من الجاهلية إلى الإسلام
آثار وأصداء في شـعر حميد بن ثور الهلالـي
د. محمد بن محمد الحجوي
إن الباحث الجاد في تاريخ الأدب العربي لا يمكنه أن ينكر دور الشعر الجاهلي في حياة العرب الفكرية والاجتماعية في العصر الجاهلي وفي العصور التالية، وما أحدث هذا الشعر من أثر بالغ في ازدهار الحركة الأدبية والعلمية والفكرية، وبخاصة في مرحلة التدوين وما بعدها، في جميع مجالات العلوم الأدبية واللغوية والنحوية والبلاغية.
لهذه الأسباب اهتم به العلماء في فترة مبكرة، فحرصوا على جمعه في الدواوين والمجموعات والمختارات الشعرية، وصححوه وضبطوه، وشرحوا لغته الغريبة، ومعانيه الطريفة، وأغراضه المتعددة، و كل ما تضمن من أخبار وأمثال وأيام وقصص. وكان من هؤلاء العلماء من يحفظ القصائد الطوال والدواوين بل وجدنا من المتأخرين من كان يحفظ المؤلفات التي وجد فيها هذا الشعر مثل كتاب (البيان والتبيين (و) الأغاني(و) العقد الفريد) وغيرها من المصنفات التي حفظت الشعر العربي. ولذلك كان الشعر الجاهلي حاضراً عند العلماء في كل دراسة لغوية وأدبية وتاريخية لكونه كان يبرز لهم الصورة الكاملة للحياة الثقافية والفكرية، ولكل مظاهر الحياة عند الجاهليين. قال عمر بن الخطاب، (رضي الله عنه): كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه(1).
لم يقف دور هذا الشعر وينحصر في مجالس العلماء والأدباء ورواة الأخبار، وإنما كان حاضراً أيضاً في قصور الخلفاء والأمراء وأعيان القوم والنوادي الثقافية، يحتجون به في اللغة والمعاني، ويتمثلون بحكمه وأمثاله السائرة، ويتدارسون ما ورد فيه من أيام العرب وأخبارها ونوادرها. فكان بذلك مادة علمية وتربوية تسهم في تكوين الأجيال من الجانب الثقافي والتاريخي، وترسي دعائم الثقافة العربية التي كان العلماء يضعون أسسها وقواعدها.
والظروف التي أحاطت بهذا الشعر في نشأته ونموه وازدهاره جعلته متفرداً في عصور الأدب العربي كلها، إذ لا يمكن أن تتكرر مضامينه وأغراضه في أي زمان أو مكان آخر. فهذا الشعر حمل معه خصائص البيئة التي ظهر فيها، وعقلية مبدعيه، ونمط حياتهم الفكرية والاجتماعية، وظروف معيشتهم في زمن السلم والحرب، وكل ما كانوا يطمحون إليه. فكان بحق أدباً واقعياً يصور كل صغيرة وكبيرة في حياتهم. وهذا ما جعل العلماء ينعتون هذا الشعر بأنه «ديوان العرب».
لقد ظهر هذا الشعر ونما وازدهر في بيئة صحراوية حرمت من كل المقومات التي
توفر لسكانها الاستقرار والأمن والعيش الرغيد، فلم يعرف الإنسان الجاهلي المؤسسات المدنية والقانونية التي تنظم حياته، وتشرع له القوانين التي تضمن له الأمن والاستقرار في مجتمعه، وإنما كانت تسود في هذا المجتمع أعراف القبيلة التي تتحكم فيها العصبية العمياء التي تجعل القبيلة فوق الجميع، ينصر أبناؤها ظالمة أو مظلومة، وتنشئ أجيالها على الاعتزاز بعروبتهم وشهامتهم لرد كل عدوان خارجي عليها. هذه الأعراف التي نشأ عليها الإنسان الجاهلي حررته من كل القيود، فكان يقول فيجد من ينصره، وينتقل في المكان الرحب فيجد من يحميه ويؤازره، ويثور على كل ظالم ولو كان ملكاً فتقف القبيلة بجانبه معتزة بصنيعه.
كما أن هذه البيئة وفرت له أشياء كثيرة في حياته الخاصة والعامة برغم المعاناة التي كان يجدها فيها.
لقد علمته الشجاعة والإقدام، فكان سيفاً على أعداء قبيلته، يحميها في الحروب ويعلي شأنها ومكانتها بين القبائل في زمن السلم. قال حميد:
أنا سيف العشيرة فاعرفوني
حميداً قد تذريت السناما(2).
كما علمته الصبر وتحمل الشدائد والأهوال وشظف العيش. والجود في زمن الشدة خاصة على المحتاجين وأبناء السبيل، وهي ظاهرة
إنسانية تعين على شد روابط المجتمع، وحماية أفراده. قال المسيب بن علس –وهو شاعر جاهلي- يمدح القعقاع بن معبد بن زرارة. وكان من أجواد العرب، ينعتونه بتيار الفرات لكثرة جوده. وقد أدرك الإسلام وحسن إسلامه:
وإذا تهيج الريح من صرادها
ثلجاً ينيخ النيب بالجعجاع
أحللت بيتك بالجميع، وبعضهم
متفرق ليحل بالأوزاع
ولأنت أجود من خليج مفعم
متراكم الآذي ذي دفاع(3).
كما علمته أن يقف بجانب المظلومين والمستضعفين، يحميهم ويرد عنهم عدوان الظلمة، فلا ينام ولا يهدأ له بال إذا سمع صراخهم. قال حميد:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم
من بين ملجم مهره أو سافع(4).
هذه المكارم والسجايا التي جعلها الإنسان الجاهلي قانوناً في حياته تكتسب طابعاً إنسانياً، ولذلك دعا إليها الإسلام، وحث على العمل بها، لأن هذا الدين جاء ليتمم مكارم الأخلاق والتعاون والبر والسلوك والمعاملات في أبهى صورها وكمالها، فأبقى على مكارمهم الفاضلة التي تقوي المجتمع وتحافظ على وحدته، وأزال الرذائل التي تفككه وتمزقه، وتخلق الضغائن بين أفراده.
وإذا كان الشعر الجاهلي قد مثل هذه المكانة الاجتماعية والفكرية في حياة الجاهليين فإن الشاعر الجاهلي أحس بدور الشعر في تنظيم حياته وفي تخليده بعد مماته فعمل على تهذيبه وتجويده وتنقيحه وصيانته، فكان منهم من ينظم القصيدة في حول كامل ليخرجها مستوية في لغتها ومعانيها وصورها، كما حرص عليه من الضياع فكان يحفظه ويرويه ويذيعه بين القبائل.
وكان حميد بن ثور من هؤلاء الشعراء الذين عاشوا تجربة الجاهليين بكل أبعادها الاجتماعية والفكرية والنفسية، ثم أنعم الله عليه بالإسلام ليعيش التجربة الإسلامية التي غيرت معالم حياة العرب في العقيدة والفكر والسلوك. فما حظ الشاعر حميد من التجربتين؟
نسبه وحياته:
هو حميد بن ثور بن عبد الله بن عامر الهلالي، كنيته أبو المثنى. عاش في الجاهلية والإسلام. ويظهر من خلال البيت السابق الذي افتخر فيه بنفسه أنه كانت له مكانة متميزة في قبيلته. وقد قضى الشطر الأكبر من حياته في الإسلام، كان حيّاً بعد مقتل عثمان، رضي الله عنه، لأننا وجدنا له قصيدة يذكر فيها الفجيعة التي حلت بالمسلمين بعد مقتله. ولكونه عمر زمناً طويلاً في الإسلام ذكره الأصمعي مع عظماء شعراء الإسلام حيث قال: (العظماء من شعراء العرب في الإسلام أربعة: راعي الإبل النميري، وتميم بن مقبل العجلاني، وابن أحمر الباهلي، وحميد الهلالي).
ووضعه ابن سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من الشعراء الإسلاميين(5). وبعض النقاد رأى أن الشاعر فوق هذه الطبقة لكثرة شعره وجودته وتعدد أغراضه. قال محقق الديوان: (وفي وصفه ما يدل على أنه شاعر واسع الخيال، قوي الملاحظة، دقيق الوصف متسقه، كما يتجلى في قصيدته الميمية الكبيرة. فمثل هذه القصيدة تجعلنا نميل إلى أن نربأ به أن يعد في الطبقة الرابعة التي وضعه فيها ابن سلام)(6).
أسلم حميد، وأقبل على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنشده أبياتاً عبر فيها عن إكرام الله لهم بهذا الدين، فقال:
حتى أرانا ربنا محمدا
يتلو من الله كتاباً مرشدا
فلم نكذب، وخررنا سجدا
نعطي الزكاة، ونقيم المسجدا (7).
ومن أشعاره التي ذكر فيها كبر سنه قوله يحدد السن التي وصل إليها:
أتنسى عدواً سار نحوك لم يزل
ثمانين عاماً قبض نفسك يطلب(8).
وفي مرحلة الشيخوخة والعجز والكبر، وما يصاحبهما من هزال في الجسم وضعف في البصر قال:
ما لي قد أصبحت ألا قد تنقضني
بعض النواكث حبلاً بعد إمرار
لقد ركبت العصا حتى قد أوجعني
مما ركبت العصا ظهري وأظفاري
لا أبصر الشخص إلا أن أقاربه
معشوشياً بصري من بعد إبصار(9).
وقوله في أرجوزة:
حتى اكتسى الرأس قناعاً أشيبا
أملح لا لذّاً ولا محببا
أكره جلباب إذا تجلببا(10).
أغراض شعره:
من الخصائص التي تميز الشاعر الفحل عن غيره هو تعدد الأغراض والإجادة فيها، وحميد كان من الشعراء الذين تعددت أغراض شعرهم فشملت الغزل والوصف والمدح والهجاء والرثاء والشكوى من الدهر وصروفه. لكن بعض الأغراض تميزت في شعره تميزاً واضحاً مثل غرض الوصف الذي كان بارزاً فيها لطبيعة نفسه الميالة إلى وصف المشاهد الجامدة والمتحركة، لقد أبرز في هذا الغرض كل مكامن قوته الشاعرية، وطاقته الإبداعية، فتجد فيه سعة خياله المنتظم، وقوة ملاحظته الدقيقة، وعمق إحساسه المرهف بالوجود وبكل ما يحيط به من كائنات حية وبخاصة الحيوانات والطيور كالحمام الذي اعتبره رمز السلام والمحبة والوفاء.
غرض الغزل:
الغزل غرض كثر في الشعر العربي كثرة تجعل كل باحث فيه يعجز عن الإحاطة بأنواعه ومعانيه ودلالاته. ذلك أن هذا الغرض له علاقة بالمشاعر الإنسانية، فتجد كل إنسان يحاول أن يعبر عن مشاعره نحو المرأة التي أحبها أو ارتبط بها أو تعلق قلبه بها بالطريقة التي يشعر فيها أنه قد بلغ لها أحاسيسه ونبضات قلبه. فلذلك لم يخل منه عصر من العصور، سواء كان بدائياً أو متحضراً، ولم يسلم منه أي شخص سواء كان عالماً أو جاهلاً، كل واحد منهم يعبر بطريقته الخاصة التي تظهر مشاعره. ولكثرته في الشعر العربي القديم نجد بعض الباحثين قد اعتبر المقدمات الغزلية في الشعر الجاهلي والإسلامي بل حتى في بعض العصور الأخرى ضرباً من الصنعة الفنية، أي أن الشعراء كانوا ينظمون هذه المقدمات الغزلية لتؤثر في السامع وبخاصة في قصائد المدح التي يرجو الشاعر فيها أعطية الممدوح وصلته وحظوته عنده. وهذا رأي يحتاج إلى التأمل والدراسة المتأنية لهذه المقدمات انطلاقاً من دراسة الحالة النفسية للشاعر وعلاقته بالمرأة التي قال فيها هذا الغزل، والظروف الاجتماعية التي كانت من الدواعي والأسباب التي جعلت الشاعر ينظم هذا الغرض في مقدمات قصائده. كما لا يمكن أن يعمم حكم واحد على جميع المقدمات الغزلية. فمنها ما تجد فيه إحساساً صادقاً وقوياً، وشعوراً فياضاً بكل ما يختزنه الشاعر من عواطف نحو المرأة، وبخاصة الشعراء العذريين، وحتى الشعراء الذين عرفوا بالفحش في أشعارهم في هذا الغرض لا يمكن أن نستثنيهم من هذه العاطفة الجياشة، فامرؤ القيس في بعض شعره في الغزل نجده يذرف الدموع بغزارة، ويشتكي ويتألم من فراق حبيبته. ولا يمكن أن يكون ذلك مجرد تصنع، ومظهر خادع منه، لكي يجذب انتباه السامع إليه.
وشعر حميد في الغزل وجدنا فيه لوناً من هذا الغزل الصادق الذي يجعلنا نشعر أنه نبع من أعماق قلبه بعدما عانى سهر الليالي، وبعد حبيبته عنه، وقسوة الزمان الذي فرق بينهما. كما وجدنا فيه لوناً آخر لا يمثل إلا الصنعة الفنية، وضرباً من التعبير الذي يخلو من المشاعر والعواطف الصادقة نحو المرأة. وهذا اللون يظهر في الغزل الذي يصف فيه المرأة في مظهرها الخارجي، فقد بدت هذه الأشعار كأنها تصور تمثالاً مصنوعاً أو دمية جميلة تفنن فيها صانعها، لأن الشاعر يستعرض مفاتن جسم المرأة، ولباسها وعطورها ووسائل زينتها، ووضعها الاجتماعي دون أن يعبر عن المشاعر والأحاسيس التي يظهر فيها الروابط الروحية التي تربطه بها من وفاء ومودة وإخلاص.
ومن أشعار غزله التي نجد فيها هذا الإحساس الصادق، والدلالة على أنه نابع من أعماق قلبه ليصور عواطفه كما كان يشعر بها دون تزيُّدٍ أو غلوٍّ قوله يذكر امرأة اسمها (جمل). لقد ردد اسمها في كل بيت، ووصفها بصفات لا يذكرها إلا العاشق الولهان الذي عانى السهر وألم البعد والفراق، وعرف الحب الصادق، والأشواق المتأججة:
لو أن لي الدنيا وما عدلت به
وجمل لغيري ما أردت سوى جمل
أتهجر جملاً أم تلم على جمل
وجمل عيوف الريق، جاذبة الوصل
فوجدي بجمل وجد شمطاء عالجت
من العيش أزماناً على مرر القل
فعاشت معافاة بأنزح عيشة
ترى حسناً أن تموت من الهزل(11).
إن تكرار اسم جمل في هذه الأبيات، وذكر صفات محببة فيها مثل عيوف الريق، وجاذبة الوصل، والوجد الذي برح به زمناً طويلاً، وتفضيلها على كل ما في هذه الدنيا، وتشبيه وجده بها بالمرأة الشمطاء الصبورة على ضيق العيش، كل هذا يؤكد به شدة تعلقه بها، وصدق عواطفه نحوها.
ووجدناه حتى مع المرأة التي لا تفي بوعدها معه يكن لها هذا الشعور الصادق، ويمدحها
مدحاً خالصاً لا يرجو من ورائه إلا أن يكون وعدها له صادقاً، ووصالها مستمراً، لما يضمر لها من حب وشوق متأجج في جوانح قلبه، كما نجد في هذه الأبيات:
ألا ما لعيني لا أبا لأبيكما
إذا ذكرت ليلى ترب فتدمع
وما لفؤادي كلما خطر الهوى
على ذاك فيما لا يواتيه يطمع
أجد بليلى مدحة عربية
كما حبر البرد اليماني المسبع
أما المرأة التي لم يستطع التعبير لها عن عواطفه خوفاً من الخليفة أو من أهلها فإنه عبر لها عن مشاعره بالكناية، لأن شوق الحب غلاب، لا يستطيع كتمه مهما أجهد نفسه، فلذلك عبر لها بهذا الغزل الطريف، فقال:
فيا طيب رياها ويا برد ظلها
إذا حان من حامي النهار ودوق
وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة
من السرح مسدود عليَّ طريق
حمى ظلها شكس الخليفة خائف
عليها غرام الطائفين شفيق
فلا الظل منها بالضحى تستطيعه
ولا الفيء منها بالعشي تذوق
هذا الغزل الذي عبر به عن تعلقه بالمرأة، سواء ما جاء صريحاً أو عن طريق الكناية يدل على صدق مشاعره برغم القيود والعوائق التي تقف أمامه في الوصال أو في البوح بأشواقه، وبخاصة في المرحلة الإسلامية التي حظر فيها على الشعراء ذكر أسماء النساء.
لكننا حينما نجد غزلاً يصور فيه مفاتن جسم المرأة، ولباسها وزينتها، وعيشها الهنيء في بيتها ومع جيرانها، وعلاقتها بأفراد مجتمعها المتميزة باحترامها، والسعي لتقديم كل الخدمات إليها للمكانة التي تحتلها في القبيلة، فإن هذا الغزل غير معبر عن عواطفه بصدق، وإنما هو مجرد تصوير لأوضاع امرأة لا تربطه بها علاقة المودة والحب والإخلاص، وهذا اللون من الغزل هو أقرب إلى الصنعة الفنية التي يريد بها الشاعر إظهار قدراته في التعبير فقط، وذلك ما نجده في هذه الأبيات:
فقلن لها: قومي ـ فديناك- فاركبي
فقالت: ألا لا غير أما تكلما
فهادينها حتى ارتقت مرجحنة
تميل كما مال النقا فتهيما
وجاءت يهز الميساني مشيها
كهز الصبا غصن الكثيب المرهما
من البيض عاشت بين أم عزيزة
وبين أب بر أطاع وأكرما
منعمة لو يصبح الذر سارياً
على جلدها بضت مدارجه دما
رقود الضحى، لا تقرب الجيرة القصي
ولا الجيرة الأدنين إلا تجشما
بهير ترى نضح العبير بجيبها
كما ضرج الضاري النزيف المكلما(12).
هذه الأبيات هي صورة لامرأة تعيش في نعمة ورفاهية، ووضع اجتماعي متميز، تنام إلى وقت الضحى، وأثر النعمة ظاهر على جسمها، ولها خدم وحشم، والعطر يفوح من جسمها، لأنها لا تبذل أي جهد، فالكل يخدمها ويحاول التقرب إليها لمكانتها في أسرتها ومجتمعها. فهذا الشعر يصور وضعاً اجتماعياً لهذه المرأة ولا يمثل الغزل الذي يعبر فيه الشاعر عن شدة الوجد والشوق الذي يظهر على وجه العاشق، وعلى هزال جسمه، لأنه يسهر الليالي ليراقب فيها طيف المحبوب، ويسأل عن حبيبته كل غادٍ ورائح، كما نجد في أشعار الشعراء الذين تيمهم الحب، وبرح بهم الشوق.
ذكر الرواة وأصحاب السيرة أنه يعد من الصحابة الأجلاء، رضوان الله عليهم، الذين اهتدوا بهدي الكتاب، وسنة نبيهم المصطفى عليه الصلاة والسلام
ومثل الأبيات السابقة قوله في سلمى أو سليمى:
علق من سلمى علوقاً كاللجج
تطرأ منها ذكر بعد حجج
إن سليمى واضح لباتها
لينة الأبدان من تحت السبح(13).
في هذين البيتين يذكر شدة ابتلائه بحب هذه المرأة ليوهم السامع أنه متعلق بها، لكنه سرعان ما ينتقل بعد هذين البيتين إلى غرض آخر، مما يدل على أنه جعلهما مجرد مقدمة لما يريد قوله بعد ذلك.
وفي أبيات أخرى يذكر زوجه التي يصفها بصفات قبيحة، ويتمنى لو كان غير مثقل بالديون ليتزوج امرأة أخرى أجمل منها. وفي هذا المعنى يعبر عن عدم رغبته العيش مع امرأة اختارها من قبل لتكون زوجاً له، لا لشيء إلا أنها أصبحت في وضع لا يطيقه، فقال:
لقد ظلمت مرآتها أم مالك
بما لاقت المرآة كان محردا
أرتها بخديها غضوناً كأنها
مجر غصون الطلح ما ذقن فدفدا
رأت محجراً تبغي الغطاريف غيره
وفرعاً أبى إلا انحداراً فأبعدا
وأسنان سوء شاخصات كأنها
سوام أناس سارح قد تبددا
فأقسم لولا أن حدباً تتابعت
عليّ ولم أبرح بدين مطردا
لزاحمت مكسالاً كأن ثيابها
تجن غزالاً بالخميلة أغيدا(14).
البيت الأخير هو أجمل ما قال في الغزل في هذه المقطوعة، لكن في صورة امرأة في خياله، وليست في المرأة التي تعيش معه في بيته.فهذه المرأة أبرز فيها كل الأوصاف القبيحة، في وجهها المعوج والمليء بالغضون، وفي أسنانها المتباعدة التي بدت كأنها إبل متفرقة في المرعى.
ويبدو أن عوامل أخرى تحكمت في معاني غزله، أبرزها العوامل الدينية والاجتماعية والأخلاقية، إذ لم يعد قادراً على التصريح بمن يهواه في ظروف منع فيها الخليفة ذكر النساء والتغزل بهن، واكتفى بالكناية عن المرأة التي يحبها بلفظ السرحة، وهي الشجرة العظيمة من العضاه، كما رأينا في أبيات سابقة، وفي قوله أيضاً:
وما لي من ذنب إليهم علمته
سوى أنني قد قلت: يا سرحة اسلمي
بلى فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي
ثلاث تحيات، وإن لم تكلمي(15).
كان حميد بن ثور من هؤلاء الشعراء الذين عاشوا تجربة الجاهليين بكل أبعادها الاجتماعية والفكرية والنفسية، ثم أنعم الله عليه بالإسلام ليعيش التجربة الإسلامية التي غيرت معالم حياة العرب في العقيدة والفكر والسلوك. فما حظّ الشاعر حميد من التجربتين؟
وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قد حظر على الشعراء ذكر النساء، والتغزل بهن، فاكتفى بالكناية عن المرأة بالسرحة دون البوح باسمها خوفاً على نفسه من غضب الخليفة أو من أهلها، فلم يعد يتواصل معها إلا بالكناية مثل قوله أيضاً:
وقلت لعبد الله يوم لقيته
وقد حان من شمس النهار خفوق
سقى السرحة المحلال والأبطح الذي
به الشرى، غيث مدجن وبروق(16).
قد تكون هذه العوامل وغيرها هي التي جعلت الشاعر يتحفظ في ذكر معاني الغزل الصريح، لا سيما إذا كان قد قال هذه الأشعار بعد إسلامه، وقد حسن إسلامه، والتزم المبادئ التي دعا إليها الإسلام، ومنها طاعة ولي أمر المسلمين.
غرض المدح:
لم يكن حميد شاعراً مداحاً، ولم يكثر من هذا الغرض، وما وجدناه في ديوانه هو أبيات قليلة، منها ما مدح بها آل مطرف الذين اشتهروا بالإقدام والحلم والحكمة والمواقف النبيلة حتى أصبحت هذه الفضائل سمة تميز كل أفرادها بين القبائل الأخرى، يتوارثونها كابراً عن كابر، فاستقر العز في بيتهم، وأبى أن يتحول إلى غيرهم. ومثل هذا المدح الذي لا يصدر عن رغبة أو رهبة يكون الشاعر فيه معبراً عن مشاعره بصدق، لأنه لا يرجو نوالهم ولا يخشى بطشهم، وإنما تنطلق رغبته في المدح من الإكبار والإعجاب بهذه الخصال التي هي سمة الكمال، يسعى إليها كل إنسان. والأبيات هي قوله:
لا تغزون الدهر آل مطرف
لا ظالماً أبداً ولا مظلوما
فاقصد بذرعك لو وطئت بلادهم
لاقت بكارتك الحقاف قروما(17)
وتعاقبتك كتائب ابن مطرف
فأرتك في وضح الصباح نجوما
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم
وأسنة زرق تخال نجوما(18)
ومخرق عنه القميص تخاله
وسط البيوت من الحياء سقيما(19)
حتى إذا رفع اللواء رأيته
تحت اللواء على الخميس زعيما (20)
هذه المدحة تخلو من الغلو والتزيد، لأن الشاعر لم يمدح فرداً كان يرجو نواله، أو يخشى بطشه، وإنما مدح قبيلة ورثت العز كابراً عن كابر، وحافظت عليه، واشتهر أفرادها بهذه الفضائل التي كان يعتز بها العربي ويطمح إليها كل إنسان في أي زمان أو مكان، لأن الجود والشجاعة والإقدام والوفاء بالعهود والحياء والعقل، والحكمة التي يرجو كل إنسان أن يمتلكها هي صفات نبيلة كان يعتز بها العرب أيما اعتزاز في الجاهلية، وكانوا يتسابقون إليها لعلمهم أنها مصدر مجدهم و خلودهم. ولما جاء الإسلام أقر هذه الفضائل لأنها تمثل النبل الإنساني في أوج كماله.
وبهذا النهج في المدح أشار في الأبيات السابقة التي ذكر فيها أنه سيخص ليلى بمدحة عربية.
أجدك بليلى مدحة عربية....... (الأبيات).
أي أنه مدحها بهذه الصفات التي يعتز بها العربي، وتطمئن بها نفسه.
غرض الهجاء:
لم يكن حميد شاعراً هجّاء، ولم يشتهر به بين قومه، لكن ما جاء من أبيات قليلة في ديوانه من هذا الغرض تدل معانيها دلالة قوية على أن سهامه كانت تصيب الهدف، وتحقق الغرض المطلوب، وإن لم يكن فيها فحش وقذف في الأنساب، حتى إن بعض أبياته في الهجاء أصبحت مضرب المثل، مثل قوله يهجو رجلاً بالعي والحصر:
أتانا ولم يعدله سحبان وائل
بياناً وعلماً بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنه
من العي لما أن تكلم باقل(21).
إن المعنى في هذا الهجاء بلغ قوته وشدته على المهجو من جانب ما ينطوي عليه من دلالات معنوية، فالشاعر لم يسبه بكلام فاحش، ولم يعيّره في نسبه أو في صفات خلقته، وإنما تعرض له من جانب الفصاحة والبيان اللذين كان العربي يعتز بهما أيما اعتزاز في مجتمع ذم العي والحصر وكل ما يخل بالفصاحة والبيان. لقد نزع منه سمة هي من أفضل السمات عند العربي بطريقة مهينة حينما صوره في إقباله عليهم وكأنه سحبان وائل الذي يضرب به المثل عند العرب في البيان والفصاحة، لكن حينما استرسل في الكلام بدا عيه وحصره واضحاً، فكأنه بذلك باقل الذي اشتهر بهذه السمة عند العرب، فكان هجاؤه أشد وأقوى على المهجو من الجانب المعنوي. وأصبح البيتان يضرب بهما المثل لمن يظهر بمظهر البيان والفصاحة وهو فاقد لهما.
وأشار محقق الديوان إلى خبيث هجائه الذي لا تظهر معانيه إلا بالتأمل الدقيق في معرفة عادات العرب، وما اشتهرت به كل قبيلة منهم. فقد هجا رجلين هجاء مؤلماً حينما نسبهما إلى قبيلة (جرم)ـ بفتح الجيم وتسكين الراء- في قوله:
وقولا إذا جاوزتما آل عامر
وجاوزتما الحيين: نهدا وخثعما
نزيعان من جرم بن ربان إنهم
أبوا أن يميروا في الهزاهز محجما(22).
وضعه ابن سلام الجمحي في الطبقة الرابعة من الشعراء الإسلاميين. وبعض النقاد رأى أن الشاعر فوق هذه الطبقة لكثرة شعره وجودته وتعدد أغراضه. قال محقق الديوان: (وفي وصفه ما يدل على أنه شاعر واسع الخيال، قوي الملاحظة، دقيق الوصف متسقه، كما يتجلى في قصيدته الميمية الكبيرة. فمثل هذه القصيدة تجعلنا نميل إلى أن نربأ به أن يعد في الطبقة الرابعة التي وضعه فيها ابن سلام).
إن خبث هجائه يتجلى في طلبه هذين الرجلين أن ينتسبا إلى ـ جرم ـ لأن هذه القبيلة عرفت عند العرب بجبنها وعدم خوضها الحروب مع القبائل الأخرى ولو ظلمتها، ولذلك فإن العرب تأمنها ولا تخافها، ولا تطالبها بذحل. وما يظهر شدة وقع المعنى على الرجلين اللذين هجاهما هو قوله: أبوا أن يميروا.......، فهذا المعنى جعلهم أحقر الناس في كونهم لا يثيرون الحروب والفتن للدفاع عن أنفسهم بقدر محجم الدم. وكان من عادة العرب الأخذ بثأرهم، وعدم احتمال الضيم والذل من القبائل الأخرى ولو كلفهم ذلك حياتهم.
وكان حميد يدرك أن معاني هجائه بالغة التأثير في المهجو، وإن لم يكن فيها سب وفحش، وقد قال في قصيدة توعد بها أحدهم يذكر شدة وقع شعره على الذين يهجوهم:
قصائد تستحلي الرواة نشيدها
ويلهو بها من لاعب الحي سامر
يعض عليها الشيخ إبهام كفه
وتخزى بها أحياؤكم والمقابر(23).
الرثاء
لم يكثر حميد من هذا الغرض أيضاً، وقد وجدنا له قصيدة بديعة في معانيها يذكر فيها مقتل عثمان، رضي الله عنه، وما نتج عن ذلك من تفرقة وحدة المسلمين، وفتح باب الصراع والفتن التي لم يجن منها المسلمون إلا الخراب والاقتتال فيما بينهم. وكأنه كان ينظر إلى حال المسلمين في تمزقهم وتفرقهم أحزاباً وشيعاً فيما بعد. قال فيها:
إني ورب الهدايا في مشاعرها
وحيث يقضى نذور الناس والنسك
ورب كل منيب بات مبتهلاً
يتلو الكتاب اجتهاداً ليس يترك
لا أنكرن الذي أوليتني أبداً
حتى أعد مع الهلكى إذا هلكوا(24).
غرض الوصف:
كان الشاعر حميد ميالاً بطبعه للوصف، وإن لم يترك لنا قصائد كثيرة فيه مثلما فعل الشعراء الوصافون في الأدب العربي كالبحتري وابن الرومي وابن خفاجة. وبرغم قلة هذه القصائد عند حميد فإنه استطاع أن يترك لنا صوراً بارعة ودقيقة ومحيطة بالشيء الموصوف، أبانت عمق نظرته للوجود، وعلاقته بالكائنات الحية، وبخاصة الحيوانات التي تعيش في الصحراء، الأليفة منها وغير الأليفة مثل الذئب والناقة والحمام الذي صور لنا أحزانه و آلامه وأفراحه من خلال صوته وحركاته، وهي صور تفيض بالإحساس والشعور بالمحبة والألفة بين هذا الطائر وبين الإنسان. لقد استطاع أن يضفي عليه كل الأحاسيس الإنسانية، فتجد الحمام في هذا الوصف يتألم ويفرح ويفكر، ويتطلع إلى المستقبل، ويشعر بالنجاح والإخفاق، بل يفصح عن أغراضها مثل البلغاء والفصحاء بلغته الخاصة مثل قوله:
عجبت لها أنَّى يكون غناؤها
فصيحاً، ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر محزوناً له مثل صوتها
ولا عربياً شاقه صوت أعجما
كمثلي إذا غنت، ولكن صوتها
له عولة لو يفهم العود أرزما(25).
إن التقارب بين صوت الحمام وبين المشاعر والأحاسيس الإنسانية يبدو في أشد التلاحم والقوة في شعر حميد، لأن الغناء نوع من لغة التواصل بين الإنسان وبعض الكائنات.
حميد كان من الشعراء الذين تعددت أغراض شعرهم فشملت الغزل والوصف والمدح والهجاء والرثاء والشكوى من الدهر وصروفه. لكن بعض الأغراض تميزت في شعره تميزاً واضحاً مثل غرض الوصف الذي كان بارزاً فيها لطبيعة نفسه الميالة إلى وصف المشاهد الجامدة والمتحركة
ويظهر أن الشاعر حميداً كان يحاول دوماً الحديث عن الأحزان والأشجان من خلال أصوات هذا الطائر الأليف، إذ أصبح بالنسبة إليه رمزاً للتعبير عن المعاناة الإنسانية. لقد روى قصة طريفة تبدو أحداثها محكمة ومترابطة الحلقات من خلال مشاهد الجهد والعناء والصبر والأمل الذي أبداه هذا الطائر في مواقف صعبة، فلم يدب اليأس إليه برغم كل ما عانى من شدائد وأهوال لا تطيقهما الجبال الراسيات، وكأنه بذلك يعطي النموذج الأمثل لكل إنسان من أجل الصمود في مواقف الشدة خاصة:
وما هاج هذا الشوق إلا حمامة
دعت ساق حر ترحة وترنما
من الورق حماء العلاطين باكرت
عسيب أشاء مطلع الشمس أسحما
إذا هزهزته الريح أو لعبت به
أرنت عليه مثلاً أو مقوما
تباري حمام الجلهتين وترعوي
إلى ابن ثلاث بين عودين أعجما
بنت بنيته الخرقاء، وهي رفيقة
به، بين أعواد بعلياء معلما(26).
إنها قصة طريفة احتوت على بداية فيها اشراقة الأمل والقدرة على الصمود من أجل البقاء وتحقيق الأماني، لكنها تنتهي بمأساة يتبدد فيها كل شيء، ويصبح الأمل سراباً ووهماً. وبرغم هذه النهاية الحزينة فإن القصة تظهر أن الألم لا يفت من عضد الكائن الحي لأن الإرادة أقوى من كل شيء. فبكاء الحمامة وألمها على ما حل بها لم يوقفها عن مواصلة المسير، لأن سنة الحياة تقتضي التدافع، والصراع من أجل البقاء. هذه هي الدلالات التي يمكن استخلاصها من هذه القصة الطريفة التي أراد حميد أن يبين من خلالها أن الحياة لا تخلو من فرح وألم، وصحة ومرض، ونجاح وفشل، لكن الإرادة القوية تتغلب على كل الصعاب، وتجعل الكائن الحي يبدأ السير من جديد ليحقق الآمال، ويسهم في البناء.
وفي وصفه للذئب نجده يركز على الخصائص التي تميز هذا الحيوان في حركاته المتميزة عن بقية الحيوانات الأخرى، فوصفه بهذه الصورة البديعة في مشيته:
ترى طرفيه يعسلان كلاهما
كما اهتز عود الساسم المتتايع(27).
إنها من أجود الصور في الأدب العربي في وصف مشية هذا الحيوان الماكر.
كما نجد في وصفه له يركز على شدة حرصه على نفسه من الأعداء، ويقظته الدائمة لمواجهة الأخطار التي قد تحدق به، فوصفه بهذه الصورة العجيبة التي تبين حرصه وانتباهه الشديدين، وهي من أبدع الصور في الأدب العربي:
ينام بإحدى مقلتيه ويتقي
بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع(28).
أما الجمل أنيس العربي في الصحراء، ورفيق دربه في المعاناة مع البيئة فقد خصه بأوصاف تدل على صبر هذا الحيوان، وتحمله المشاق والأهوال، ولولاه لما استطاع الإنسان العربي الصمود في هذه البيئة القاسية. وهذا هو الشعور والإحساس عند كل شعراء الجاهلية. فقلما تجد شاعراً مكثراً أو مقلاً لم يذكر هذا الحيوان في رحلته، ولم يعترف بفضله على اجتياز مشاق الصحراء حتى يبلغ مأمنه.
مرح الشباب وعجز الشيخوخة:
إن التغني بمرحلة الشباب، وما يصاحبها من فتوة ومرح وأمل، وتفتح على كل مظاهر الحياة، ظاهرة لم تقتصر على أدب معين، ولا عصر محدد، وإنما هي ظاهرة إنسانية توجد في آداب كل الأمم، لأن الإنسان يحن بطبعه إلى أجمل ما في حياته، والشباب هو هذه الفترة الجميلة التي تظل حية في نفس كل شخص، إنه زهرة العمر وزمن العز وإشراق الأمل والتفاؤل بالحياة. ولذلك تجد كل واحد يتمنى أن تطول مرحلة شبابه أو تعود إليه ليستمتع بمرحها وبهجتها. أما مرحلة الشيخوخة وما يصاحبها من أعراض الوهن والضعف في جميع أعضاء الجسم، وذهاب الرونق والماء فإنها غالباً ما تكون مرحلة الشكوى والضجر من الحياة مثلما قال زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش
ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم(29).
وقول سلامة بن جندل السعدي متحسراً على ذهاب الشباب، واليأس من عودته:
أودى الشباب حميداً ذو التعاجيب
أودى وذلك شأو غير مطلوب
ولى حثيثاً وهذا الشيب يطلبه
لو كان يدركه ركض اليعاقيب
أودى الشباب الذي مجد عواقبه
فيه نلذ، ولا لذات للشيب(30).
وحميد لم يخرج عن هذا النمط في التعبير عن مشاعره وأحاسيسه في مرحلتي الشباب والشيخوخة وقد عاشهما معاً، فعرف في مرحلة الشباب المرح والفتوة والقوة، وأبصار الغواني لا تفارقه لنضارة شبابه. وذاق في زمن الشيخوخة ما حملته معها من ضعف في البصر، ووهن في الجسم وانحناء في الظهر، واشتعال الرأس شيباً. ولذلك تجده عندما يتحدث عن مرحلة الشباب يقرنها بأجمل ما في البيئة وهو الربيع والاعتدال حيث تتجدد الحياة في الطبيعة فتبدو مخضرة زاهية الألوان، تجري مياهها هنا وهناك، فيسعد الإنسان الجاهلي حيث تنتقل القبائل إلى البحث عن المرعى، وإلى أماكن النجعة، وهناك يلتقي الشباب فتتجدد معهم الحياة في هذا الموسم الجميل:
بلى فاذكرا عام انتجعنا، وأهلنا
مدافع دارا، والجناب خصيب(31)
ليالي أبصار الغواني وسمعها
إليّ، وإذ ريحي لهن جنوب(32)
وإذ ما يقول الناس شيء مهون
علينا، وإذ غصن الشباب رطيب
فلا يبعد الله الشباب، وقولنا
إذا ما صبونا صبوة: سنتوب(33)
والنجعة عند العرب هي الانتقال إلى أماكن الخصب والماء، وهما أجمل شيء في حياة الأعراب، وهناك يلتقي الشباب ويتم التعارف، وتبدأ الحياة بطعم جديد يشعر معها الشباب أن الحياة تعطيهم النبض المتجدد مثل الطبيعة التي بدت في حلتها القشيبة وقد كانت بالأمس كئيبة يعتريها الذبول. ولذلك ربط الشعراء النجعة بمرحلة الشباب للدلالة على أن الشباب هو أجمل ما في حياة الإنسان مثل الطبيعة في فصل الربيع.
لكن هذه الرؤية المرحة لمرحلة الشباب، وجمال الطبيعة، تنقلب إلى تجهم وكآبة حينما يكون الحديث عن الشيخوخة، وكأن هذه المرحلة هي ذبول وفناء مثلما تكون الطبيعة حزينة في فصل الخريف. وإذا كانت الشيخوخة هي ذهاب الفتوة والرونق والماء وطعم الحياة، فإن حميداً يرى أن الدهر الذي يفعل ذلك بالإنسان هو عدو لا يرحم، لأنه يسلبه أجمل ما فيه، يفتك بجسمه رويداً رويداً حتى يجعله شبحاً وظلاً، ويتحين الفرص للانقضاض عليه:
أتنسى عدواً سار نحوك لم يزل
ثمانين عاماً قبض نفسك يطلب(34)
هذا العدو لا يعرف الرحمة، وشغله وهمه هو أن يسلب البهجة والفتوة من الإنسان، وكل ما ينعم به في حياته:
ما لي قد أصبحت ألا قد تنقضني
بعض النواكث حبلاً بعد إمرار(35)
من بعد ما كنت فيها ناشئا غمرا
كأنني خارج من بيت عطار
لا أبصر الشخص إلا أن أقاربه
معشوشياً بصري من بعد إبصار(36)
ويلتفت وراءه ليتذكر مرحلة الشباب، وطعمها اللذيذ، والأمل يكبر في نفسه لو يعود الشباب يوماً،لكنه سرعان ما يستفيق من حلمه، ويتأكد أن تلك الأماني ما هي إلا سراب خادع، فالشباب لن يعود أبداً مهما علل نفسه بذلك:
ليس الشباب عليك الدهر مرتجعا
حتى تعود كثيباً أم صبار
في خضم هذا الشعور باليأس يعود إلى الحقيقة التي لا تتغير بالأماني، وهي أن كل شيء في هذه الدنيا لا محالة زائل وفانٍ، وأن كل ما فيها هو زينة وغرور يزول في يوم ما، وينتهي مثلما انتهى هذا الشباب الذي كان بالأمس ناضراً:
ولكنما الدنيا غرور، ولا ترى
لها لذة إلا تبيد وتنزع(38).
الخلاصـة التـي يستخلصهــا الدارس لشعر حميد هي أنه لم يكثر من المعاني التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام لصياغة أغراض ومعانٍ وأساليب تكون فيها روح الدعوة الإسلامية بارزة ومهيمنة على شعره، لبيان مقاصد هذه الشـريعة السمحاء، أو للدفاع عنها وردّ أقوال الجاحدين
فهل كان الشاعر يحس هذا الإحساس وهو في زمن الصبا؟ أم أن ضعف الشيخوخة، ووهن الكبر، هو الذي جعله يشعر بذلك؟ لقد ذكر أنه كان في زمن الصبا يتجنب أموراً كثيرة يقع فيها الشباب لجهلهم وطيشهم، والزمان كفيل بكشف هذا الطيش في يوم ما، فلذلك كان أميل إلى الحزم والعقل في مرحلة شبابه:
وقد كنت في بعض الصباوة أتقي
أموراً وأخشى أن تدور الدوائر
وأعلم أني إن تغطيت مرة
من الدهر مكشوف غطائي فناظر(39).
هذه هي نظرة الشاعر للشباب وللشيخوخة، الأولى كلها مرح وفتوة، والثانية عجز ووهن.
أثر المعاني الجاهلية والإسلامية في أغراض شعره:
الشاعر حميد من الشعراء المخضرمين، عاش في الجاهلية، وأدرك الإسلام، وحسن إسلامه. وقد رأينا في الأبيات السابقة أنه قدم على الرسول، عليه الصلاة والسلام، وبايعه على الطاعة والعمل بما جاء في كتاب الله
حتى أرانا ربنا محمدا....... (الأبيات)
وذكر الرواة وأصحاب السيرة أنه يعد من الصحابة الأجلاء، رضوان الله عليهم، الذين اهتدوا بهدي الكتاب، وسنة نبيهم المصطفى عليه الصلاة والسلام. وحينما نتصفح ديوانه لنبحث عن تأثير تعاليم الإسلام في معاني شعره، أو في الأغراض التي نافح فيها عن الدعوة الإسلامية مثلما فعل حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك، رضوان الله عليهم، فإننا نجد التأثير ضعيفاً في المعاني والأغراض معاً. لقد ظل حميد ينظم بالمعاني والصياغة واللغة التي عرفت عند الجاهليين. فهل ضاعت أشعاره التي قالها في المرحلة الإسلامية؟ أم أن تأثير المعاني الجاهلية كان قوياً في نفسه، فلم يستطع التخلص منها، في الصور والمعاني واللغة الغريبة التي كان يميل إليها؟
لا يمكننا أن نطلق حكماً جازماً في هذه القضية، وقد خلت المصادر من الإشارة إلى ذلك. ولهذا فإننا سنحكم على الشاعر من خلال ما نسب إليه من أشعار في ديوانه، فهذه الأشعار هي الحكم الفصل في هذه القضية، لاسيما أنها جمعت في ديوان بشرح وتحقيق عالم جليل في العربية وآدابها، وهو العالم عبد العزيز الميمني الذي عرف بدقته في التحقيق والتخريج.
إن الدارس لديوان حميد يخرج بنتيجة وهي أن الشاعر لم يستفد من المرحلة التي قضاها مع الرسول، عليه الصلاة والسلام، والصحابة، رضوان الله عليهم، بالتمرس بمعاني كتاب الله وسنة رسوله الأمين، وتوظيفهما في شعره مثلما فعل شعراء الدعوة الإسلامية. فهذه الفترة كانت عطرة بالتوجيهات الدينية من الكتاب والسنة، فحدث تغيير جذري في المعاملات والسلوك والمعتقدات.فكان من الطبيعي أن نجد ديوانه مليئاً بالقصائد التي ينافح فيها عن القيم الإسلامية التي دعا إليها هذا الدين، ويرد على أعداء الإسلام الذي ناصبوا الرسول والمسلمين العداء، ويظهر تعاليمه السمحة التي هدت الناس إلى نور الإيمان وأخرجتهم من ظلمات الجهل، وكذلك ما عرفت الجزيرة العربية من وحدة شاملة، وإزالة الضغائن والأحقاد بينهم.
إن ما وجدنا في ديوانه من هذه المعاني لا يرقى إلى شاعريته المتميزة من بين شعراء عصره، وإلى الدور الذي كان ينبغي أن يقوم به في هذه المرحلة انطلاقاً من صدق إيمانه وإعجابه بشخصية الرسول، عليه الصلاة والسلام، فلم نجد في ديوانه إلا أبياتاً قليلة يشير فيها إلى بعض الفضائل التي عرفت عند العرب وأقرها الإسلام، لأنها فضائل إنسانية، ترسي دعائم المجتمع مثل الإشادة بالأمانة في قوله:
أمليكما إن الأمانة من يخن
بها يحتمل يوماً من الله مأتما
فلا تفشيا سري، ولا تخذلا أخا
أبتكما منه الحديث المكتما(40)
وتعاليم الإسلام السمحة واضحة في كونه جعل خيانة الأمانة مقرونة بالإثم الكبير عند الله، وقد أشارت آيات كثيرة إلى هذا المعنى الجليل.أما في الشعر العربي القديم فهناك أبيات كثيرة ذكر فيها الشعراء حرصهم على أداء الأمانة، والوفاء بالعهود، مثل قول الأعشى:
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به
في جحفل كسواد الليل جرار
إذ سامه خطتي خسف، فقال له
قل ما تشاء، فإنني سامع حار
فقال غدر وثكل أنت بينهما
فاختر وما فيهما حظ لمختار
فشك غير طويل، ثم قال له
اقتل أسيرك، إني مانع جاري(41).
هذه الأبيات تظهر شدة حرص العربي على الأمانة ولو كلفته حياة أعز الناس إليه.
وفي موضع آخر نجد حميداً يشهد بوحدانية الله وبلقائه يوم البعث، وهذا من أسس التوحيد التي يقوم عليها الإيمان عند المسلم، لكنه يأتي بهذا المعنى في غرض الهجاء، وذلك حينما هجا أبا الربيع العامري، وإلى اليمامة في قوله:
شهدت بأن الله حق لقاؤه
وأن الربيع العامري رقيع(42).
وفي أبيات أخرى يذكر الحمد والرشد وهما من المعاني التي دعا إليها الإسلام، كما في قوله:
فما منكم إلا رأيناه دانيا
إلينا بحمد الله في العين مسلما(43).
وقوله:
قضى الله في بعض المكاره للفتى
برشد، وفي بعض الهوى ما يحاذر (44)
وذكر بعض الباحثين أنه أخذ معنى قوله:
أرى بصري قد رابني بعد صحة
وحسبك داء أن تصح وتسلما(45).
من قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): لو لم يكن لابن آدم إلا الصحة والسلامة لكفاه بهما داء (قاتلاً).
وفي مقتل عثمان، رضي الله عنه، نجده يذكر في مطلع القصيدة الإنابة إلى الله، وتلاوة كتابه العزيز، وتدبر معانيه بالاجتهاد حيث قال:
إني ورب الهدايا في مشاعرها
وحيث يقضى نذور الناس والنسك
ورب كل منيب بات مبتهلا
يتلو الكتاب اجتهاداً ليس يترك(46).
هذه المعاني التي يظهر فيها الأثر الإسلامي إذا ما قورنت بما جاء في ديوانه من معانٍ وألفاظ وأساليب كانت متداولة عند الجاهليين تبين أن الأثر الجاهلي كان أقوى في شعره. وذلك يتضح في اللغة الغريبة كقوله في وصف الناقة، وكان من الشعراء الذين أجادوا في وصفها:
ضبارا مريط الحاجبين إذا خدا
على الأكم ولاها حذاء عثمثما(47)
وقوله أيضاً في هذا الغرض:
رعين المرار الجون من كل مذنب
شهور جمادى كلها والمحرما
إلى النير فاللعباء حتى تبدلت
مكان رواغيها الصريف المسدما
وعاد مدماها كميتاً وأشبهت
كلوم الكلى منها وجاراً مهدما(48).
كما أن المعاني التي كانت راسخة في أذهان الجاهليين ومعتقداتهم نجدها في شعره، مثل توهمهم انتقال أصوات الموتى من قبر إلى آخر في قوله:
ألا هل صدى أم الوليد مكلم
صداي إذا ما كنت رمساً وأعظما(49).
وغيرها من المعاني التي كانت متداولة في عرف الجاهليين، ولا يظهر فيها الأثر الإسلامي الذي حارب تلك المعتقدات إما لأنها تخالف العقيدة، أو أنها من الأفكار التي لا تلائم المجتمع الإسلامي الذي عرف تغيراً جذرياً مسَّ كل شيء في حياة الناس.
والخلاصة التي يستخلصها الدارس لشعر حميد هي أنه لم يكثر من المعاني التي جاءت في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام لصياغة أغراض ومعانٍ وأساليب تكون فيها روح الدعوة الإسلامية بارزة ومهيمنة على شعره، لبيان مقاصد هذه الشريعة السمحاء، أو للدفاع عنها ورد أقوال الجاحدين، فالأبيات التي أشرنا إليها لا تمثل الدور الذي كان ينبغي أن يقوم به في هذه المرحلة.
وضعف التأثير الإسلامي في شعره يظهر حين تحدثنا عن غرض الغزل فقد رأينا أنه لم يتحول عن الغزل الصريح إلى الكناية عن المرأة بالسرحة إلا بعدما حظر عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، على الشعراء ذكر أسماء النساء.
فالتحول لم يكن نابعاً من إيمانه بما يدعو إليه الإسلام، وإنما من الخوف من سلطة الخليفة، وأنه يمثل في موقفه مقولة: (يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن).
الهــوامش:
1) طبقات فحول الشعراء:1/ 24
2) ديوانه: 133. تذريت السناما: أي شرفت وعلا أمري في القبيلة.
3) المفضليات: 62-63.الصراد: -بتشديد الصاد والراء- الريح الباردة. النيب: الإبل. والجعجاع: موضع بروك الإبل. أراد أن النيب، وهي أصبر على البرد، لا تبرح مباركها من شدة البرد. والأوزاع: المتفرقون. يريد أن الممدوح ينزل في شدة البرد في مجمع الناس حيث الضيفان.
4) ديوانه 111. الصريخ: المستغيث. سافع: آخذ بناصية مهره ليلجمه.
5) طبقات فحول الشعراء: 2/ 584-586.
6) مقدمة الديوان.
7) ديوانه 78.
8) -------: 49.
9) --------: 94-95. الآل: السراب. أي أصبح في شيخوخته مثل السراب الخادع. النواكث: صروف الدهر ونوائبه التي أثقلته.
10) ديوانه:61.
11) ------: 123. الشمطاء: المرأة التي خالط البياض شعر رأسها. ومرر القل:كناية عن ضيق العيش.
12) ديوانه: 16-18.
13) -----: 63.
14) ------: 79-80.الفدفد: الأرض الغليظة ذات الحصى. شبه الخطوط التي في وجهها بما تتركه غصون الأشجار على الأرض حينما تجر في مكان غير صلب. السوام: الإبل الراعية.
15) ------: 133.
16) ------: 38. الشرى ـ بفتح الشين وتسكين الراء ـ: شجر الحنظل. والغيث المدجن المظلم.
17) الذرع: الطاقة. البكارة: ج بكر، وهي البزل من الإبل. يشير إلى أنهم كانوا مدربين على القتال.
18) في هذه الأبيات عيب يسمى الإيطاء، وهو تكرير لفظ واحد في القافية في أبيات متقاربة. وقد كرر الشاعر لفظ –النجوم – في بيتين متجاورين.
انظر كتابنا: (بناء القافية وطرق تأصيلها دراسة نقدية).
19) مخرق الثياب: صفة تطلق على الرجل الكريم، لأن العفاة يجذبون قميصه. وتطلق أيضاً على الرجل القوي المناكب. والسقم: تغير اللون من شدة الحياء.
20) اللواء: العلم الكبير. الخميس: الجيش الجرار.
21) ----:117.سحبان وائل: كان من بلغاء العرب. وباقل:كان مشهوراً بالعي.
22) ------:28. الهزاهز: الفتن والحروب
23) ----: 89.يقول: إن هذه القصائد تتخذ مادة للسمر لجودتها، كما أن أثرها يكون قوياً على الأحياء والأموات.
24) ديوانه:114.
25) -------: 27.
26) --------:24-26.
27) ------: 104.
28) ------:105.
29) شعر زهير:25.
30) المفضليات: 119- 120. اليعاقيب:
31) المدافع: أماكن تجري فيها المياه. والجناب: المكان الذي أقاموا فيه، وصفه بالخصب.
32) ريحي لهن جنوب: أي يملن إليه. والعرب كانت تتفاءل بريح الجنوب، لأن مجيئها يكون مصحوباً بالخير.
33) ديوانه: 51-52.
34) ------: 49.
35) النواكث: صروف الدهر. وقوله: تنقضني حبلاً بعد إمرار أي عملت على توهيني بعد قوة.
36) ديوانه: 94-95.
37) -------. أم صبار: أرض ذات حجارة كأنها أحرقت بالنار.
38) -------:110.
39) ---------: 88.
40) ------: 28.
41) منهاج البلغاء: 105.
42) ديوانه: 102.
43) ------: 29.
44) -------:87.
45) ------: 7.
46) ------: 114.
47) --------: 12. يصف جملاً. المريط: الخفيف الشعر. والعثمثم: الشديد الطويل. وخدا: أسرع.
48) ديوانه: 9. المسدم: البعير المعضوض. والصريف: حك الأنياب.
49) ------:30.
المصادر والمراجع
1) بناء القافية وطرق تأصيلها: دراسة نقدية. تأليف صاحب المقال.ط1. 2002م مطبعة طوب بريس. الرباط ـ المغرب.
2) تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام. الدكتور شكري فيصل.ط5.دار العلم للملايين.بيروت.
3) رفع الحجب المستور عن محاسن المقصورة.لأبي القاسم الشريف السبتي. تحقيق وشرح صاحب المقال.مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.المغرب. ط1997،1م
4) شعر زهير بن أبي سلمى. صنعة الأعلم الشنتمري. تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، ط2. دار العلم العربي- حلب.
5) المفضليات. المفضل بن محمد بن يعلى الضبي. تحقيق أحمد محمد شاكر.وعبد السلام محمد هارون. دار المعارف.ط6
6) منهاج البلغاء وسراج الأدباء. أبو الحسن حازم القرطاجني. تحقيق الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة.ط2. دار الغرب الإسلامي بيروت.
|