سلطان.. نموذج إنساني مبدع لن يتكرر

أسامة مرة

صعب على إنسان مثلي أن يكتب عن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، للصعوبة أسبابها ذلك أن ما أفاض به الكتّاب والشعراء والمثقفون بتقديري الشخصي لن يصل إلى هذه القامة المتميزة في كل شيء، كما أن نيل لقب الشخصية الثقافية لجائزة الشيخ زايد لعام 2009 لن يكون آخر الجوائز في سلسلة التكريمات محلياً وعربياً وإسلامياً ودولياً التي نالها سموه، ذلك أن تكريمات عدة تنتظر موافقة سموه في مجالات إبداعية عدة، وقراءة موضوعية لتكريم كبار المبدعين أو الحكام لن نجد أحداً منهم حاز على هذه التكريمات، ومرد ذلك إبداع سموه مسرحياً، أدبياً، تاريخياً، دينياً، وإنسانياً. لكن من خلال معايشة شبه قريبة في مناسبات ثقافية عدة، أود الإضاءة على معطيات إنسانية وثقافية ارتسمت في ذهني عبر حوالي ثلاثة عقود.
- التواضع الإنساني: أثناء كافة الافتتاحات للمعارض الفنية ولمعارض الكتاب، أيام الشارقة المسرحية، أيام الشارقة التراثية، وباقي المناسبات يتلمس المرء إصرار صاحب السمو من دون افتعال على مصافحة كافة المستقبلين ماداً يده أحياناً كثيرة إلى حضور عام خلف الصفوف الرسمية، متحدثاً مع الجميع مهتماً بالضيوف أثناء التعرف عليهم، عرباً كانوا أم أجانب، وقد حضنا في أكثر من مناسبة قائلاً «آمل اعتبار كل من تطأ أقدامه أرض الشارقة بمثابة ضيوف شخصيين لي، لذا آمل الاهتمام بهم وإكرامهم من هذا المنطلق، وذات مرة قبل عقد ونيف وخلال فصل الصيف اعتذرنا عن استقبال دولة الرئيس سليم الحص - رئيس الوزراء اللبناني الأسبق - في الشارقة كون صاحب السمو خارج البلاد ومخافة حصول أي تقصير في سياق استقبال دولته ضيوفاً كثيرين كانوا يطلبون صاحب السمو بعد ساعات الصباح الأولى بمجرد أن تطأ أقدامهم أراضي الدولة، ويتقبل سموه تلك الاتصالات برحابة صدر، علماً أن سموه في تلك الاتصالات يكون نائماً، ولم يبد سموه أي تذمر، بل كانت توجيهاته بضرورة الاحتفاء بالمتصلين مهما كانت طبيعة أوضاعهم الرسمية أو الاجتماعية. وطالما وجه سموه بتكريم ضيوف ومبدعين بما يليق حين يشعر أن «تقصيراً» ما تم بحقهم فنستدرك ذلك بعد أن يكونوا قد عادوا لبلدانهم.
- التدين والعبادات: أثناء الاستقبالات الرسمية التي قيض لي متابعتها منذ بواكير الثمانينات، كان صاحب السمو يستأذن الحضور لتأدية فروض الصلاة، حيث في الديوان الأميري، أو في مكتب صاحب السمو مسجد، حتى إن إدارة قصر الثقافة خصصت مكاناً خاصاً للصلاة، إذ كانت تصادف أوقات صلاة المغرب أو العشاء وجود صاحب السمو في قصر الثقافة لحضور فعاليات ثقافية خاصة أيام الشارقة المسرحية، وفي هذا السياق قام صاحب السمو بإنشاء مراكز ثقافية إسلامية في إسبانيا، ألمانيا، وغيرهما من الدول وأثناء لقاءاتنا لوفود أجنبية من تلك الدول، قال لنا بعضهم إن صاحب السمو يحرص من خلال إنشاء تلك المراكز علىتوفير أماكن للعبادة للمسلمين المهاجرين، وللتعريف بالإسلام، دين المحبة والرحمة والعدل والسلام والتآخي، وذات مرة قال لنا رئيس بلدية قرية ألمانية، إن سموه قال «إذا ما لمستم أن هذا المركز الإسلامي قد ينحرف عن هدفه ويصبح مكاناً جاذباً «للمتطرفين» آمل إبلاغي بذلك حتى أحضر وأغلق المركز وأسلمكم مفاتيحه».
- التشبث بالعروبة: قناعة صاحب السمو بالأمة العربية صاحبها دور توعوي في مناسبات عديدة للإضاءة للمبدعين والمثقفين من أبناء الإمارات أن عليهم ألا ينسوا أن الفضل بما آلت إليه الحركة التعليمية والثقافية مرده إلى الدور العربي، وعليهم ليس فقط عدم نسيان هذا الدور بل الإضاءة الدائمة عليه، كون دورهم مهماً في تشكيل الرأي العام خاصة المحلي منه.
- القائد العارف: حضور صاحب السمو لمعارض الكتاب، معارض الفنون بأنواعها، المسرح، الأنشطة التراثية والآثارية والأكاديمية والشعبية، من يقترب من سموه ويسمع ملاحظاته في كافة المجالات ونقاشات سموه المسهبة، يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أنه أمام إنسان موسوعي، ولا يتم ذلك بأشكاله الاستعراضية، إنما نقاشه بالطباعة، نوعية الحرف، الإخراج الفني والمضمون للكتاب، اللون وفضاء اللوحة، أنواع الخطوط ومدارسها الفنية، أصول التراث المحلي مادياً وشفوياً.. إلخ. وهذه ظاهرة لم ولن تتكرر، حيث واكبت حضور قادة في بلدان عدة لأنشطة ثقافية متنوعة، لكن صاحب السمو يتفوق عليهم كثيراً في كافة المجالات، وطالما أعرب سموه عن حلم يراوده بالتفرغ للعطاء الإبداعي في بلد يتمتع بخصائص جغرافية متنوعة ومتميزة، ولا تقتصر معرفة سموه في الميدان الثقافي، ففي مجال البيئة، المعاقين، الكشافة، المرأة، الطفل، الهندسة المعمارية، العلوم وحقوق الإنسان، نحتاج في كل حقل من تلك الحقول إلى مجلدات للإضاءة، ليس فقط على إنجازات سموه في هذا السياق، بل في المصادر المعرفية، التي من خلالها استقى سموه هذه الجوانب المعرفية، ولم يكشف بذلك، بل رفد بعضها في مصطلحات لم تستثن منها الثقافة الشرطية.
- زيارات الدائرة: قيض لي حضور عدة اجتماعات لسموه بالدائرة، تلمست خلال تلك الاجتماعات إصرار سموه على منح الكادر ثقة مطلقة حاضاً إيانا بالتجريب وتجاوز الأخطاء، وتعزيز ثقتنا بأنفسنا ومصارحتها حتى نكون صرحاء مع سموه وطالما استعرض سموه قصصاً عن تفكيره، أمله، حلمه، رؤيته للشارقة مدينة فاضلة بيد كل فرد من سكانها كتاب، وباليد الأخرى وردة، لننظر إلى أنصاب الشارقة وساحاتها وشوارعها، فنجد فيها جميعاً مسميات لا تنسلخ عن قناعة ثقافية، وطالما ناقش سموه معنا ضرورة الانفتاح على الآخرين، مؤسسات ثقافية محلية، عربية، دولية، ولذا كانت أيام الشارقة الثقافية في عدة مدن أوروبية تعزيزاً للحوار مع الآخر، على اعتبار توجيهات سموه أن الثقافة أكثر وسيلة ناجحة في التقريب بين الشعوب وحضاراتها، ولم يرفض سموه لأحدنا أي اقتراح ثقافي مطلقاً، بل بالعكس كافة الكوادر وجدوا أن سموه يفوق تفكيرنا بأشواط، وفي كافة المجالات، ومهما لهثنا نحتاج إلى وقت لترجمة قناعات ورؤية سموه.
- وفاء قل نظيره: من يستمع إلى قصص من العديدين يدرك مكرمات صاحب السمو على المستوى الفردي لأناس قدموا خدمات للشارقة، ولو لم يكونوا على كادرها الوظيفي لقد حفظ سموه للمتقاعدين من عشرات الأخوة العرب ما قدموه للشارقة سواء في المجال التعليمي أو الصحي أو الخدمي، وقام سموه بتوفير العيش الكريم لهم، ومن وافته المنية كان سموه ليس على رأس المشيعين فقط، بل كان يشارك في دفنهم وتقديم واجب العزاء، وتبني أسرهم بما يحفظ كرامتهم، وهذه ميزة لم يتفوق على سموه أحد بها على المستوى العربي، هذا عدا تبني سموه لمئات الحالات العلاجية بالخارج على نفقة سموه الشخصية، وإذا أمد الله بعمرهم فالفضل بعد الخالق لصاحب السمو.
- دعم المؤسسات العربية: عايشت شخصياً دعم صاحب السمو لاتحاد الكتّاب العرب واتحاد الفنانين العرب، وإنشاء الهيئة العربية للمسرح، واتحاد الناشرين العرب، والاتحاد العربي للنشر الإلكتروني، وملتقى ناشري كتب الأطفال العرب، إضافة إلى مؤسسات أخرى.. كنت أتلمس الحزن في عيني صاحب السمو حين تقصر تلك المؤسسات في تأدية رسالتها وطالما نصح ووجه وقدم كافة التسهيلات لهم، لكن مما يؤسف له أن «جرثومة» فشل مؤسسات العمل المشتركة متفشية، مع حرص صاحب السمو على القيام بدور النطاسة وذلك عائد للروح التفاؤلية التي يتمتع بها سموه.
عن ماذا أتحدث عن مشاركة سموه عملياً في أعمال الترميم لحلم راوده وحققه في أن الشارقة القديمة شارقتي ومع محبتي للشارقة العصرية كونها جزءاً لا يتجزأ من تراب الإمارة والدولة، إلا أن الشارقة القديمة رمز الأصالة والعروبة والتآخي، إنها شارقة تاريخنا، ماضينا الذي عليه نرتكز ومن خلاله بنينا حاضرنا وسنعمل على بناء مستقبلنا، أم أتحدث عن تدشين سموه للقصباء قائلاً: «سترون غداً، ستشهد المنطقة هنا تطوراً عمرانياً لافتاً»، وهذا ما تحقق، وكان سموه يستشرف مستقبل المنطقة، وكان سموه قد استشرف المستقبل قبل ثلاثة عقود حين دعا إلى ثورة لبناء الإنسان، لا بناء الكونكريت فقط.
حين نشر سموه «سرد الذات»، كم تمنيت أن يكون الجزء الأول لندرك جميعاً من خلال الأجزاء اللاحقة كيف يبني القائد ذاته، وكم هي الأحداث التي مرت عليه وتجاوزها إيجابياً، بل صلبته حتى أصبح رمزاً على المستوى الدولي للحالمين من الشباب، وقدوة من خلال تصالحه مع ذاته للمثقفين العرب كافة، وقائداً يمكن للغرب أن يحاوره بثقة للشفافية التي يتمتع سموه بها.