كتشجيع المبدعين والمفكرين في مجالات المعرفة والفنون والثقافة العربية والإنسانية، وتكريم الشخصيات الأكثر عطاء وإبداعاً وتأثيراً في حركة الثقافة العربية، والاحتفاء بالمبدعين والمفكرين من الشباب، وحث الموهوبين على العطاء الفكري، وغيرها من الأهداف.
ويذكر أن فرع شخصية العام الثقافية في جائزة الشيخ زايد للكتاب تمنح سنوياً لشخصية اعتبارية أو طبيعية بارزة على المستوى العربي أو الدولي تتميز بإسهامها الواضح في إثراء الثقافة العربية إبداعاً أو فكراً، على أن تتجسد في أعمالها أو نشاطاتها قيم الأصالة والتسامح والتعايش السلمي.
وتضم جائزة الشيخ زايد للكتاب بالإضافة إلى فرع شخصية العام الثقافية ثمانية فروع أخرى هي جائزة الشيخ زايد للتـنمية وبناء الدولة، جائزة الشيخ زايد للآداب، جائزة الشيخ زايد لأدب الطفل، جائزة الشيخ زايد للمؤلف الشاب، جائزة الشيخ زايد للترجمة، جائزة الشيخ زايد للفنون، جائزة الشيخ زايد للنشر والتوزيع، وجائزة الشيخ زايد لأفضل تقنية في المجال الثقافي.
وإنه لمن الجميل حقاً أن يولي حاكم اهتمامه بتحقيق أهداف سامية بعيدة المدى وعميقة التأثير كرعاية الثقافة وحماية الكتاب واحترام العلم وحب الإبداع والفن الرفيع وحفظ التراث والنظرة الناقدة للتاريخ والكشف عن جوانبه الخفية، وهذا ما قام به الشيخ سلطان القاسمي بكل حب، والأجمل من ذلك توجيه الشكر والامتنان له وتكريم الخط الذي انتهجه وسار عليه ولايزال يعطي فيه، وهذا ما فعلته جائزة زايد للكتاب.
|