حوار مـع نيكــولا ببيوفــاني
أجراه: جون جيلي
ترجمة: مصطفى بدوي
فلوبير الأمس وديستويفسكي الأمس هم: تريفو/ هيتشكوك/فيلليني/ فيسكونتي/ بيرغمان... اليوم
عندما ننصت إلى المؤلف الموسيقي السينمائي الإيطالي نيكولا بيوفاني فإننا ننصهر في العمق مع تجارب سينمائية متنوعة راكمها الريبيرتوار السينمائي الإيطالي في مختلف منعطفاته ومنحنياته الكبرى. والأهم في هذا الحوار الذي نقوم بتعريبه هو الانتباه إلى آليات اشتغال المكون الموسيقي في السينما وانشغالاته، بتواز مع باقي عناصر الفيلم الأخرى، الشيء الذي يؤكد لنا ـ نحن العرب الرافلين في اطمئناننا ـ وجودنا خارج السياق الفني العالمي حتى إشعار آخر..
سؤال: كيف صرت مؤلفاً موسيقياً للأفلام؟
جواب: اكتشفت السينما أو ما يسمى بالفن السابع في عامي السادس عشر عندما كنت مدمناً على متابعة الأفلام السينمائية التجريبية. قبل ذلك، لم تكن تمثل السينما بالنسبة إليّ سوى حديقة مثيرة حيث الأفلام الأمريكية أو الأفلام الإيطالية: جون واين ـ ليز تايلور ـ ألبرتو سوردي ـ آن نيتشي... بعد ذلك اكتشفت: بيرغمان، بونويل، فيلليني، تريفو وعدداً آخر من الفنانين. وقتئذ، فهمت ببراءة بأن الفن السينمائي يستطيع أن يكون شيئاً آخر أكثر من كونه استهلاكاً موسمياً بسيطاً. آنئذ، اشتهيت الاشتغال في هذا الحقل. دخلت السينما بفضل: سيلفانو أغوستي الذي كان صديقاً لماركو بيللوشيو. وفي الواقع، إن أول فيلم كتبت موسيقاه كان من إخراج أغوستي الذي أنجز سنة 1969 وخرج إلى الوجود سنة 1970. بيللوشيو رأى الفيلم واستمع إلى موسيقاه، وناداني للمشاركة في فيلمه: (باسم الأب) واشتغلت معه في سبعة أفلام.
سؤال: كيف تفسر الاشتغال الطويل (زمنياً/المترجم) مع بيللوشيو والانقطاع بعد ذلك عن مواصلة العمل معه؟
جواب: بعد إنجاز سبعة أفلام كان الاختيار حكيماً بصفة عامة أكثر منه تغيير عادة من العادات. المخرج أيضاً بحاجة إلى أن يتجدد، وإلا صارت العادة حواجز.. لم يقع بيننا أي خلاف يذكر، لكن بيللوشيو بدأ يأخذ وجهات أخرى متعارضة مع تلك التي أسير فيها. فابتداء من فيلم: (هنري الرابع) المأخوذ عن مسرحية لبيرانديللو لم نعد نشتغل سوياً. بالنسبة إليّ بيللوشيو هو واحد من كبار عباقرة السينما الإيطالية، ولا يزال حياً كما لو أنه في الثلاثين ربيعاً.
سؤال: هل كان يطلب منك بيللوشيو أشياء محددة أثناء اشتغالك معه أم أنه كان يترك لك كامل الحرية؟
جواب: كان بيللوشيو مخرجاً يتواصل بشكل جيد، ونفس الشيء أعيشه إلى حدود الآن. دليلي أحاسيسي القوية أكثر منها الترابطات النغمية المنطقية. توجيهاته لم تكن تأخذ طابع التمرين المفروض على المؤلف الموسيقي.
هذا ما أذكره من خلال الأعمال التي أنجزتها بمعيته وبكثير من الحنين..
سؤال: كنت غارقاً جداً في عمله..؟
جواب: أجل لأني كنت شاباً وهو كذلك. كنا نعيش مع تلك الأفلام كما لو أنها خندق علينا الدفاع عنه، أو أنها معارك فنية ثقافية ومدنية. كان عملنا أكبر من عمل سينمائي بسيط. كنا نحمله بقيم قوية لا نجدها إلا لماماً في السينما الراهنة. كانت سنوات استثنائية بمنظور ذلك الجهد الكبير الذي كنا نبذله.
سؤال: إذاً، هناك أكثر من عشر سنوات من العمل المشترك مع بيللوشيو وحده؟
جواب: ليس صحيحاً كلية ما تذهب إليه، لقد قمت بالاشتغال في ثلاثين فيلماً تحديداً، أحسست بميل خاص نحوها، وكمثال على ذلك فيلم: (ابتكار) لايميديو غريكو وأفلام أخرى لمخرجين آخرين لم يواصلوا العمل السينمائي.
سؤال: ماالذي دفعك إلى العمل مع المبتدئين؟
جواب: الأفلام الأولى كانت لها أهميتها وجدَّتها، إذ تحتوي على عناصر غير ناضجة ولكنها مثيرة. في تلك الفترة، لم أكن مشدوداً إلى المحترفين الذين كانوا يطلبون عملاً روتينياً. وحتى أكون صريحاً أكثر؛ المخرجون المكرسون لم يكونوا يهتمون بعملي. الأول الذي وجه الدعوة إليّ كان هو: ماريو مونيسيلي من أجل عمل كوميدي. اشتغلت معه في سبعة أفلام. كان قد سمع بموسيقاي واشتغلنا سوياً في عمل مسرحي كوميدي إنجليزي. قبلئذ، كنت أعتبر موسيقياً يشتغل في أفلام أدبية أقصد حزينة وفجائعية ومبكية. قال لي مونيسيلي: (لقد أعدت إليك الاعتبار) إنه مخرج شجاع جداً، فتح لي الأبواب وجعلني أشتهر لدى مخرجي أفلام كوميدية آخرين.
سؤال: يعد العمل مع فيلليني مرحلة هامة في تجربتك، لأنه ذائع الصيت وعند وفاة نينو روطا صار فيلليني يتيماً. لقد قام بإنجاز فيلم واحد رفقة لويس باكالوفا وغيان فرانكو بلينيزيو وأنت من وقعت موسيقى أفلامه الأخيرة؟
جواب: بل بدأت العمل معه في فيلم رابع. لقد اتفقنا على كتابة أدوار من أجل الفيلم الذي كان يحضره..
سؤال: صداقتكما صارت كما قد نتوقع لو دامت أكثر لأمكن مقارنتها بعلاقة التكتل التي كانت له مع نينو روطا..؟
جواب: أعتقد أن ارتباطه بنينو روطا لا يمكن مقارنته بأي شيء في تاريخ السينما. رباطهما كان لا يصدق، ليس فقط بالنسبة إلى كمية الأفلام المنجزة لكن العمل هو الذي عمق العلاقة بينهما عبر الزمن. موسيقى أفلامهما الأولى كانت رائعة إلا أن تلك المتعلقة بالأفلام الأخيرة كانت مثالية من حيث الإنجاز. لقد دفعا عملهما دائماً نحو الأبعد. (كازانوفا) فيلم ثابت عمقياً، وتعاونهما لم يكن من ذلك النوع الذي يتجه نحو التكرار.. وأعرف كم كان يسخر من الابتذال.
سؤال: عندما ننظر إلى أفلامه نلاحظ أن غالبية المتعاونين معه مكرورون. هل كان محتاجاً إلى متعاونين دائمين تجمعه بهم روابط الصداقة..؟
جواب: أكيد بلا شك. العمل معه لا ينتهي فبمجرد أن كان ينهي فيلماً نبدأ في الحديث عن مشروع تالٍ، حتى لو تعلق الأمر بأفلام لم نستطع إنجازها لاحقاً. فمثلاً قرأت مرتين سيناريو فيلم أسطوري لم ينجز أبداً..
سؤال: واللقاء مع ناني موريطي الذي تعاونت معه أيضاً أكثر من مرة؟
جواب: أعرفه منذ سنوات عديدة كنا أصدقاء، لكن من دون أن نشتغل سوياً. في فيلم (القداس انتهى) قرر قطع التعاون مع صديقه: فرانكو بيرزانتي الذي كان صديقي هو الآخر. اقترح عليّ اقتحام التجربة فيما كنا نضحك سابقاً ونحن نفكر في صعوبة التعاون فيما بيننا. ومع ذلك الأفلام الأربعة أنجزت بسلام كبير طبعاً، وبجهد مهم، لأن ناني يحمل ضغطاً قوياً في عمله خاصة في لحظات المكساج: كنا في الشوط الأخير وماكان لنا أن نعود القهقرى، ومن الطبيعي أن يرتفع الضغط في لحظات المكساج لدى ناني بخاصة، غير أني أذكر أني كنت أتميز بصفاء كبير في قاعة المونتاج والتسجيل.
سؤال: أحياناً موسيقى الأفلام تكون خفية. إذن، عندما نفكر في فيلم لموريطي فإن الموسيقى أساسية. ففي الوحدة التصويرية لمستهل فيلم: (انتهى القداس) عندما يرتمي الراهب في الماء ويسبح طويلاً، فإن الموسيقى تصير ربما هي العنصر الأهم في هذه الوحدة..؟
جواب: لا أدري إن كانت هي الأهم، فالعمل الذي حاولت أن أقوم به مع ناني ومع كل المخرجين الآخرين هو خلق موسيقى من داخل الفيلم، من روحه. نستطيع تخيل كتابة موسيقى ربما أكثر أهمية في حد ذاتها، لكنها تكون أكثر بعداً عن روح الفيلم. إن الانطلاق من الفيلم يقود إلى كتابة موسيقى أكثر بساطة أحياناً، ولكنها قريبة من الفيلم. وهذا ما حدث في فيلم: (غرفة الابن) الذي يتضمن موسيقى بسيطة ببيانو واحد يعزف برقة ويصاحب كل لحظة يذهب فيها الطبيب النفساني من شقته إلى مكتبه. لكن كنت أحس ـ وأتمنى أن أكون محقاً في ذلك ـ بأن هذه الموسيقى كانت قريبة من الشخصية بوجه خاص.
سؤال: هل تنجز موسيقى الفيلم مع المخرج من قبل أم أنك تقترح ما يقبله بشكل أو بآخر..؟
جواب: مع المخرج يتم الخوض في كل ما من شأنه الخوض فيه، لكن يصعب أن نُسمعه الصوت الموسيقي الذي يتجول في المخيلة، ونوعية لونه تحديداً، قبل أن نكون في قاعة التسجيل كي نسمعه عملياً ذلك. طبعاً عندما نكون بصدد الفيلم الثالث أو الرابع مع نفس المخرج نشتغل بشكل أفضل، لأن رابط الثقة المتبادلة يكون قد استقر بين الطرفين. لو قلت اليوم لروبرطو بينيني: (هنا يتسع صوت الأوركسترا) سيفهم للتو ما أريد قوله. أما في أول فيلم لما كنت أتحدث له هكذا كان يتساءل: «ماالذي أعنيه» بتوسيع الصوت؟! إنها طريقة للتفاهم. أستطيع أن أقول أشياء معينة بكلمات معينة. والمخرجون الكبار يتواصلون خارج الكلمات أساساً بل بعيونهم أيضاً. بينيني يتكلم بطريقة جسدية أكثر، وموريطي بنظرته المملوءة بالمشاعر، بابتسامته أو بتصفيقه..!
سؤال: كنت صديق روبرطو بينيني منذ أمد بعيد أعتقد...؟؟
جواب: أجل منذ زمن بعيد. كان يشتغل مع جون ليري، وهو موسيقار أمريكي. لكن بالنسبة لفيلم: (الحياة جميلة) فإن أمريكياً مثل جون ليري بعيد بلا شك عن فهم الطباع الخاصة بالإيطاليين. أعتقد أنه ـ المقصود بينيني/المترجم ـ انفصل عن صديقه لأنه كان محتاجاً إلى تربة عضوية بلون إيطالي.
سؤال: هذا ما أعجبه ما دمت تعاونت مع بينوشيو في فيلم (النمر والثلج)؟
جواب: نعم، ونشتغل معاً أيضاً في المسرح. بينيني بالإضافة إلى الصداقة التي تربطنا، فهو عبقري حي، وشاعر بالجسد والروح. يشبه بيتاً شعرياً إيطالياً عشاري المقاطع، بيتاً شعرياً قادراً بفعالية على استدعاء اليومي الأكثر بساطة، والسامي الأكثر إلهية، إذا أمكن الحديث عن الإلهي في هذا المقام.
سؤال: إلى أي شيء تستند هذه الثقة؟
جواب: عندما تسير الأمور بشكل جيد يحل رابط الثقة المتبادلة. المخرج الكبير يكسب ثقة الموسيقي. لو قال فيلليني مثلاً: (هنا بحسب ما أراه من الأحسن إنجاز شيء أقل حدة أكثر خفاء وحميمية) أو قال: (هنا أفضل شيئاً أكثر إبهاراً) فإن المؤلف الموسيقي يضع فيه ثقة عمياء. لكن، أحياناً المخرج الأقل موهبة يستطيع أن يقول شيئاً نظرياً، وهذا ما يستحيل إنجازه عملياً، لأن هذا لا يشع بطريقة جمالية، ولا ننجح في إيجاد حل لأن الطلب ذو طبيعة أسلوبية نظرية. مشكل العلاقة بالأسلوب مشكل جوهري في السينما، في الموسيقى. إذن، في العلاقة بين السينما والموسيقى، في العلاقة مع الشكل هنالك جملة لأديب إيطالي كبير هو إدواردو دي فيليبو، يقول: «ابحث عن الحياة تجد الأسلوب، وابحث عن الأسلوب تجد الموت بانتظارك». شخصياً أريد أن يحكى لي ما يحدث في الفيلم، بعد ذلك من الممكن أن تقول لي كيف تريد أن تحكي القصة. قبل أن تقول لي: كيف، عليك أن تقول لي: لماذا، لأنه بواسطة: لماذا؟ أستطيع أن أجد الـ: كيف، لكن لو قلت لي الـ: كيف، لا أستطيع أبداً فهم: لماذا؟ عندنا أمثلة لمخرجين موهوبين جداً «اختنقوا» وهم يبحثون عن الأسلوب. في المونتاج، هم قادرون على تقطيع مشهد لا قيمة أسلوبية له في الوقت الذي نجد أنه جوهري بالنسبة للحكي. إنهم يحرمون المشاهد من مشهد جوهري كي يفهم. كل ذلك لا لشيء إلا بسبب زهو أسلوبي ـ يسكنهم/المترجم ـ شخصياً، أريد من المخرج أن يحكي لي فيلمه عندما لا يكون موجوداً إلا في دماغه، ويكون مشتاقاً لتنفيذه. بعد ذلك أشاهد المونتاج الأول وأجابه مادة الفيلم، فأكتب الموسيقى بنكهة ابتكارية وبكثير من الصنعة.
سؤال: لنعد إلى عملك مع الأخوين تافياني..؟
جواب: سينما تافياني تستعمل كمية محدودة من الكلمات. الحكي والمشاعر يستندان إلى الصور والموسيقى. الحوارات مختزلة إلى أبعد حد. إنها ليست سينما مبنية على الحوارات. هناك سينما أخرى على النقيض من ذلك ولكن لديها نفس العلاقة بالكلمات إنها سينما: سيرجيو ليون. الشخوص فيها لا يقولون إلا القليل الأهم، والباقي تحكيه الوجوه والحركات والموسيقى. وفي هذا الصدد، كان هذا بالنسبة إلي تجربة ضخمة لكتابة كمية معينة من موسيقى الأفلام بنوع من الموسيقى ذات الطابع السيمفوني بصوت الأوركسترا. عندما أقدم حفلات موسيقية أفتح دائماً الحوار مع فيلم: ـ ليلة سان لورنزو ـ و ـ صباح الخير بابل ـ..
سؤال: نلاحظ في مسيرتك لقاءات غير منتظرة مع مخرجين أمثال: ماكافيفا ـ بيغاس ـ لينا ـ جون أرفن.. هل هي الشهية للدخول في تجارب جديدة دائماً...؟
جواب: نستطيع القول إن هذا بدأ في طور معين من حياتي وينبغي توخي الحذر من السقوط في الروتين. ذات يوم، ذهبت إلى بوينس آيريس لإنجاز فيلم رفقة ماريا لويزا بيمبيرغ. أخذتني لرؤية المسرح والكواليس فوجدت مقولة لرئيس أوركسترا كبير تقول: (الروتين والارتجال هما العدوان المميتان للفن). الارتجال المقصود يشبه السطحية والإتيان بسلوكات غير مدروسة. الروتين ثقيل جداً، إنه يكبل الخطى. إذا كنا نشعر بأننا قادرون على الإتيان بأسلوب معين للفيلم، وأننا لا نحاول إنجاز إلا هذا النوع فإننا ننتهي بتقليب الغبار. بالنسبة إليّ إنجاز تجارب مختلفة تثيرني. هذه السنة انطلقت في تجربة لم أقم بها من قبل، إنها الرسوم المتحركة التي هي بعيدة عن ذوقي. اقتُرحت عليَّ وأعتقد أنني سأقبل بالدخول فيها. في الحقيقة منذ أمد بعيد أوزع وقتي بين نشاطين اثنين: ستة أشهر أخصصها للسينما وباقي أشهر السنة أخصصها للمسرح أو للحفلات الموسيقية.
سؤال: كيف وصل التعاون مع المخرجين الفرنسيين إلى ما وصل إليه..؟
جواب: كما هو الشأن دائماً تصلك المشاريع من طرف الوكلاء. وما وصلني بدا لي أكثر أهمية في الوقت الراهن مما اقتُرح عليَّ في إيطاليا، لا سيما وأن الأمر يتعلق بأنواع من الأفلام مختلفة عن بعضها بعضاً. وأنجزت كوميديا دانييل طومسون: (تغير الدليل) وأجدها مؤثرة جداً، حتى إنها مستني بشكل خاص، بالرغم من كونها كوميديا. بعد ذلك، جاء أول فيلم مع ساندرين بونير: ـ اللاعبة ـ لكارولين بوطارو الذي سيظهر قريباً. إنه نوع مختلف جداً، فهو فيلم تستطيع وصفه بالاختزالي. فهو يدور في كورسيكا بثلاثة شخوص فقط. أخيراً بالنسبة إليّ باعتباري إيطالياً فإن فيلماً تلعب فيه ساندرين بونير بالدراجة الهوائية يكتسب أناقة خاصة لا أستطيع معها أن أرفض. ساندرين بونير تمثل نوعاً من السينما التي نحبها أنا وأصدقائي باعتبارنا متفرجين. إنها أفلام نشاهدها بعد الزوال خلال الأسبوع عندما تكون القاعات السينمائية فارغة تماماً. أتذكر فيلماً لفيليب ليوري مع ساندرين بونير: (الآنسة) عندما كنا لا نتجاوز ثلاثة أشخاص في القاعة. وهكذا عندما التقيت بليوري الذي اقترح عليّ إنجاز فيلم مع ساندرين بونير، كان من المستحيل أن أقول: لا. هذه الأفلام، بالنسبة إلينا ـ كإيطاليين ـ لديها أناقة خاصة بالإضافة إلى أن ذلك سمح لي بالمجيء إلى باريس...
سؤال: هل لديك مشاريع أخرى..؟
جواب: أغلب مشاريعي مسرحية. أجد نفسي في المسرح، وأشعر أن السينما في وقتنا الراهن تتعرض لهجوم مضاد من قبل الحضارة التلفزيونية. نعيش زمن الديمقراطية التلفزيونية. والتلفزيون كالسينما يعتمد على الصور، الشيء الذي يعطي تراشقاً دامياً بينهما بدأ منذ سنوات السبعينيات، ولا نعرف كيف سينتهي. إن تعدد الصور والدخول إلى الأفلام عبر الهاتف الخلوي، وعبر الحاسوب أو في الطائرة، هذا التعدد أصبح يتزايد بالملايين ولا يخدم السينما. السينما فن ولد في وقت كانت الصور فيه نادرة.. أنا ولدت في مرحلة كان العالم فيها متعطشاً للصور، والناس كانوا يخرجون أيام الجمعة والسبت والأحد للذهاب إلى قاعات السينما. اليوم ارتوينا بالصور. فمقاومة القاعات السينمائية إذن ستكون صعبة، وأعتقد أن الأمر سينتهي بشكل سيئ. لا نستطيع محو السينما طبعاً، لأنه سينجز مستقبلاً مخرجون أعمالاً فنية، لكن ربما لا أحد سيشاهد السينما. المسرح والنثر والشعر والموسيقى تحمل وراءها 2500 سنة من التاريخ، بينما السينما ليس وراءها سوى قرن واحد. وأعتقد أن المسرح أمامه 2500 سنة أخرى، بينما السينما تنتمي للقرن العشرين. الرواية فن لن يموت، لكنه ينتمي للقرن التاسع عشر، وخلال هذه الفترة تمظهرت الثقافة والحضارة. في القرن العشرين، أخذت السينما مكان الرواية، وفلوبير الأمس وديستويفسكي الأمس، صارا اليوم، هم: تريفو، هيتشكوك، فيلليني، فيسكونتي، بيرغمان.. هؤلاء المخرجون كان لهم الحضور الحاسم في الوعي والضمائر وفي الثقافة المعاصرة. الموسيقى تتجاوز هذا، لأن لديها الملايين. فنحن نعود إلى الموسيقى لأسباب متعددة...
سؤال: هل تنتبه عادة إلى الموسيقى عندما تشاهد فيلماً..؟
جواب: إذا لم يكن الفيلم جيداً أنتبه إلى الموسيقى. أما إذا كان جيداً وشدني ألاحظها بشكل أقل، لأفكر فيها لاحقاً. فموسيقى الفيلم الناجحة عليها أن تشتغل على هوامش الفيلم. في قاعة حفل موسيقي نسمع الموسيقى منذ انطلاقتها، منذ هجومها الأول. أما في السينما فعليها أن تبقى في الكواليس، عليها أن تشتغل في لاوعي المتفرج وعليها أن لا تكون واضحة بشكل مباشر. الموسيقى المكتوبة من أجل فيلم هي أروع من أن تحرك الجسد.
هوامش:
ـ ليلة سان لوينزو: من إخراج: الأخوين تافياني سنة 1982 ـ 106دقيقة. ينبني الفيلم على أسطورة شعبية مفادها أنه خلال كل يوم من العاشر من أغسطس تستجيب النجوم لطلب الناس فتعود الذاكرة بالمرأة (مارجريتا لوزانو) إلى 10أغسطس 1944 لتحكي ما حدث أثناءها.
ـ الحياة جميلة: من إخراج: روبرطو بينيني سنة 1998 ـ 114دقيقة. فيلم يحكي عن ـ جيدو ـ الأب الذي أخذ إلى معسكرات التعذيب رفقة زوجته وابنه الصغير. حاز الفيلم الأوسكار سنة 1998 كأحسن فيلم أجنبي.
ـ صباح الخير بابل: من إخراج: الأخوين تافياني سنة 1997 ـ 118 دقيقة. يحكي الفيلم عن إيطاليين اثنين يهاجران إلى أمريكا بين سنوات الحرب العالمية الأولى: 1914 ـ 1918 ليصلا إلى هوليود واشتغلا هناك رفقة مخرج سينمائي. يوظف الأخوان تافياني تقنيات نصف واقعية وأخرى نصف أسطورية في هذا الفيلم، عن طريق إعادة خلق السينما من داخل السينما، ويحكيان عن ثيمات: الهجرة والشقاء والسعادة والحرب.. إلخ.
الآنسة: فيلم لفيليب ليوري سنة 2001 ـ 100دقيقة. كوميديا حزينة لعبت فيها ساندرين بونير دوراً رائعاً خاصة من خلال وميض عينيها وابتساماتها المتعددة..
ـ انتهى القداس: من إخراج ناني موريطي سنة 1985 ـ 94دقيقة. من أحسن أفلام ناني موريطي بطله راهب اسمه ـ دون كيليو ـ يعيش ظروفاً عائلية مزرية التحق بروما قادماً إليها من جزيرة جنوب إيطاليا. يعالج الفيلم ظاهرة التفكك العائلي في المجتمعات المعاصرة.
|