نحو تصوّر جديد لمثقّف اليوم
المثقف والدور المطلوب

د.عبدالمعطي سويد

إذا كان للسياسة عظماؤها، وللاقتصاد مفكّروه، وللمجتمع علماؤه، وللنفس الإنسانية باحثوها، وللانتروبولوجيا دارسوها، ولغير ذلك من فروع المعرفة، فالمثقف بامتلاكه أدوات العصر، ونظرته العقلية لمشكلات العصر، فهو العقل وهو ملك المعرفة، والمثقفون كانوا ولا يزالون قادة الفكر، والقادة السياسيون يمكنهم أن يهرعوا دوماً ليسألوا قادة الفكر هؤلاء فيما يعتور البلد، والوطن الكبير، والإنسانية من قضايا، ويخلقوا أو يصنعوا جسوراً بين القيادة السياسية والفكرية، والسياسي، بدلاً من أن «يتقمص شخصية المفكر» عليه أن يدعو العقل للجلوس إلى جواره للحوار، والخروج من مآزق الأوضاع المطروحة.

صورة المثقف التقليدية
عرفت العرب المثقف بأنه هو الذي يأخذ بكل فن بطرف، والمقصود أن يستطيع المثقف التحدّث والكتابة والحوار في مختلف أفرع العلوم والمعرفة بعد أن يكون قد ثقف نفسه فيها فضولاً واطلاعاً، ومحصّلاً لهذه الفروع بشيء من المعرفة لكل منها. ولقد ألفت المجتمعات التقليدية شرقاً وغرباً وحتى بداية الوجود الحديثة أن ترى المثقفين وهم الفئة المتميزة والواعية والناقدة للواقع وأنماط فهمه لدى الناس من قبيل الفهم الأسطوري، أو الخرافي، واللاعقلاني... إلخ، كذلك برزت صور عديدة للمثقف من قبيل المثقف الناقد، والمثقف الطليعي، والنضالي، والمثقف الملتزم والمثقف الإيديولوجي، والمثقف المحتج والمعارض، والمثقف الديني، الذي يدافع عن العقيدة الدينية، والمثقف التقليدي، والمثقف الحداثوي، والامتثالي، والقابع في برجه العاجي، والجماهيري، ومثقف السلطة، والذي يستخدم كافة أدواته الفكرية والثقافية لتبرير أفعال السلطة وأفكارها، وأخيراً المثقف الإعلامي، الذي يلعب دور الناطق باسم الإيديولوجية السياسية أو الاجتماعية السائدة عبر مختلف وسائل وتقنيات الإعلام...إلخ. هذه الصور المختلفة منها ما انقرض ومنها ما يزال معاصراً لنا، بغضّ النظر عن تغيير الظروف، والعالم من خلال مداهمة ظاهرة العولمة والثورتين المعلوماتية والتكنولوجية، وتطور أجهزة وتقنيات الاتصال، والمشاهدة والتحصيل الفائق السرعة للمعرفة والمعلومات.

نهاية صورة المثقف التقليدية:
بعد الثورة الهائلة التي عرفها وما يزال يعرفها عالمنا الحديث في التكنولوجيا وتقنياتها ومن خلال الفضائيات وشبكة الإنترنت العالمية لم يعد أفراد المجتمع أو المبتدئون في البحث عن المعرفة بحاجة إلى هذا الكائن الخارق في المعرفة أي المثقف ليحدثهم ويطيل الحديث أو يكتب لهم في الأدب والفلسفة والعلوم الإنسانية البحتة، ذلك أن التقنيات المذكورة أصبح بمقدور أي مبتدئ في استعمالها يريد معلومة فكرية أو مشاهد لإحدى الندوات للمختصين على إحدى القنوات التوصل إلى هذه المعلومة أو تلك، فالمثقف كناقل أو محدث أو مالك لمعارف لا يملكها الكثيرون غيره، إن دور مثل هذا المثقف قد انتهى تماماً.
ومن ناحية ثانية مع تقسيم العمل وتوزع التخصصات العلمية المتعددة في جامعات جميع الدول بحيث أصبح لكل فرع أساطينه لم تدع هذه التخصصات العلمية وخاصة في مجال علوم الإنسان دوراً للمثقف ليكون متميزاً في امتلاكه معارف في السياسة والاجتماع وعلم النفس والانثروبولوجيا وعلوم الأدب.....إلخ فأجهزة الإعلام المختلفة ومنذ فترة زمنية طويلة أخذت تهرع إلى المختصين والأكاديميين في مراكز البحث العلمية، لتستشيرهم وتناقشهم وتعقد معهم الحوارات المختلفة، هذا بالإضافة إلى وجود الاستشاريين، والخبراء، في مختلف الصناعات الإنسانية بحيث إن المثقف لم يعد لديه ما يقوله وقد كان في سابق الأزمان مالكاً من كل فن من هذه الفنون بطرف وقد أصبح للمختصين الذهاب بعمق لتفسير الظواهر الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والفكرية، في الدراسة والبحث والتحليل والعرض وإبداء وجهات النظر واستعراض الرؤى والنظريات حول هذه الظاهرة أو تلك من ظواهر الحياة.

دور المثقف القديم ـ الجديد:
إن إحدى صور المثقف التقليدية والتي كانت فاعلة هي الدور الناقد للمجتمعات وأنماط فكرها: الاجتماعية والسياسية والفكرية خاصة عندما يعيش في مجتمع وقد ران عليه الفساد من كل جانب أو الجمود أو الانغلاق الفكريين أو عندما يلاحظ انسداد آفاق النمو والتطور الاجتماعي والسياسي، وقد ينتفض غضباً عندما يرى اللامعقول، يسود حركة الحياة في المجتمع وينظر متنبئاً بانهيار المجتمع من جراء سيادة اللامعقولية، خاصة أن أحد التعريفات المهمة للمثقف هو الكائن: العقلاني والذي يُعمل عقله Intellectual كما هو في اللاتينية، ولذلك فحسب هذا التعريف المتداول في اللغات الأوروبية الحديثة يطالب المثقف دوماً بسيادة العقل إذ يعتبرونه أداة تحرير من ظلمات اللامعقول، وجموح الأهواء، والغرائز البشرية، هذا الدور القديم ما يزال معاصراً، ولم يفقد أهميته لأن المجتمعات قاطبة ما تزال تعيش وسط اللامعقولية تلك التي تفرضها الجماهير وفي مختلف مناحي الحياة خاصة في السياسة والاجتماع.

فنقد الواقع كان دوماً من مهمات المثقف وليس تبريره، ولا يزال هذا الدور من المهمات الملازمة والمستمرة لعمل المثقف وسط مجتمعه.

والمثقف ما يزال يقع على عاتقه في أيامنا تفجير المعركة بين العقل واللاعقل ويواجه مختلف أنماط الهجوم على العقل تحت ستار الدفاع عن العقائد السائدة، وهذا الهجوم الذي يعني ضمناً خلق حالة دوغمائية مستمرة لدى الناس وتمنعهم من الرؤية الناقدة وتجعلهم يتلقون وكأنهم في حال في النوم المغناطيسي، لكل ما تلقنهم إياهم السلطة الاجتماعية ـــ والسياسية والثقافية السائدة دون نقاش أو نقد أو حوار.

إعادة بناء دور المثقف:
الشــروط والواجبات:
إذا قلنا إن الدور التقليدي للمثقف قد انتهى كرائد كبير في المعرفة وتجسيدها قولاً وكتابة، ومنافحة ونضالاً، وسط المجتمع فلا يعني أننا قمنا بجرة قلم بمحو الصورة كاملة لدور المثقف ولكن أوراق اللعبة تغيّرت مع تغير دنيانا، وعالمنا فلابد لمثقف اليوم من أن يصعد ثانية وبكل قواه العقلية، ويبرز إلى سطح الوجود الاجتماعي والسياسي والثقافي ليكون شريكاً في القرار السياسي والاجتماعي والثقافي في المجتمع، ولكن لكي يكون صاحب هذا الشأن معاصراً فقد برزت مع تغيرات العصر شروط جديدة على المثقف العصري أن يكون واعياً لها ومتمكناً منها أو ملبياً هذه الشروط كي يأخذ دوره في المشاركة ويكون في قلب تعقيدات هذا العالم الذي نعيشه ومثل هذه الشروط ليس محالاً امتلاكها أو تلبيتها، وأقصد بهذه الشروط أن يكون لدى مثقف اليوم مهارات ودرايات من قبيل:
* مقدمات في آليات التفكير العلمي.
* مهارات تفكير ناقد وأشكاله: آلية الحوار العقلاني مثل: التفكير التصادمي مثلاً، ومعرفة بمختلف أنماط الحجج والأدلة العقلية والتي تخاطب    العقل ومنطقه.
* أسلوب حل المشكلات وبالطرق والآليات العلمية.
* أسلوب صناعة القرار وآلياته العلمية.
* دراية بعلم إدارة الأزمات.
* دراية بعلم إدارة الصراع.
* دراية بعلم إدارة المخاطر الكبرى التي تهدد كيان المجتمع كمخاطر: الفكر المتطرّف، وظواهر العنف، والإرهاب، ودراية بتحليل هذه الظواهر    علمياً وكيفية التعامل مع مثل هذه الظواهر.


المثقف ما يزال يقع على عاتقه في أيامنا تفجير المعركة بين العقل واللاعقل ويواجه مختلف أنماط الهجوم على العقل تحت ستار الدفاع عن العقائد السائدة، وهذا الهجوم الذي يعني ضمناً خلق حالة دوغمائية مستمرة لدى الناس وتمنعهم من الرؤية الناقدة وتجعلهم يتلقون وكأنهم في حال في النوم المغناطيسي

الدور المحلي والإقليمي والعالمي لمثقف اليوم:
في بداية تسعينات القرن الماضي دشنت الإدارة السياسية الأمريكية ما سمي بالنظام العالمي الجديد، أعقب ذلك دخول العالم مرحلة جديدة وخاصة في الاقتصاد والتجارة والاستثمار وامتدادات هذا الجانب إلى مختلف أنماط الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية أي بروز ظاهرة العصر أي (العولمة)، وقد ساعد امتداد أخطبوط هذه الظاهرة ثورتان في المعلومات والتكنولوجيا. وبغض النظر عن انقسام عالم اليوم بين مناهض للعولمة أو تأييدها بين المحتجين أو المندمجين بين المنحفظين أو المتكيفين معها...إلخ فهذه الظاهرة فرضت وجودها في عالم اليوم وقد عملت هذه الظاهرة على خلط كافة ظواهر الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية، فمن الناحية الاقتصادية دعت إلى الانفتاحات العالمية أمام التجارة العالمية والسياسية عملت على الحد من سلطة الدولة لبروز دور القطاعات الخاصة ومن الناحية الثقافية الانفتاحات الثقافية والتعددية الثقافية وحوار الثقافات هذا من النواحي الإيجابية ولكن من النواحي السلبية فالظاهرة المعنية حملت من السلبيات ما يفوق كثيراً الإيجابيات وليس الهدف هنا الحديث المفصل عن هذه السلبيات ولكن هذه الظاهرة المفروضة على مجتمعات اليوم كان من مضاعفاتها أن أدمجت المحليّ والإقليمي والعالمي، بعبارة أخرى لم يعد هنالك فاصل في أية ظاهرة من ظواهر العصر كالتطرف والعنف وأزمات الغذاء والمياه والصحة والصراعات المحلية والإقليمية ظواهر لها أبعادها المحلية والإقليمية والدولية.
يعيش المثقف في مناخ العصر ولابد من أن يكون له وجود يثبته ودور يلعبه وأن يكون شريكاً في الرؤية والنظر وإبداء وجهات النظر والحلول لمثل هذه المشكلات فالشأن الجاري يعني المثقف وغيره من أفراد المجتمع.

خاتمة: إجادة طرح الأسئلة الكبرى:
من المفترض أن يعيش المثقف ضمن إطار عقلاني عامل على تحييد الأهواء، والأحكام الشخصية المتطرفة، يعينه الشأن الجاري، يعيش همَّ المشاركة في القرارات الكبرى التي تعني حياة المجتمع السياسية، والاجتماعية، وتعني إصلاحه وتقدمه، نقده، والاحتجاج, وبالإضافة إلى هذا فإن الدور الإنساني الكلي والعام تعنيه حقوق الإنسان المنزهة عن الأغراض السياسية، ومصالح الطبقات الحاكمة.

كذلك يعنيه الهم الوجودي، يطرح في إطاره مجموعة من الأسئلة التي تعني المصير الإنساني، ووجهة الحياة الإنسانية، وتعنيه كذلك أزمة إنسان العصر ومعنى الحياة وجدوى الصراعات البشرية، وعبث مجراها ويتساءل عن معنى الخير والشر، ويتساءل عن جدوى العمل، ومعنى صراع الخير والشر في باطن الإنسان ومعنى الحياة العاجلة والحياة الآجلة، التي تتحدث عنها الأديان...إلخ.

لقد جاء على لسان إحدى شخصيات الأخوة كرامازوف لـ (ديستويفسكي) قائلاً: إني لا أريد الملايين بل أريد الإجابة عن أسئلتي.
والمتعلقة بما أوردناه في الأسطر السابقة وغيرها من الأسئلة الفلسفية الكبرى.