الأثر العربي في القصص الإسباني
مَثَلٌ من القونت لوقانور لدون خوان مانويل

 

د. عبداللطيف عبدالحليم (أبو همّام)

دون خوان مانويل

رجل يهتم به التاريخ كما يهتم الأدب، ذو ملكات متعددة في كليهما، وذو حظ وافر من النشاط الإنساني المؤثر في عصر تتناحر فيه عناصر بشرية بدوافع سياسية وعرقية، ومطامع وغيرة ذاتية.

نبيل عريق، حفيد لملك، وابن لأمير، وابن أخي ملك خطير، ابن الأمير دون مانويل، وحفيد لفرناندو الثالث، وابن أخي ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم، وأمه دونيا بياتريث دي سابويا الزوجة الثانية لأبيه.

ولد في الخامس من مايو من سنة 1282، في اسكالونا، رحل أبوه، وهو في الثانية من عمره تقريباً، فكفلته أمه التي هلكت بعد ذلك بست سنوات، يقول هو عن نفسه:
«عندما مات أبي كان عمري آنذاك عاماً وثمانية أشهر»(1).

وكما يتعلم أبناء العلية تلقى دون خوان تعليمه الأولي على يد مؤدبيه: اللغة اللاتينية، والتاريخ، واللاهوت، والقانون، وتناصي هذه المعارف في الوقت ذاته المعارف العملية، تدريبات الفروسية، والصيد، والحرب، إنها التقاليد العريقة التي كان يتلقاها أبناء البيوتات العربية والإسبانية في الأندلس آنذاك، وهي التي تصقل شخصيات هؤلاء الناشئة، وتعدهم الإعداد الجيد، الذي يكون كفاء لمستقبلهم المحفوف بكثير من الصراع وتوقع الخطر.

ورث عن أبيه منصب الوالي لمملكة مرسية، كما ورث ضياعاً كثيرة في قشتالة وبلنسية، وقد تزوج ثلاث مرات تعضيداً لبيته ونسبه، وتكثيراً لذريته، ولا ندري هل كان يجمع بين هذه الزيجات، أغلب الظن ذلك، لأن التقاليد العربية المسلمة كانت تتسلل إلى هذه البيوتات فتأخذ سمعتها، ويبدو أن العصبية التي كنا نصادفها في الحروب والصراعات، لا نصادفها في الحياة الاجتماعية أو الخاصة، حتى إن ظاهرة التسري كانت شائعة في المجتمع المسيحي، تزوج في المرة الثانية دونيا كونستا نثا ابنة خايمي الثاني الأراغوني، وفي المرة الثالثة دونيا بلانكا ابنة دون خوان نونييث دي لارا.

بدأ حياته العامة مشاركاً في الصراعات السياسية وهو في الثانية عشرة من عمره، فشارك مع سانشو الرابع، وحمل رسالته، ثم شرع بعد ذلك يشايع أمراء وسادة آخرين في صف دون ألفونسو دي لاثيردا الذي بويع ملكاً لقشتالة بمساندة ملك أراغون، وحين انهزم هذا عاد دون خوان مانويل إلى طاعة فرناندو الرابع.

حين هلك فرناندو الرابع سنة 1131 اعترف دون خوان مانويل بولاية العرش للأمير دون بدرو.

وكما كان ينتجع بولائه للأمراء المسيحيين، كان يصنع الصنيع نفسه مع المسلمين، ويبدو أن العصر كان يمنح المشروعية لمثل هاته الأفعال، فقد شارك مع أمراء المسيحيين في المعركة التي شنها المسلمون على مملكة مرسية، وصبغ سيفه بنجيع المسلمين الذين انهزموا.

وإذا كان قد صنع هذا فقد تخلى دون خوان عن قوميته - كما يقول مؤرخوه(2) - ويبدو أن مسألة القومية هذه لم تكن بالوضوح الاصطلاحي الذي نعهده الآن حين نطلق مثل هذه التسميات، إذ عرض دون خوان خدماته على ملك غرناطة محارباً معه ضد ملك قشتالة، وقد أحرز نصراً يسيراً، لم يلبث إلا قليلاً حتى عاد الوضع إلى ما كان عليه قبلاً.
نصبه الفونسو الحادي عشر عضواً في مستشاريته بقصد أن يجعله تحت عينيه، وقد قاد دون خوان الطليعة المسيحية في معركة سالادو سنة 1340 ، دون أن يحتك بالمسلمين كما كان يخشى الملك في تلك اللحظة، فصحبه إلى موقع الجزيرة الخضراء، وهو نفسه يعترف بتوزع ولائه فمرة مع ملك أراغون، ومرة مع ملك غرناطة ومرة أخرى مع كليهما(3).

توفي في 13 من يونيو 1348، ودفن في دير الدومنيكان في بينيافييل، الذي شيده قبل موته سنة 1318، وضاع رفاته لكن الذي ترجم له أفضل ترجمة بالإسبانية غومث سولير يشك في هذا التاريخ، ويرى أن خوان منذ بداية سنة 1348 كفّ عن النشاط والعمل، وإن كان قد أقيم له حفل تكريم في القلعة Al Cala في 01 من مارس من العام المذكور، ولقب بلقب حاكم الثغر، ويتابع مؤرخه أنه توفي في أحد أيام إبريل أو مايو أو يونيو، ويختلف أيضاً مكان وفاته لكن مكان دفته اتفقوا عليه(4).

وتولت الملك بقشتالة ابنته دونيا خوانا مانويل، التي تزوجت دون إنريكي دي تراستا مار، ومع مرور الزمن تولى الملك أحد حفدته وتسمى باسمه.

تلك ملامح عامة لحياته المضطربة استقيناها من مظانها، غير متلبثين كثيراً لدى الإغماضات التي صحبت بعض مراحل حياته، لأنها ليست بسبيلنا، ولأننا نهتم بالعلامات البارزة في حياة ذلك الرجل الذي يعنينا أثره الأدبي قبل أن يعنينا نشاطه السياسي إلا بقدر ما يلقي ضوءاً على آثاره الأدبية.

ولعلنا نلاحظ أن هذه الحياة المصطخبة كان يحياها الناس في المعسكرين المسلم والمسيحي على السواء، وأن الحياة العملية شيء أو السياسة إن شئنا الدقة والحياة الأدبية شيء آخر، وخاصة إذا نظرنا إلى التقاليد المرعية والضوابط الأخلاقية والدينية التي يدعو إليها دون خوان في كتاباته، ونرى نقيضها في حياته العملية، يقول خمينيث سولير: «دون خوان مانويل من أولئك الرجال المتناقضين مع ذواتهم، ما بين كتاباته وعمله، فهما خصمان تماماً، وله شخصيتان: واحدة يمارس بها الحياة، وأخرى يفكر بها ويكتب، وذكاءان: ذكاء عملي يتحرك ويحيا، وذكاء يفكر به»(5).

لكننا نعتقد أن الأمور بهذه الصورة لا تصلح على إطلاقها لأن الفكر الذي يبشر به دون خوان مانويل إنما هو ذلك الفكر العملي، الذي يكفل لمن يراعيه ويتمسك به الحياة الصالحة النافعة والمفيدة، لا ذلك الفكر النظري أو المثالي، فالآداب التي تدعو إليها كتابات دون خوان إنما هي تلك الآداب الشوائع التي اصطلح الناس في كل جيل وقبيل على أنها تفيد صاحبها، وتكفل له النجاح، وأنها «الحيل» - إن صح التعبير - التي يتحايل بها معتنقوها على إحراز كل منفعة قريبة أو آجلة، ويتحرزون بها عن كل مخاطر الحماسة والاندفاع، فالوجهان قريب من قريب، لأن دون خوان ليس المفكر المحض الحالم الذي يرسم يوتوبيا، بل هو ذلك المفكر الذي يفكر لأن ترك التفكير مضر، ومخل، ولأن الحقل الذي يحرث فيه هو حقل الحِكم الذوائع التي تخلب لب العمليين، فإذا كان إبداع المرء صورة عقله وزمنه، فهو الإبداع الذي ينسب إلى دون خوان مانويل وإلى زمنه، وسوف نتناول هذا الأدب أو الإبداع بصورة خاصة في فقرة تالية.

وإذا كانت مؤلفاته تكاد تغطي المساحة الأخيرة من حياته، فإن ذلك يعني أنه كتبها أوان استحصاد ملكاته، وإبان النضج، الذي يخول له أن يراجع تجاربه الماضية بعيداً عن الوهج والنور المبهر الذي يعشي الأعين أن ترى، فهو قد فكر ملياً بآخرة من عمره كما يفكر الكهول محتمين بتجاربهم الماضية، وكان لنا أخيراً هذا الحصاد، الذي يصح أن ينسب إليه، لأنه يعلم جيداً كما يقول إن أفضل شيء بالنسبة للإنسان أن يتعلم، وإن أفضل عمل هو تأليف الكتب لا اللعب، وإزجاء الفراغ، وقد كان ذلك الرجل الذي لم يضيع حياته، فتعلم كل ما يمكن أن تصل إليه يده، وهي طويلة، تعلم الصيد فتى يافعاً، وتعلم اللغة اللاتينية، وإن كان يشكو من تصريف الأفعال خاصة مع الضمير الثالث، ولم يعن نفسه كثيراً بها، لأنه يكتب بالرومانثية(6)، كما تعلم اللغة العربية.

وإذا كان مؤرخوه من الإسبان يشكون في معرفته بالعربية، فإن شواهد هذه المعرفة واضحة بذاتها في معظم كتاباته، فضلاً عن أن العربية كانت لغة الثقافة الغالبة، وإن كان أصحابها آنذاك في حالة من الأفول، إلا أن اللغة كانت تتسلل حتى إلى القصور الملكية المسيحية، ولا يمكن أن نغفل أن عمه ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم أو العالم El Sabio. كان بلاطه يتنفس هواء عربياً خالصاً، ولا يمكن لرجل طلعة مثل ابن أخيه أن يكون بمنجاة من هذا الهواء العربي الخالص، لكن يبدو أن اعتراف المؤرخين الإسبان بمعرفته العربية شيء فوق طاقاتهم، مع أن بعضهم يذكر شيئاً من الأصول العربية أمام بعض حكاياته، ولكن ذلك لا يتم إلا بعد الإعياء الباحث عن أصول غير عربية.

مؤلفاته:
تنوعت ملكات دون خوان ما بين شاعر ومؤرخ لأحداث عصره، وقصاص بصورة أخص إذا فهمنا لفظ القصاص في إطار عصره لا بالمعنى المحدث الآن، وإلا نكون قد جنينا على دون خوان، وعلى الفن القصصي في الوقت ذاته.

فيما يتعلق به شاعراً فإن المؤرخين يذكرون له ديواناً هو Libro de las cantigas o de los cantares هذا الديوان لم يصلنا، ولعله كان يتقيل فيه عمه في «كنتيجات ألفونسو العاشر»(7). ويفضل الأستاذ الدكتور حسين مؤنس عدم ترجمة هذه الكلمة بل رسمها بحروف عربية هكذا، وتعني أغنية، وتضاف إليها علامة الجمع (S)، وهي أغان في مديح السيدة العذراء، لكن ذكر المؤرخين لهذا الديوان يؤكد نسبته إليه، وإذا كان لم يصلنا هذا الديوان، فإن ختام حكايات القونت لوقانور شعر ينبئ عن هذه الملكة المقتدرة، وخاصة في تلك القوافي الغنية في كثير من الأبيات، التي تذكرنا بلزوميات أبي العلاء، بصرف النظر عن قيمتها الفنية شعراً، ولذلك وصفتها بالملكة المقتدرة لا المطبوعة، خاصة أن هذه الأبيات لا تحمل تجربة أدبية بل تحمل تجربة تأديبية، إن صح هذا النعت، فهي أشبه بالنصائح والإرشادات لكنها - مع هذا الاحتراز - تشي بأننا أمام قدرة في ذرعها تصريف الكلام شعراً كما تصرفه نثراً، والشعر بصفة خاصة فيه دالة واضحة على قدرة صاحبه وتمكنه من اللغة في أدق إمكاناتها، ونحن لا نحاكم تجربة دون خوان الشعرية بالمقاييس النقدية التي يعتنقها النقد الحديث، بل نضعه في إطار عصره وفي إطار هذه التجربة: تجربته هو.

فيما يتعلق بنثره فإن المؤرخين الإسبان يرون صاحبه أول كاتب قشتالي، وإن كنا نرى ملحمة السيد - وترجمها ترجمة رائعة إلى العربية أستاذنا الدكتور الطاهر مكي - أول أثر يصلنا في تلك اللغة، إلا أن هؤلاء المؤرخين يقارنون بين الملحمة والقونت لوكانور، بأن الأخيرة تقترب من تصوير الواقع الإسباني بثرائه وتعقيده، وإن كانت الأولى تصف الواقع أيضاً إلا أنه الواقع البطولي(8).

وتورد المراجع مؤلفات دون خوان، مع شيء من التباين وهو أمر طبيعي في عصور المخطوطات في كل الأمم، لكن أهمها:
كتاب الفروسية - كتاب الفارس وحامل الدرع - كتاب الصيد - كتاب الأغاني - كتاب الأسلحة - كتاب العلماء - كتاب العقوبات والنصائح - كتاب الأحوال - المدونة التاريخية الكاملة - المدونة التاريخية الخاصة - وبالطبع كتاب القونت لوقانور.

الى آخر هذه القائمة، وربما تداخلت الموضوعات، فيذكر عنوانان، وهما كتاب واحد، لكن الملاحظ أن الرجل مع انشغاله الشديد بأحداث عصره، وتأثيره فيها إلا أنه لم يهمل الجانب العلمي، ولعله كان يشايع تقليداً شائعاً آنذاك كان عمه يمثله أوفر تمثيل، ونلاحظ أيضاً أن القونت لوقانور - وعليه مدار الحديث - انتهى منه أوان النضج والاستواء في أخريات حياته في سنة 2431، كما نشيم أيضاً من هذه القائمة أن الرجل كان متعدد المعارف، وهي تمثله بشخصه وعصره، فهو الفارس الذي يعنى بشؤون الفروسية وآلات الحرب فيكتب فيها، كما يهتم بأمور عصره وسياسته فيشارك فيها عملياً وعلمياً، فيدون المدونة التاريخية العامة، كما يساهم في الآداب العامة بالمعنى العام والخاص فيكتب كتاب الأحوال والقونت لوقانور وكتاب العلماء، ولو أنه اقتصر فقط على الحياة العملية لغدا نسياً منسياً لا يذكره المؤرخون إلا في إطار الأحداث السياسية، لكن كتبه أضافت إليه وجهاً آخر ما كان في وسعنا الوقوف عليه بدونها(9).
ويرى ألفونسو إسوتيلو أن أهم كتاباته هي كتاب الأحوال، وكتاب القونت لوقانور، لأنه وصل فيهما إلى ذروة الكتابة القصصية، كما أنهما يعكسان فكره الاجتماعي والسياسي، إذ كان كتابه الفارس وحامل الدرع يعكس خصائص المجتمع القشتالي في عصره فضلاً عن بعض الملامح الخاصة في سيرة المؤلف باعتباره مشاركاً وصانعاً للأحداث.
ولا يعنينا بالطبع تقصي كتبه ومحتواها واحداً واحداً، فهذا يخرج بنا عن الخطة المرسومة للحديث عن المؤلف وكتابه الذي نحن بصدده وهو القونت لوقانور.

كتاب القونت لوقانور:
كتاب القونت لوقانور أو عنوانه الآخر كتاب أمثال القونت لوقانور وباترونيو، يمثل استحصاد ملكة دون خوان مانويل قصاصاً، وهو الكتاب الذي يذكر به مؤلفه قبل بقية كتبه، وينعت بأنه أفضل أثر نثري في القرن الرابع عشر في إسبانيا، وهناك إشارات تدل على أنه كان مقروءاً منذ أمد بعيد(10)، وقد وصلتنا منه خمس مخطوطات، وطبع سنة 1575.

يحتوي الكتاب على مقدمتين موجزتين، وخمسة أقسام، القسم الأول - وينشر أحياناً وحده - ويحوي إحدى وخمسين حكاية كما نفضل التسمية، وهي حكايات ساذجة وبسيطة، والقسم الثاني موجه إلى دون خايمي دي خيريكا، وفيه مائة مثل، بعضها أعقد من القسم الأول. والقسم الثالث فيه خمسون مثلاً، ويشبه القسم الثاني وإن كان أعقد بعض الشيء، والقسم الرابع فيه ثلاثون مثلاً أعسر من الأقسام الماضية. أما القسم الخامس والأخير فبدا فيه وجه الناصح المؤدب المهتم بالخلاص بالمعنى الأخلاقي والمسيحي، وإن كان هذا الوجه لم يختف مطلقاً في كل أجزاء الكتاب، وإن كان بقدر، لأن هذا الوجه دائماً يحمله دون خوان مانويل في كل ما سطرته يراعته.

يحمل هذا الكتاب رسالة أساسية هي التهذيب أو التربية، وتمثل في الأدب القشتالي في العصر الوسيط رسالة مهمة يحملها النثر آنذاك أو الشعر أيضاً، والمؤلف في ذلك يتقيل تقليداً راسخاً في الأذواق والأفكار، فهو يقتفي رسالة ألفونسو العاشر الحكيم وإن كان يوجهه هو، لأن عمه في الأصل ليس مفترع هذا التقليد الأدبي، بل هو أيضاً مقتف لتقليد راسخ من قديم في الآداب الإنسانية شرقية وغربية، منذ حكايات أو خرافات إيسوب، أو الحكايات العربية القديمة، أو كتب الأمثال، أو مباهج الفلسفة، أو الحكمة، أو كليلة ودمنة، أو التربية الأكليريكية لبدرو ألفونسو، وهو يهودي من وشقة تعمد وصار يحمل اسم بدرو الذي وصل إلينا به، وكان اسمه Rabi Moses Sefardi (الرابين موسى السفردي)، وقد كتب مؤلفه باللغة العربية أولاً وترجمه بنفسه إلى اللاتينية، فضلاً عن الكتب التي تقفو هذه الطريقة باللغة العبرية كمقامات الحريري، وثمة حكايات أخرى تخرج عما ذكرناه، وهي مستمدة من كتاب العقوبات والوثائق للملك دون سانشو، وكذلك أعمال رامون لوليو، إلى جانب الآداب الشفوية التي يتناقلها الناس دون أن يعرف صاحب محدد لها.

الغرض التعليمي نسيج أساسي في هذا الكتاب، والتعليم ـ عادة ـ يثقل على بعض الناس، أو ينسى، ومهمة المربي أو المعلم أن يجتذب إليه من يأنس فيهم همة ونشاطاً للمعرفة، وأن يزيح عنهم ملالة الدرس بما يقرب الغاية إليهم، وينشط ألبابهم، وتلك مهمة التفت إليها إيسوب قبل الميلاد، والتفت إليها الجاحظ في الثقافة العربية، ولذلك كثيراً ما نجد في التراث العربي ما يقرن الفقه بالشعر، وبالنادرة، أو الآبدة الطريفة أو ما يسمى عند الفقهاء «الإحماض»، لأن القلوب إذا كلت ملت أو عميت، ومثل هذه الطريقة يبلغ بها الكاتب إلى أعماق المتلقي، متسللاً إليه دون أن يخاطبه من علٍ «فالخرافة الحق ترمي دائماً إلى غرض واحد عظيم، ذلك هو تجلية النزعات البشرية وترقية الخلق الإنساني، دائبة على إخفاء غرضها التعليمي وراء الشخوص الممثلة، ومن هذا نرى أن الخرافي الحق يضطلع بمهمة بالغة القيمة، فما هو بالقاص ولا بالكاتب الرمزي ولكنه معلم عظيم مهذب للأخلاق آمر بالمعروف، ناهٍ عن المنكر»(11).

وهذا كلام دقيق، لولا أنه - أي الخرافي - فيه يكمن القاص والكاتب الرمزي، ولولا ذلك ما تخفى في إطار القص والرمز وإن كانا ساذجين.

ولا نريد أن نحصر القونت لوقانور في باب الخرافة فقط، لأنها إحدى وسائله، ولأن مادته شديدة التنوع ما بين تعاليم الدين، والتاريخ القديم والحديث، والواقع الإسباني المعاصر له، وهو يستخددم هذه المواد بلوذعية تشهد بأنه كاتب له مذاق خاص.

وكتابه - في رأينا - يقفو كليلة ودمنة في بناء الحكاية القصصية، ويمكن أن نطلق عليها «حكايات الإطار» «El Marco»، وهو البناء الأساسي في كليلة ودمنة، فهو واحد قلما يتغير، وإن كانت الحكايات في كليلة ودمنة، أشبه بالنسيج المعقد المتشابك الألوان والخيوط، أو الرمز المكثف الشديد الثراء كالصورة الكلية في البلاغة الحديثة، على عكس القونت لوقانور ففيها بساطة واضحة وقصر أوضح، أشبه ما يكون بالصورة الجزئية أو الاستعارة في البلاغة القديمة.

تبدأ الحكايات كلها بسؤال يوجهه القونت لوقانور إلى ناصحه أو مستشاره باترونيو، فيجيب الناصح سيده من خلال حكاية، أو مثل يضربه، كذلك تبدأ الحكايات في كليلة ودمنة: «أسئلة تدور بين الملك والفيلسوف، والصيغة تكاد تكون واحدة في الكتاب العربي والإسباني سؤالاً وجواباً، ما عدا الحكايات الفرعية التي تشتق من الحكاية الأصلية - وهذا يعطيها مذاقاً خاصاً، وقيمة أدبية عالية - في كليلة ودمنة»(12).
فمسألة الإطار هذه هي الجامع بين الكتابين ويفترقان في مسائل أخرى ألمحنا إلى طرف منها في هذا السياق، وسوف نعود إلى مسألة المقارنة بينهما فيما بعد حين نتحدث عن التأثير والتأثر.

أما مسألة الأمثال نثراً فهي متناثرة في كليلة ودمنة، وتأتي في القونت لوقانور شعراً في النهاية أو في أقسام خاصة بالأمثال، وكلها في النهاية تهدف إلى تعليمنا لكي نظفر بما يسمى حديثاً الكفاح من أجل الحياة وإن كان دون خوان لم ينس الحياة الآخرة، إذ هو يحارب الخداع والكذب، والباطل والغرور والغضب والكسل، ويجاهد في تلقيننا الثقة في الله، والامتثال لإرادته، ويشرح كيف نعمل الأعمال الصالحة، وكلها نصائح عملية موجهة لحل المشكلات التي يواجهها القونت لوقانور، ونحن معه، وفي حاجة إلى نصائح باترونيو الذي يثق فيه القونت ونثق فيه مثله، وندرك معه أن هذه المشكلات إنما هي مشكلات واقعية تواجه الفرد منا، ولذا نحن نتعاطف، لا نقول على طريقة الرومانسية، لأن الغرض التعليمي بعيد بعض الشيء عن هدف الأديب المعاصر، وإن كان يبلغه بطريقة غير مباشرة، لا كما هو الحال هنا مع دون خوان، لأن الأدب ببساطة صدق تجربة وأداء جميل، والتعليم صنعة، وإن كان الأداء صنعة أيضاً، إلا أنها الصنعة المتوارية في براعة الأداء، لكننا لا نريد أن نحاكم دون خوان مانويل بالأحكام النقدية المعاصرة بعيداً عن إطار عصره، فالتعليم الأدبي - ولنسمه بهذه الصورة - أو الأدب التعليمي - كان أمراً مقرراً في عصر دون خوان، ولا يزال حين نقرؤه يثير فينا الإعجاب به، لأنه يلبي حاجة للروح الإنسانية لا نزال في حاجة إلى إثارتها، وإن تعددت وسائل الإثارة، فالكاتب القديم كان أقرب إلى الصراحة والخط المستقيم، والكاتب المعاصر يرى أن الخط المستقيم ليس أقرب الطريق إلى الهدف، بل إنه يرى أن الخط المتعرج أقرب وأجمل وأمتع، لأن «المكر» الفني لدى الكاتب المعاصر وسيلة وهدف في الوقت ذاته.

والمحور العام لهذا الكتاب - رغم تعدد صوره - يدور حول الموضوعات التي يهتم بها المثقف في العصر الوسيط، ويرى L. de Stefano أن دون خوان مانويل يمثل في أمانة وبجدارة في كتابه هذا روح الإنسان في ذلك العصر، ويمثل كذلك الطبقة المحاربة التي تملك القدرة والثروة، وهو ينتسب إلى تلك الطبقة الاجتماعية التي تحاول التمسك بروح الفروسية(13).

وقد حدد المؤلف هدفه مباشرة حين قال: خلاص الروح الإنساني، والاستغلال الأمثل للأجساد، والحفاظ على الشرف والأحوال. ولم يكن المؤلف مجرد كاتب أخلاقي منظّر يهتم بالمبادئ الأخلاقية، بل بالمبادئ الأخلاقية العملية.

أما البناء الفني - مع هذا التجاوز في المصطلح - فإنه يخضع لمسألة التعدد في الموضوعات، ولا يمكن أن نتوقع بناء فنياً متماسكاً مع هذه الكثرة الموضوعية، إلا إذا نظرنا إلى الإطار كما سبق أن أشرنا من قبل، ولعل أهم بناء تحقق في أقسام الكتاب كله هو ما تحقق في القسم الأول منه، لأن الأقسام الأخرى في مجملها أوابد، وأمثال موجزة مكثفة لا يتحدث فيها عن البناء إلا إذا اعتبرنا ما جاء في بداياتها هو المحور الذي يربط أقسام الكتاب بعضها ببعض، وهذا ما يعبر عنها بأدنى ملابسة، أو حسن التخلص من غرض إلى غرض.

يبدأ كل مثل أو حكاية بما هو مألوف في كل الحكايات في القسم الأول، إذ يطلب القونت لوقانور من مستشاره باترونيو نصيحة فيما يواجهه من مشكلة حيوية، ولكن باترونيو لا يؤم الإجابة مباشرة بل يشرع في حكاية مناظرة للحالة التي عليها القونت، وهنا يثير لدى السائل شوقاً إلى معرفة تلك الحالة، ويتفاوت القص طولاً وقصراً، كما يتفاوت واقعاً تاريخياً، أو خرافياً، وينمو هذا القص لنجد في النهاية الإجابة التي ترضي القونت ويرى فيها حلاً لمشكلته الواقعية أو المتخيلة، وفيه الخلاصة الشافية، وهنا يتدخل دون خوان مانويل الذي يرى أن الحكاية حسنة ومثمرة، وأن العمل بها مفيد كما يرى القونت أيضاً، وعند ذلك يأمر بضمها إلى كتابه، مشفوعة بشعر في أغلب الأحيان أو بمثل شائع متواتر.

وهنا نرى أن ثمة نوعاً من التماسك في البناء، وإن كنا نكاد نعرف سلفاً أن كل النتائج طيبة، وهذا مما يقلل من لذة الاكتشاف والمتعة التي يثيرها الإغماض الفني في كثير من الأحيان، لكن الرجل لم يشأ - كما هو الواقع في عصره - ولم يستطع في الوقع ذاته أن يتنكر لقدراته، وليس في وسعه هذا، بل هو ابن وفيٌّ لعصره وبيئته وثقافته، وهدفه من كتابه أولاً وأخيراً، وأنه لم يدع مطلقاً ما نحاول نحن الآن أن نراه عنده، لأن في هذا لياً للحقائق التاريخية والفنية.

وحسبه - وهو الرجل الوفي لهذه الثقافة ـ أنه كما قال مينندث بلايو: «يضفي على قصصه طابعاً شخصياً خالصاً ويتعمق موضوعاته، ويأتي دائماً بابتكارات موفقة فيما يضيفه من التفاصيل، وهو يصوغ كلامه في أسلوب يبلغ من حيويته وجماله أن يصبح الموضوع الشائع بينه وبين غيره شيئاً خاصاً به، يعبر عنه تعبيراً خاصاً قائماً على فهمه الشخصي لطبائع النفوس، ومعرفته بما يلازم المعاملات من خلق، وروحه الفكه المعتدل الذي لا يجرح الشعور ولا يتبذل»(41).

وحسبه أيضاً أن كل حكاية لها طابعها الخاص، ولها إطارها التاريخي أو المتخيل، ويتمتع بعبق خاص من الوصف الصحيح الصادق الذي يخرجها عن إطار التكرار والملالة، وحسبه أن المصادر التي يدور في فلكها إنما يطوعها لتلائم الجو القشتالي المسيحي الذي يحاول إضفاء طابعه عليه.
وربما يقف النقد الحديث مستغرباً من تدخل دون خوان مانويل في أواخر حكاياته حين يرى المثل حسناً ويأمر بضمه إلى كتابه، وأن هذا التدخل السافر يقلل من حياد القصاص أو الراوي، ولكن هذا الاستغراب يزول حين نعلم أن دون خوان أيضاً لا ينتزع من عصره وتقاليده الأدبية، وأن هذا العصر لا يرى حرجاً من هذا التدخل، بل ربما يراه يزيد في الإثارة والفن، وترى ماريا روسا ليدا أن دون خوان يقتفي تقليداً قشتالياً في هذا التدخل في كتابه هذا وفي غيره من كتبه(15)، وأن ختام الأمثال والحكايات بالشعر يدخل أيضاً في هذا الإطار لأن الشعر للمؤلف، وهو - أي الشعر - تقليد راسخ في الآداب كلها يطعم به التأليف النثري، فيزيده بهاء وملاحة، وهو هنا يلخص كل ما يدور في الحكاية، ليبقى أثره في النفس التي تميل إلى الشعر وتحفظه أكثر من النثر.

أصالة القونت لوقانور
«الليث عدة خراف مهضومة» كلمة قالها بول فاليري وهي تصدق على الأعمال الأدبية الأصيلة صدقها على الليث نفسه، ولعل في هذه الكلمة ذاتها أخذاً من الذي رد به جيتي على ما اتهم به من كثرة المؤثرات في أدبه حين قال: «هذا مضحك فعلى هذا النحو يجوز لنا أن نسأل الرجل القوي عن الثيران والخنازير والغنم التي أكلها فأعطته القوة، والصحيح أننا نولد وفينا كفاءاتنا، وكلنا مدينون في تكويننا لألوف المؤثرات التي تحتويها هذه الدنيا الواسعة التي تأخذ منا ما يوائمنا ويدخل في قدرتنا، وإنني لمدين بالكثير للإغريق والفرنسيين، ومدين بما لا حد له لشكسبير وملتون وجولد سميث، ولكني إذا قلت هذا فليس معناه أنني أكشف عن ينابيع ثقافتي، إذ هذا عمل لا آخر له ولا طائل تحته، وكفى المرء أن يكون ذا نفس تحب الحق وتقبسه حيثما كان»(16).

والعبارتان واضحتان في التعامل مع المؤثرات التي ينبغي أن توضع في إطارها الصحيح فكراً وزمناً، وكلتاهما دقيقتان في جعل الخراف مهضومة، والثيران والخنازير والغنم التي تعطي الرجل القوي القوة، أي أنها تنصرف إلى إعطاء النسيج الخاص لليث وللرجل القوي، ولا تكون غير متمثلة، وإلا تكون تورماً على حساب الصحة والسلامة أو الهضم الذي يحيل المؤثرات إلى دم جديد.

وقد قلنا «إطارها الصحيح فكراً وزمناً» لكي نختبر مثل هذه الأفكار، ونضعها في زمنها الذي يمثل العصر الوسيط الذي كان لا يعترف كثيراً بما نعترف به الآن من أن «حقوق الطبع أو النسخ محفوظة للمؤلف». وليس معنى ذلك أنها ضائعة، أو أننا لا نعبأ بالحقوق هاته، بل إننا نرى الأشياء في إطارها الصحيح الذي نشأت فيه، ولا نريد أن ندخل فيما يسمى الآن «التناص» لدراسة الظواهر المتشابهة بين القونت لوقانور وغيره من المصادر، بل نريد أن نقول بوضوح ودون حماسة تدفع إليها نزعة عرقية إن القونت لوقانور عربي في إطاره، يقفو كليلة ودمنة في هذا السياق، وإن مسألة «الإطار» هذه يدين بها العرب أيضاً للهند حسب أصل كليلة ودمنة وإن كانت عربيته واضحة، لأن ابن المقفع في رأينا جعل المادة والإطار عربياً أو كاد.

وكليلة ودمنة لا بد أن يكون قد وقع في يد خوان مانويل، ورآه حسناً - حسب ما يقول في نهاية كل حكاياته - وأمر بضمه إلى كتابه، كما يقول أيضاً - مستعيرين عباراته - ضماً إطارياً، آخذا بعض الحكايات منه كما سوف نرى مثلاً لهذا فيما بعد.

«والترجمة العربية هي التي حفظت هذا الكتاب ولولاها لما نقل إلى السريانية واليونانية والفارسية والعبرية والإسبانية، وقد ترجمه من العبرية إلى اللاتينية يوحنا دكابوا وجعل عنوانه «مرشد الحياة الإنسانية».

Directorium Vitae humanae، أما الترجمة الإسبانية فقد أمر بعملها ألفونسو العالم عندما كان أميراً عام 1521م على الأرجح، والترجمة اللاتينية التي قام بها خوان دكابوا والترجمة الإسبانية التي نشرها أليماني (Alemany Balufor) عام 5191 هما أحسن ما يمثل نص عبدالله بن المقفع على الإطلاق»(17).
ويرى أنخل جونثالث بالنثيا الذي رجعنا إليه في الفقرة السالفة أن كليلة ودمنة لها أثر بعيد عميق في الأدب الإسباني كما يستدل من ترداد بعضها في كتاب العجائب لرايموندو لوليو وفي كتاب القونت لوقانور، وفي كتاب القطط وكتاب الأمثال لسانشت دي فرثيال(18).

وهما إذا كانا قد اتفقا في الإطار إلى حد ما بالطبع، - إذا نظرنا إلى ثراء كليلة ودمنة وتعقيده، وإلى بساطة القونت لوقانور أو سذاجته في القص-، فإنما قد اتفقا في الهدف أيضاً، وإن كان هذا الهدف بعيداً لدى كليلة ودمنة عنه في القونت لوقانور، كما أنه في الوقت ذاته يشترك فيه كتاب آخرون - عرباً وأجانب - كالجاحظ وابن قتبية وغيرهما، ومثل بدرو ألفونسو، وراموندو لوليو وغيرهما أيضاً، هذا الهدف لخصه عرض كتاب كليلة ودمنة في قوله: «وأما الكتاب فجمع حكمة ولهواً، فاختاره الحكماء لحكمته، والسفهاء للهوه... ثم إن العاقل إذا فهم هذا الكتاب وبلغ نهاية علمه فيه، ينبغي له أن يعمل بما علم منه لينتفع به، ويجعله مثالاً لا يحيد عنه»(19).

وتكاد تكون الأهداف ذاتها لدى خوان مانويل في القونت لوقانور لأنه كما يقول؛ ألف هذا الكتاب بلغة جميلة كما استطاعها، وجعله في حكايات يفيد منها من يستمع إليها مقتفياً ما هو فيزيقي بالنسبة للجسم الإنساني، إذ يعطي ما هو حلو للكبد التي تميل إلى ما هو حلو كالسكر والعسل، وأن يعطي كل عضو ما هو ملائم له»(20).

وما هو حلو وما هو مر، الجد واللهو الذي أشار إليه صاحب كليلة ودمنة، وما يشير إليه التقليد العربي القديم «إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة» كما أن دون خوان مانويل ينبهنا إلى أن كل واحد يطيع ربه، ويفعل كل أموره حسب حالته، وكل واحد - بهذه الصورة - في حاجة إلى طريقة في البيان تلائمه، وهذا ما صنعه دون خوان مانويل.

ولم يكن صاحب القونت لوقانور بدعاً في تأثره بما هو عربي أو إسلامي، فإن الشائع المتواتر أن تكون الثقافة الغالبة وهي الثقافة العربية الإسلامية هي التي تتسلل إلى الوجدان، وتأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وإذا كانت الأندلس هي همزة الوصل بين ما هو مسيحي وما هو إسلامي على حد تعبير مينندث بيدال في أحد عناوين كتبه الذائعة، فإن هذه الثقافة تبدأ من البيت المالك، حتى الشارع والسوق، باعتبار الثقافة يصل إليها الأولون قبل الآخرين، وإن كانت الثقافة الشعبية العربية هي الغذاء اليومي للطبقات الدنيا آنذاك، وتتمثل في الحكايات التي ترد في المصنفات العربية وتردد طازجة على شفاه الناس، دون أن يعلم مصدرها أو يعلم فالأمر سواء.

ومعلوم بالضرورة في حالة دون خوان مانويل أنه ارتضع هذه الثقافة في داره من قبل عمه ألفونسو العالم، الذي ترجمت له مصنفات عربية لا يشك أحد في أن ابن أخيه قد عرفها، ولا يستطيع الأستاذ ألفونسو سوتيلو أن يتخيل إلا هذا، في مقدمته الجيدة للقونت لوقانور، كما يشاركه هذا التخيل ماريا روساليدا، التي ترى أن بعض حكايات القونت لوقانور لا توجد إلا في التراث العربي، لأنها ببساطة لا توجد في التراث اللاتيني، لكنهما وقفا فقط عند بعض الحكايات ولم يمتد بصرهما ليرى البناء الإطاري المتخذ في كليلة ودمنة والذي اقتفاه دون خوان مانويل، مع أن الكتاب العربي له أكثر من ترجمة في الأدب اللاتيني والإسباني فضلاً عن الآداب الأخرى، ودعك من الأصل العربي فهما وغيرهما من أمثالهما ليسوا من المستشرقين العارفين بالعربية وفي ذرعهم العودة إلى المصدر الأصلي.

وإن كان بعضهم يرى أن العنصر الشخصي لدى دون خوان إنما يرجع إلى تقليد عربي قديم، ويرى آخرون أننا يجب ألا نبحث عن عنصر هنا أو هناك، بل علينا أن نبحث عن الروح العربية El espirtu Arabe في مصنفات دون خوان عامة دون توقف لدى الجزئيات، ونحن متقفون مع وجهة النظر هذه، وإن كنا نرى أن الجزئيات ذوات الأصل العربي تبين فيها هذه الروح أكثر مما تظهر في حكايات أخرى بعيدة عن الأصل العربي، وإن كنا نرى أيضاً أن شخصية القونت لوقانور فيها أمشاج واضحة من دون خوان، بل نكاد نعتقد أن دون خوان هو القونت لوقانور، وأنه يتحدث بلسانه، ويعرض المشكلات التي عاناها أو يمكن أن يعانيها، وهذا مما يجعل لأصالة دون خوان مذاقاً خاصاً لا يضيع في السكاك.

وربما كان من المناسب أن نعرض الآن لما لا يقبل المحاجة في أن دون خوان مانويل كان يعرف العربية، ونعتقد أنه كان يقرأ بها شأنه شأن المثقفين على أيامه، كما يعرف الناس الآن اللغات الحية كالإنجليزية والفرنسية قراءة وكتابة كان يعرفها نطقاً وفهماً وسماعاً، هذا هو المظنون الذي نراه أحق بالقبول والاقتناع.

وإذا كان دون خوان لا يعرف العربية قراءة وكتابة فكيف تسرب إليه هذا الأثر في طريق رسمه للحروف والجمل العربية، ولست بمستطيع أن أدفع هذا الشعور الذي يملك عليّ أقطار نفسي وأنا أقرأ كتابه القونت لوقانور، في أن طريقة التعبير نفسها وتركيب الجملة يكاد يكون عربياً، خاصة إذا قرأنا كتابه في طبعته القديمة (الرومانثية) بخلاف الطبعات الحديثة، بصرف النظر عن رسمه الحروف وتغييرها ما بين القديم والحديث كحرف H المعاصر الذي يكتب قديماً F.

إذا صرفنا النظر عن كل هذا فإننا نلمس كما قلنا أن التركيب عربي، وإن كان بحروف غير عربية.

لكن الذي لا مشاحة فيه أن في كتابه جملاً عربية صرفة، ونعود في هذا الصدد إلى البحث الذي كتبه الأمين بن علُّو Lamine Benallou الأستاذ المساعد في جامعة وهران بالجزائر بعنوان: الجمل العربية في القونت لوقانور لدون خوان مانويل: طرح ونقد، وهو بحث مكتوب على الآلة الكاتبة، ومقدم إلى معهد التعاون مع العالم العربي في مدريد، وقد تقصى فيه الباحث كل الطبعات القديمة والحديثة للقونت لوقانور في إسبانيا وأمريكا اللاتينية، ورجع أيضاً إلى البحوث التي قدمها إسبان وغير إسبان، ووقف ملياً لدى الخلافات الإملائية، وتلك هي الجمل التي أوردها:
Vala nahar aten
ولا نهار الطين أو
Wala nahar at-tin
وهو رسم أقرب إلى النطق العربي.
2- والجملة الثانية
Vahe de ziat alhaquim
وهذه زيادة الحكم أو
Wahadi ziyadat al.Hakam
وهي أقرب إلى النطق العربي.
3- والجملة الثالثة
Ah ya ujte tafza min boq, boqe wama tafzas min fatr onque
آه يا أخي تفزعين من البقبقة وما تفزعين من حزّ عنقه.

وبالطبع هناك خلافات بين الطبعات في طريقة الرسم لكنها تدل - مع مدى الخلاف وإن اتسع - على أن المؤلف كان يعرف العربية نطقاً وقراءة وكتابة، غير عابئين بهذا الخلاف، لأنه موجود بين الأقطار العربية حتى الآن، وفرق واضح بين الخط الأندلسي والخط المشرقي يعرفه أهل تحقيق التراث والدارسون.

أما المضمون الذي وراء هذه الحكايات فله حديث آخر، نشرع فيه الآن.

الأصول العربية لبعض هذه الحكايات اعترف بها الدارسون من غير العرب في إنصاف، بعد أن أعياهم البحث في المصادر الكلاسيكية القديمة، وفي الكتب المقدسة غير القرآن ولما لم يجدوا إلا الاعتراف بالأثر العربي فقد آمنوا، وبعضهم على غير معرفة باللغة العربية، فلا نطالبه أن يرى هذا الأثر وإن كان عليه أن يعود إلى أهل الاختصاص.

وسوف نضرب أمثلة فقط على سبيل الحصر والاستقصاء؛ لأن هناك حكايات تطل برأسها العربي، وإن كان دون خوان يمد بصره إلى غير العرب، وهو أمر طبيعي لأن التقاليد التي ينهجها تقاليد قديمة قبل العرب، وإن تزيت بالزي العربي فيما بعد لأنها من التراث الإنساني العام مما يدخل في خبرة الإنسان بعيداً عن الجنس واللغة.

وينبغي هنا أن نذكر الأثر الذي أحدثه الموريسكيون في الثقافة القشتالية، لأن هؤلاء ظلوا يؤثرون تأثيراً هائلاً في ذلك الأدب وفي البشر وفي اللغة وحتى في التقاليد الدينية.
من أهم الحكايات التي توقف أمامها الباحثون الأوروبيون ما جاء في الحكاية العاشرة من القونت لوقانور وتحكي قصة رجل كان واسع الثراء قديماً، ثم برح به الفقر إلى درجة أنه لا يجد ما يطعم حاشا حبات من الترمس Altramuces، يتذكر في عوزه هذا ثرواته البائدة فيجهش بالدمع، ولا يجد سلواه إلا حين يرى رجلاً آخر كان أيضاً واسع الثراء يلتقط قشر الترمس الذي يطرحه فيلتهمه.

حاول الباحثون الأوروبيون أن يجدوا لها أصلاً في المواعظ الكنسية، وربما كانوا على حق في هذا لأن ثقافة دون خوان مانويل تأثرت إلى حد بعيد بثقافة الدومنيكان وبحثوا في تلك الوصايا التي تقول: لا تنظر إلى من هو أغنى منك لئلا تحسده، بل انظر إلى من هو أفقر منك، واشكر الله على ذلك، وبحثوا في أمثال العصر الوسيط وبعضها لكتّاب مشهورين مثل القديس توماس الأكويني، والتمسوا أيضاً مصدراً شرقياً آخر هو حكاية الدرويش Derviche المترب الذي لا يستطيع شراء حذاء فيسعد بقسمته حين يرى في أحد مساجد الكوفة فقيراً مبتور القدمين.

لكن المستشرق المعروف الأستاذ فرناندو دي لاجرانخا درس المسألة في إنصاف محمود، وناقش أولئك الباحثين، ورأى أصلها العربي وتقصاه في المصادر الأندلسية، وكيف أنه وصل إلى دون كالديرون دي لاباركا في مسرحيته «الحياة حلم».

وجد الأستاذ جرانخا أن ما يحكيه ابن سعيد في المغرب نقلاً عن ابن بشكوال، فيما يقوله القنازعي القرطبي عن نفسه هو الأصل الذي نقل منه دون خوان مانويل، وإن كان لم يحدد كيف وصل هذا النص إلى مؤلف القونت لوقانور، ونحن من جانبنا نعتقد أن دون خوان كان يقرأ طرفاً من هذه الكتب الأندلسية العربية أو كانت تقرأ له في البلاط، أو وصلت إلى مسامعه - إن لم يكن قرأها - من أفواه الرواة والإخباريين، وإن كنا نميل إلى أن دون خوان قرأها نصاً، يدل على ذلك الميل هذا الاستقصاء، وهذه العناصر الدقيقة في الحكاية: إلى درجة أخذ كلمة الترمس كما هي بحروفها العربية كما ذكرنا آنفاً Altramuces.

يقول القنازعي فيما يرويه عن نفسه: «كنت بمصر وشهدت العيد مع الناس، فانصرفوا إلى ما أعدوه، وانصرفت إلى النيل، وليس معي ما أفطر عليه إلا شيء من بقية ترمس بقي معي في خرقة، فنزلت على الشط وجعلت آكله، وأرمي بقشره إلى مكان منخفض تحتي، وأقول في نفسي: ترى إن كان اليوم في مصر في هذا العيد أسوأ حالاً مني فلم يكن إلا ما رفعت رأسي، وأبصرت أمامي، فإذا برجل يلقط قشر الترمس الذي أطرحه ويأكله، فعلمت أنه تنبيه من الله عزّ وجل وشكرته».
وعلى القارئ غير مأمور - أن يرجع إلى الحكاية العاشرة في هذا الكتاب ليرى كيف كان دون خوان مانويل يتئر النظر إلى رواية القنازعي، وإن كان ثمة تحوير طفيف، إذ ليس في الحكاية الإسبانية تلك الحكاية الذاتية كما رواها القنازعي، يختفي فيها اسم البطل، والوسط الجغرافي، والبيئة الإسلامية، لتكون قابلة أو تنسب إلى أي زمان ومكان، وإن كان دون خوان أعطاها بعداً مأساوياً، لأنه يذكر أن ذلك الفقير كان واسع الثراء ولا يجد سوى حبات الترمس الشديدة المرارة والسيئة المذاق، وأن ذلك الذي يلقط قشر الترمس كان واسع الثراء أيضاً، وتختم الحكاية لديه ختاماً مبهجاً، لأن ذلك الفقير تعزى حين رأى من هو أشد خصاصة منه، وبه استطاع أن يجاهد لينسلخ من فقره، وظفر بعون الله، وعاد مرة أخرى إلى سالف غناه.
والحكاية ذاتها في المشهد العاشر من «الحياة حلم» لدون كالديرون وتقول ما يلي:
يحكون أن عالماً
كان فقيراً بائساً
يلتقط العشب ويأكله
قال لنفسه: ترى من الذي يكون أسوأ مني حالاً؟
حين أدار رأسه
ألفى إجابة السؤال
ثم عالم فقير
يلتقط العشب الذي يطرحه.

وفيه أيضاً تشابهات بينه وبين حكاية القنازعي، فكلا الرجلين الفقيرين عالم: القنازعي الفقيه Alfaqui والبطل العالم لدى كالديرون، وإن كان لم يستطع أن يدس كلمة الترمس مكتفياً بالعشب الذي يمكن ولوجه بسهولة في الشعر، وثمة جملة يبدو أنها منحولة من النص العربي:
(وأقول في نفسي) ترى إن كان أسوأ حالاً مني
وترجمتها:
Habra otro «entre si decia» mas probre y triste que yo?

فرواية القنازعي صلحت مصدراً لكل من دون خوان مانويل ودون كالديرون دي لاباركا، وإن كان كل واحد قد استطاع أن يجعل لحكايته جواً خاصاً، إلا أنها الخصوصية التي تذكر بالأصل الذي كان فيما يبدو شديد الذيوع في إسبانيا الإسلامية والمسيحية على السواء، وإن كان في بطون المخطوطات(21).
حكاية اللبانة أو حاملة الجرة إحدى الحكايات الذائعة في الآداب العالمية، ولعل أقدم هذه الحكايات ما ورد في خرافات إيسوب، وهي تحمل رقم 011، بعنوان «اللبانة والدلو» وتقول: كانت فلاحة تسير من المزرعة إلى البيت، وهي تحمل على رأسها دلواً فيه لبن، وبينما كانت تسير، جعلت تفكر في نفسها وتقول: إن النقود التي سيباع بها اللبن، تكفي لشراء ثلاثمائة بيضة على الأقل، وإذا فقس البيض خرج منه مائتان وخمسون فرخاً على أقل تقدير، وعندما تكبر الفراخ، يكون سعر الدجاج قد ارتفع أو كاد، فيكون عندي من النقود في نهاية العام، مع ما يتوافر لديّ من الأجور الإضافية ما يكفي لشراء ثوب جديد، وفي هذا الثوب أشهد حفلات الأعياد، حيث يتنافس الشبان في خطبتي، ولكني سأهزّ لهم رأسي، وأرفضهم جميعاً في إباء.
وهزت رأسها عند ذلك، فسقطت دلو اللبن على الأرض، وأريق ما فيها، وذهبت أحلام الفتاة في طرفة عين.

العاقل لا يتكلم ما لا يدري أيكون أم لا يكون(22).

هذا هو النص القديم لهذه الحكاية، ولعل ترجمته عن الإنجليزية تحمل رائحة العصرية بعض الشيء، لكن النص مع هذه الملاحظة صريح الإبانة عن مغزى الحكاية ومضمونها، إضافة إلى الحكمة المنتزعة في آخرها، وإن كانت الحكاية فيها شيء من السذاجة والتواضع في الحبكة كما يقولون، والبطلة فلاحة آنسة ترغب في الزواج.

الصورة القديمة لهذه الحكاية موجودة أيضاً في كليلة ودمنة، ونقول: زعموا أن ناسكاً كان يجري عليه من بيت رجل تاجر في كل يوم رزق من السمن والعسل، وكان يأكل منه قوته وحاجته، ويرفع الباقي، ويجعله في جرة، فيعلقها في وتد في ناحية البيت حتى امتلأت، فبينما الناسك ذات يوم مستلقٍ على ظهره، والعكاز في يده، والجرة معلقة على رأسه، تفكر في غلاء السمن والعسل، فقال سأبيع ما في هذه الجرة بدينار، وأشتري به عشرة أعنز، فيحبلن ويلدن في كل خمسة أشهر بطناً، ولا تلبث إلا قليلاً حتى تصير غنماً كثيرة، إذا ولدت أولادها، ثم حرر على هذا النحو بسنين فوجد ذلك أكثر من أربعمائة عنز، فقال: أنا أشتري بها مائة من البقر، بكل أربعة أعنز ثوراً أو بقرة، وأشتري أرضاً وبذراً وأستأجر أكرة وأزرع على الثيران، وأنتفع بألبان الإناث ونتاجها فلا يأتي عليَّ خمس سنين إلا وقد أصبت من الزرع مالاً كييراً، فأبني بيتاً فاخراً وأشتري إماء وعبيداً، وأتزوج امرأة جميلة ذات حسن، ثم تأتي بغلام سري نجيب فأختار له أحسن الأسماء، فإذا ترعرع أدبته، وأحسنت تأديبه، وأشدد عليه في ذلك، فإن يقبل مني، وإلا ضربته بهذه العكازة، وأشار بيده إلى الجرة فكسرها فسال ما كان فيها على وجهه، وإنما ضربت لك هذا المثل لكي لا تعجل بذكر ما لا ينبغي ذكره، وما لا تدري أيصح أم لا يصح(32).

هذه أحلام النساك التي ينبغي أن تتواضع، أو نتوقع لها هذا، إلا أنها مغرقة، شديدة النزع، يتزوج الناسك امرأة جميلة ذات حسن وتأتي بغلام سري، وهي الرغبة المكبوتة في قرار الناسك، لا أنه أدار ظهره للدنيا، فأحلامه هنا غير متواضعة، وفيها هذا التسلل المغرق، واللبن هناك آض سمناً وعسلاً، وهناك امرأة وهنا رجل، والختام يكاد يكون واحداً.

وتتغير الحكاية بعض الشيء حين تصل إلى ابن عبد ربه في العقد الفريد، تقول ما يلي: وفي كتاب للهند - ومعلوم أنه كليلة ودمنة - أن ناسكاً كانت له جرة بسمن فعلقها على سريره، ففكر يوماً وهو مضطجع على السرير وبيده عكاز فقال: أبيع الجرة بعشرة دراهم، فأشتري بها خمسة أعناز، فيلدن في كل سنة مرتين، حتى تبلغ ثمانين فأبيعها وأشتري بكل عشرة بقرة، ثم ينمى المال بيدي، فأشتري العبيد والإماء ويولد لي ولد فأؤدبه، فإن عصاني ضربته بهذه العصا، وأشار بالعصا، فأصاب الجرة، فتكسرت، وانصب السمن على رأسه»(24).

الحكاية هنا موجزة، نقلها صاحب العقد - بلا ريب - عن كليلة ودمنة، وتصرف فيها، ونقلها عنه بالتالي ابن عاصم الغرناطي في حدائقه، بنفس هذا الإيجاز، وإن كان لم يصرح بنقله عن العقد، لكن العقد مصدر أساسي للحدائق كما درسنا ذلك في تحقيقنا وتقديمنا لحدائق الأزاهر، ومعلوم أيضاً أن ابن عاصم متأخر عن دون خوان مانويل.

أما حكاية القونت لوقانور - وهي السابعة - بعنوان «ما حدث لدونيا تروخانا» فإنها أفادت من كل هذه المصادر مجتمعة، وإن كنا نعتقد أن خرافات إيسوب قد نظر فيها دون خوان ملياً؛ نظراً لتوحد اللبن، وإغراقها في الخيال وهو ما يناسب إغراق خيال كليلة ودمنة لدى الناسك واتفق إيسوب ودون خوان في جعل البطلة امرأة، وإن كانت مسماة لدى دون خوان، منكرة في إيسوب، وختمت بهذا المثل ـ ترجمناه شعراً ـ يقول:
ثق في الحقيقة دائماً واعدل عن الأوهام.

وإن كانت قد بدئت بحكمة، تشي بما سوف تسفر عنه الحكاية، تقول هذه الحكمة: إن من الحصافة أن نرتبط بالواقع وليس بالخيال.
وتقترب حكاية القونت لوقانور من كليلة ودمنة في سؤال القونت: وكيف كان ذلك؟ وهو سؤال يتردد في كل الأمثال أو الحكايات.

كما أن الحكاية في كل مصادرها أصبحت من الأدب الشعبي المتداول لدى كافة الأمم، وإن كنا نحاول رؤية السبق التاريخي، ونحاول أيضاً أن نرى التشابه أو الخلاف بين كل حكاية وأخرى، ونعتقد أن دون خوان قد أسبغ على حكايته نوعاً من التعريف أو التخصيص حين يسمي المرأة باسم محدد، وهي في المصادر القديمة أو التالية مجرد نكرة - فلاحة - ناسك، كما نعتقد أن دون خوان مزج كل ما سبق في مزيج خاص، واصطنع له سياقاً وجواً.

حكاية الأب والابن والحمار من الحكايات الذوائع في الآداب الإنسانية، لعل أقدم رواية لها ما جاء في خرافات إيسوب بعنوان: «الطحان وابنه وحماره» تقول:
«ساق طحان وابنه حمارهما إلى سوق قريبة ليبيعاه، فلم يجاوزا غير قليل، حتى مرا بنسوة حول بئر، يتحدثن ويضحكن، فصاحت إحداهن: أرأيتن عمركن كهذين الأحمقين يمشيان ومعهما حمارهما؟ فلم يكد الرجل يسمع قولها حتى أركب ابنه على الحمار، وسار بجنبه مسروراً.
ما هي إلا برهة حتى مرا بقوم بينهم نقاش وجدال، فقال أحدهم: انظروا! فهذا دليل على ما كنت أقوله لكم، أي احترام للسن في هذه الأيام؟ ألم تروا إلى ذلك الغلام الكسلان، يركب فيضطر أبوه الشيخ أن يمشي: انزل أيها الولد القليل الحياء، ودع الشيخ يركب، فيريح جسمه المتعب، فلما سمع الشيخ انتقادهم أنزل الولد من على الحمار وركب هو.
ولم يجاوزا مكانهما إلا قليلاً حتى مرا بجماعة من النسوة والأطفال، فانطلقت ألسنتهن حين أبصرنه، وقلن: عجباً لك أيها الشيخ القاسي، تركب على الدابة، والصبي المسكين لا يستطيع أن يسايرك بخطوة على الأرض؟ فأسرع الطحان الطيب وأردف ابنه خلفه.

وكانا قد قربا من المدينة، فلقيا رجلاً من أهلها وقال: خبرني أيها الصديق الطيب، أهذا الحمار حمارك؟ قال الشيخ: نعم، قال الرجل: ما كنت أحسب ذلك مما تكلفه من المشقة، أحرى بكما أن تحملا الدابة المسكين، لا أن تحملكما هي، قال الشيخ: حقاً لقد قسونا على هذا الحمار فلنحاول أن نريحه.

ثم ترجل هو وابنه، وشدا بعض قوائم الحمار إلى بعض، وحاولا أن يحملاه على كتفيهما بنبوت قوي، ويعبرا به قنطرة عند باب المدينة، واسترعى ذلك المنظر العجيب انتباه الناس، فأقبلوا زرافات ووحداناً يضحكون منه، وضاق الحمار بضجيجهم، كما ضاق بطريقة حملهما إياه، فما زال يقلقل الرباط في يديه ورجليه حتى حله، وسقط من النبوت إلى النهر. فحزن الرجل في نفسه، وخجل من الناس، وعاد إلى بيته من فوره وهو يقول: إن الإنسان لا يمكنه أن يرضي جميع الناس.

إرضاء جميع الناس غاية لا تنال(25).

هذه النادرة أو الحكاية تروى عن جحا، وتقول ما يلي: كان لجحا ولد يعصيه كلما أمره بعمل، ويقول لأبيه: «وماذا يقول الناس عنا إن عملناه؟».

وأراد جحا أن يلقنه درساً ينفعه، ويعلمه أن رضى الناس غاية لا تدرك، فركب حماره وأمر ابنه أن يتبعه، ولم يمض غير خطوات حتى مر ببعض النسوة فشتمنه وقلن له: «أيها الرجل، أما في قلبك رحمة؟ تركب أنت وتدع الصبي الضعيف يعدو وراءك؟».

فنزل جحا عن الحمار وأمر ابنه بركوبه، ومضى مسافة غير بعيدة ثم مر بجماعة من الشيوخ يستشرفون، فدق أحدهم كفاً بكف، ولفتهم إلى هذا الرجل الأحمق وهو يقول ويعيد: لمثل هذا فسد الأبناء وتعلموا عقوق الآباء، أيها الرجل تمشي وأنت شيخ، وتدع الدابة لهذا الولد، وتطمع بعد ذلك أن تعلمه الأدب والحياء؟

قال جحا لولده: أسمعت؟ تعال إذن نركب الحمار معاً.

وما هي إلا لحظة أخرى، حتى مر بهما طائفة من الخبثاء، فجعلوا يعبثون بهما ويقولون لهما: والله ما يحق لهذا الحمار إلا أن يركبكما أو تحملاه وتريحاه من وعثاء الطريق.

فمال جحا الي شجرة، وأخذ منها فرعاً متيناً وربط فيه الحمار، وحمل الفرع من طرف ووضع الطرف الآخر على كتف ولده، فإذا بالبلد كله وراء هذا الركب العجيب، وإذا بالشرطي يفض هذا الزحام ليسوقهما إلى البيمارستان.

قال جحا لابنه في طريقهما مع الشرطي: هذه يا بني عاقبة من يستمع إلى القال والقيل، ولا يعمل عملاً إلا ابتغى به مرضاة الناس(26).
أما حكاية القونت لوقانور فهي تروي ما حدث لفلاح شريف مع ولده، الحاد الذكاء، القليل التجربة، وهذا يضيف بعداً خاصاً لهذه الحكاية، وقد أراد الأب أن يلقنه درساً عملياً، لا يستطيع أمامه المحاجة والجدال، إلا أن حكاية إيسوب وجحا أكثر ملحاً وإغراقاً في الفكاهة، حين يحمل البطلان الحمار معاً في آخر المطاف، وتعرى حكاية دون خوان مانويل من هذه الخاتمة، وإن استعاضت عنها بالحوار الحي، ورسم البيئة المحيطة، رغم أنها اقتصرت على الرجال فقط.

وهذا الخلاف اليسير من محض عمل دون خوان، لأن الحكايتين القديمتين تعريان من مثله، وبالطبع يمكن الاطمئنان إلى أن مؤلفنا استطاع أن يفيد من كلتا الحكايتين وأن يوظف المغزى فيهما مع تحوير خاص، وإن كنا نميل إلى أنه وقف على هذه الحكاية من نوادر جحا ولها شهرة ذائعة في كل البلدان، ومارست تأثيرها غير المنكور في الأدب الإسباني في العصور الوسطى(27).
نقول بهذا الاحتمال لأن التراث الكلاسيكي - وتمثله حكايات إيسوب - كان محدود القيمة عند نصارى الأندلس كما يقول أميركو كاسترو(28). بخلاف الآداب الشعبية العربية التي كانت تتسلل عبر مسالك كثيرة، وتمارس يومياً في الشارع والسوق.

ثمة حكاية أخرى ذات نزعة تهذيبية واضحة، ولعلها مما كان يحكى على ألسنة الناس، وهي كثيرة الورود في كتب النوادر والحكايات مما يقدم بطريقة رمزية إلى السلاطين والملوك الذين يركبون رؤوسهم، وتخشى بطانتهم أن تعظهم أو تقدم له النصيحة سافرة، خشية بطشهم، فيلبسون النصيحة ثوب الرمز وتصل إليهم محققة أهدافها.

«ويضربون المثل لهذا النوع من القصص بأن وزيراً عاقلاً أراد أن يقدم النصح لمولاه مستتراً، فقص عليه، قال: إن بومة في البصرة أرادت أن تزوج ابنها من بومة في الموصل، فوافقت هذه، ولكنها اشترطت على البومة الأولى أن يكون المهر مائة قرية خراب، فأجابتها بومة البصرة: لا أستطيع أن أفعل ذلك الآن، ولكن إذا أبقى الله السلطان عاماً آخر قدمت لك هذا المهر وزيادة، وسمع السلطان القصة، وتأثر بها، وأمر بأن تعمر المدن والقرى الخربة، ودرس واقع بلاده، ليجعل حياة مواطنيه أقل عذاباً(29).

لدى القونت لوقانور حكاية كهذه إلا أنها تقدم بين يديها نفس الحوار بين باترونيو والقونت لوقانور، وكيف قص المستشار حكاية ابن أحد الملوك، وهو في دور اليفاعة والغرارة، أحاط به رفقاء السوء، ولم يستطع الحكيم مجابهته، ولم تفلح نصائحه، فأشاع أنه يعرف منطق الطير وسرى النبأ إلى مسامع الأمير، حتى سمع غرابين ينعبان، وفي حركة مسرحية يمزق الحكيم ملابسه، ويثير ذلك جزع الأمير وفضوله فيترجم له الحكيم كلام الغرابين، وهو أن الخراب قادم وسيقام العرس ما دام الأمير يلي الحكم بهذه الصورة السيئة.

الغراب والبومة صنوان تقريباً في الذوق الشعبي الشائع وهو أنهما نذيرا شؤم بصرف النظر عن الحقيقة والواقع، وقد استخدمت الحكاية العربية البومة، والإسبانية استخدمت الغراب وخلصت كلتاهما إلى الهدف المرجو من النصح المغلف بالثوب الحريري، الذي لا يزعج مسامع الأمراء إلا بقدر يسير، ثم يهرعون إلى الامتثال إلى هذا النصح.

ولم أر في المصادر الكلاسيكية مثل هذه القصة، ولكنها في العربية من الحكايات الشوائع، قرأناها في أكثر من مصدر قديم، لكن هذه المصادر ندت الآن عن الذاكرة فاكتفيت بالرجوع إلى كتاب الدكتور الطاهر مكي، وهو ناقل لها من المصادر القديمة، ويمكن لهذه الحكايات أن يكون دون خوان قد قرأها في مظانها العربية أو ترجمت إلى الرومانثية وقرأها وأفاد منها، والحق أنه جعل لها قواماً حكائياً تعرى منه نظيرتها العربية، لأنها خلصت إلى الهدف مباشرة في تكثيف وإيجاز خليقين ومعهودين في الحكايات العربية.

أما حكاية الغربان والبوم والصراع الطبيعي بينهما، فله صفحة باقية في كليلة ودمنة، إلا أنها صفحة شديدة التعقيد لما يداخلها من حكايات فرعية كثيرة ومطولة، فقد جاء في كليلة ودمنة باب خاص هو «باب البوم والغربان»، وسنحاول هنا أن نأخذ بعض نتف من هذه الحكاية المتشعبة:
زعموا أنه كان في جبل من الجبال شجرة من شجر الدوح، فيها وكر ألف غراب، وعليهن والٍ من أنفسهن، وكان عند هذه الشجرة كهف فيه ألف بومة وعليهن والٍ منهن، فخرج ملك البوم لبعض غدواته وروحاته، وفي نفسه العداوة لملك الغربان، وفي نفس الغربان وملكها مثل ذلك للبوم، فأغار ملك البوم في أصحابه على الغربان في أوكارها فقتل وسبى منها خلقاً كثيراً، وكانت الغارة ليلاً..

واجتمع الغربان وتداولوا الرأي فيما بينهم، وأدلى بالمشورة خمسة غربان معترف لهن بحسن الرأي، وقال كل واحد رأيه ما بين مستسلم ومقاوم، وتتداخل الحوادث والقصص، حتى يقتنع الجميع بصواب رأي أحدهم، وذهب إلى البوم، التي تداولت الأمر والمشورة بشأنه - وهو مخادع لهن - وفي النهاية استطاع أن يشعل النار في أنقاب البوم(30).

وقد حدث لدى دون خوان شيء مشابه لهذا الذي في كليلة ودمنة، سوى الحرق الذي تمثل في المصدر العربي والقتل والإبادة الذي تم في المصدر الإسباني، لكن المصدر العربي أوفى وأشد تكثيفاً وتعقيداً، وفناً أيضاً من السذاجة الناضحة في القونت لوقانور، وهو لم يزعم سوى هذا وأرانا أميل إلى تلك «الحبكة الدرامية» إن صح التعبير التي نصادفها في كليلة ودمنة، ولا ريب لدينا في أن دون خوان نقل هذه الحكاية حرفياً من ابن المقفع وكان ما حدث من تحوير إنما لا يجاوز الخط الأساسي فيها.

للثعلب والغراب أيضاً صفحة في خرافات إيسوب وتقول ما يلي: خطف غراب قطعة لحم وطار بها إلى غصن شجرة، ممسكاً بها في منقاره، فرآها ثعلب، واحتال ليأخذ منه قطعة اللحم، فقال له: ما أحلاك أيها الغراب، ما أبهى طلعتك، ليت صوتك يعدل جمالك إذن لكنت ملك الطيور غير مدافع، فاغتر الغراب بذلك الثناء الكاذب، وأراد أن يبين للثعلب أن صوته جميل، فأخذ ينعق ويصيح، فسقطت قطعة اللحم من فمه، فأسرع الثعلب والتقطها، وقال للغراب: أيها الغراب الأحمق، إن صوتك لا عيب فيه ولكن العيب كل العيب في فطنتك(31).
تحول اللحم في خرافة إيسوب إلى قطعة جبن لدى خوان مانويل وتأخذ المداهنة والنفاق طريقاً لا حباً لدى الحكاية الإسبانية إذ تتغزل كثيراً في جمال الغراب وكمالاته، وقدراته في الطيران، وجمال عينيه وأظفاره ومنقاره إلى آخر هذه القصيدة الغزلية التي دبجتها الثعلبة - وهي هنا مؤنثة على عكس إيسوب - وحاولت الثعلبة أن يغني الغراب فاندفع يغني فسقط الجبن، ولم تسبه الثعلبة ولم ترمه بالحمق والتفاهة، بل اكتفت بما ظفرت، وكانت ختام الحكاية الإسبانية هذا الشعر الجيد:
احذر من أن ينزعك ما فيك
من يمدحك بما ليس فيك

أما الأسد والثور فله حكاية ذائعة ومطولة في كليلة ودمنة وهو باب خاص بالأسد والثور، تتداخل فيه الحكايات وتتشاعب، ويلخصها قول دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: اضرب لي مثلاً لمتحابين يقطع بينهما الكذوب المحتال حتى يحملهما على العداوة والبغضاء، قال بيديا: إذا ابتلى المتحابان بأن يدخل بينهما الكذوب المحتال لم يلبثا أن يتقاطعا ويتدابرا، وتتداخل الإفسادات بين الثور والأسد، فقتل الثاني الأول، وندم بعد ذلك حين تبين له وجه الرأي(32).
لكن دون خوان حور الحكاية كثيراً ولخصها أكثر، نائياً عن التداخلات والحكايات الفرعية، واختلف مع المصدر الأصلي في أن كلاً من الأسد والثور بعد أن دب بينهما الشقاق تناحرا وتقاتلا لكنهما بقيا هزيلين لم يقتل أحدهما الآخر، وخضعا بهذا الهزال لمن كانوا يخضعون لهما، وكأن دون خوان يؤدي رسالة إلى ملوك عصره في هذه الصورة الخرافية حين كان ملوك النصارى - شأنهم في ذلك شأن ملوك المسلمين في الأندلس - يتقاتلون فيما بينهم ويهزل قدرهم وقوتهم لدى أعدائهم الحقيقيين، وهذا التحوير الذي صنعه دون خوان يؤدي هذا المراد أوفى أداء.
اختبار الأب لأبنائه الثلاثة متواتر في الآداب الإنسانية وكل أمة تضع فيه خلاصة تجربتها وخبرتها، والأمر التقليدي أيضاً أن الأخوين الكبيرين اللذين ينبغي أن ينجحا في الاختبار يخفقان فيه، بينما يفلح الابن الأصغر هذا هو المراد أو المضمون، وكل أديب يملأ هذا المضمون بما يمليه عليه إبداعه وطريقته، وربما كان ما يلخصه كليلة ودمنة هو الموحي إلى دون خوان بحكايته الرابعة والعشرين جاء في باب عرض الكتاب «وقد ينبغي للناظر في كتابنا هذا ألا تكون غايته التصفح لتزاويقه بل يشرف على ما يتضمن من الأفعال حتى ينتهي منه، ويقف عند كل مثل وكلمة ويعمل فيها رويته، ويكون مثل أصغر الإخوة الثلاثة الذين خلف لهم أبوهم المال الكثير، فتنازعوه بينهم، فأما الكبيران فإنهما أسرعا في إتلافه وإنفاقه في غير وجهه، وأما الصغير فإنه عندما نظر ما صار إليه أخواه من إسرافهما وتخليهما عن المال أقبل على نفسه يشاورها، وقال: يا نفسي إنما المال يطلبه صاحبه ويجمعه من كل وجه لبقاء حاله وصلاح معاشه ودنياه وشرف منزلته في أعين الناس، واستغنائه عما في أيديهم وصرفه في وجهه(33).
وحكاية القونت لوقانور لا تخرج عن مثل هذه النصائح الحسنة التي تبرز حصافة الابن الأصغر، وكأنها تقول مترجمة عن الحكمة العربية القديمة «إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه»، وليس الأمر راجعاً إلى استعلاء السن، وهذا ما حدث للملك الذي أراد أن يختبر أولاده الثلاثة فأخفق الكبيران بينما أفلح الصغير، وصار قرة عين أبيه، وغدا ولي عهده، وكل هذا جاء بعد سلسلة من الاختبارات لكل واحد من الثلاثة، في ثوب حكائي، يستعد كل واحد منهم - حسب فكره وطاقاته - للخروج مع الوالد، إلا أن الكبيرين لم تكن فيهما تلك اللوذعية التي برزت في الابن الأصغر، وبها استحق المكافأة.

دلال المرأة، وجحودها لنعمة الرجل وفضله مع أول بادرة خلاف موضوع خالد خلود الأنثى، إلا أن وضعه في إطار حكائي واقعي أو متخيل هو ما يجعل لهذا المضمون ثوباً أدبياً عالياً وجميلاً، وهذا ما حدث للمعتمد مع زوجته الرميكية، وعبر عنه شعراً، ربما كان المصدر لما تداوله الناس من أخباره في الجانب الإسلامي والمسيحي على السواء، وشخصية المعتمد وما حدث له، شخصية مأساوية تثير فضول الناس، وتدفعهم إلى انتحاله بعض الأشياء، ولا تعنينا هنا هذه الانتحالات - إن صحت - بل يعنينا أن هناك حكايات نسجت واقعاً أو خيالاً تشبع رغبات الناس وتثير شهيتهم لسماعها، يقول المعتمد:
في ما مضى كنت بالأعياد مسرورا
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا

وتروق أخيلتهم في نسج القصة الذائعة التي تقول إنه صنع للرميكية بركة من مسك وكافور وجعلها هي وجواريها يطأن فيها إشباعاً لرغبتها أن تدوس في الطين كما يصنع الناس من الطبقات الدنيا، وحين بطرت في أحد الأيام قال لها هذه العبارة التي نقلها دون خوان «ولا نهار الطين»، وقد ذيل صاحب القونت لوقانور حكاية المعتمد بحكاية أخرى هي رغبة الرميكية في رؤية الثلج بقرطبة ومن شأنها ألا تثلج، فزرع لها أشجار اللوز، وحين تزهر في فبراير تبدو مكللة بالبياض كالجليد، وتنسب هذه الحكاية إلى عبدالرحمن الناصر مع الزهراء حظيته التي بنى لها مدينة باسمها، والحكاية به أشبه، لأن معظم إقامة المعتمد كانت في إشبيلية، والناصر كان في قرطبة، وقد استغل هذه الحكاية كاتب قرطبي معاصر هو أنطونيو جالا في مسرحيته عن الزهراء(35).

والمعتمد عموماً مصدر لأعمال أدبية كثيرة في العربية والإسبانية وحكاياته تنسب إلى غير واحد من الملوك المشارقة، إذ تنسب إلى ابن طولون أو خمارويه، وتنسب أيضاً إلى بعض أميرات البيت العباسي في بغداد وخاصة حكاية الطين وبحيرة الزئبق، وغير ذلك مما هو في كتب ألف ليلة وليلة، وكتب التراث عموماً.

وتمتلئ حكاية المعتمد لدى دون خوان ببعض الكلمات من أصل عربي كالطوب والعنبر والغالية والطين وغير ذلك، وكلها تشهد أن هذه الألفاظ كانت متداولة بين الناس وإلا ما جرؤ المؤلف أن يوشح بها كتابه، كما تدل أيضاً على معرفة وثيقة بهذه اللغة، وبهذه الحكايات التي تتجاوز التخوم، ويختلط فيها التاريخ بالخيال.

ومن قبيل هذه الحكايات العربية حكاية الزيادة الحاكمية في مسجد قرطبة، ونسبة الناس إلى الحكم زيادة في البوق، ورسمها المؤلف بالنطق العربي في حروف لاتينية، وتصويره للحكم بحبه للطعام والراحة والعيش بين الملذات، وتلك هي الصورة المتخيلة لملوك المسلمين عموماً، حفدة هارون الرشيد في غير الواقع، بل بصورة ألف ليلة وليلة وبصورة الخيال الشعبي عموماً، مع أن الواقع يناقض هذه الصورة تماماً، فالحكم هذا كان من كبار حكام الأندلس، وهو صاحب المكتبة الضخمة الشهيرة التي تحدثت عنها المصادر العربية والأجنبية حديث الإعجاب والانبهار، لكن الملح الذي يطلبه الذوق الشعبي يجعله يزيد في البوق ثقباً، مع أن الزيادة التي تنسب إليه حقاً هي زيادة المسجد الجامع والتي صارت مثلاً.
يلحق بهذه الصورة أيضاً، وهي ترضي الخيال المسيحي إبان الصراع القائم بين الإسلام والمسيحية في الأندلس أن يكون المسلم وأخته في الحكاية السابعة والأربعين سارقي أكفان الموتى، وأن تكون الأخت التي تخاف من كركرة صوت القلة، تجز عنق الميت لتأخذ سلبه، مع أن العادة أن الميت المسيحي ربما يحمل بعض ما يملكه في دنياه فضلاً عن الكفن الفاخر، والتابوت الذي يدفن فيه، وهو أدعى للسرقة من الميت المسلم الذي يكفن في كفن عادي، ويهال عليه التراب دون صندوق، لكنه الصراع القائم بين المسلم والمسيحي هو الذي ينقل المعركة حتى إلى الخيال والأدب.
كان للمقامات أيضاً دور هائل في الأدب الإسباني في العصور الوسطى، والقصة البيكارسكية أو أدب الصعاليك، صورة من أدب المقامة العربية، وهي جنس أدبي عربي، وقزمان الفرجي، ولاثاريودي ترمس نماذج واضحة لهذا الأثر العربي، إلى درجة نقلها بعض مشاهد من الكتب العربية القديمة، وبخاصة البيت المظلم الخرب، المنقول عن الأغاني والتنوخي وغيرهما من المصادر العربية القديمة.

وللطفيليين دور جيد في الأدب العربي والإسباني وحسب القارئ أن يراجع المقامات ونوادر الطفيليين في المصادر العربية القديمة التي أثرت أثراً هائلاً في الأدب الإسباني وللأستاذ فرناندو دي لاجرانخا دراسات جيدة عن بيان مسالك هذه النوادر إلى الأدب الإسباني، والحكاية السابعة عشرة من القونت لوقانور مثل لنوادر المتطفلين الذين يستجيبون لأول دعوة وربما لا ينتظرونها.
أما الحروب الصليبية فقد تركت علامات بارزة في القونت لوقانور، والحكاية الثالثة من كتابه تتحدث عن الوثبة التي وثبها في البحر ريتشارد ملك إنجلترا وهو يحارب المسلمين وكيف أنه حاز الدرجات العلا في الآخرة، وتغمد الله ذنوبه لأجل هذه الوثبة، والحكايات - هكذا - تروي تاريخاً موشى بالخيال وليّ الحقائق، فالذين اشتركوا في تلك الحرب الصليبية الثالثة فيليب أوجست ملك فرنسا، وريتشارد قلب الأسد ملك إنجلترا، ولم يشترك فيها ملك نابارا كما ذكر دون خوان، إلا لإعلاء ذكر بلاده مع أن الواقع التاريخي غير هذا.

وبسبب من الحروب الصليبية أيضاً ورد ذكر صلاح الدين الأيوبي مرتين، ولصلاح صفحة خالدة في التاريخ الإسلامي وله صفحة بطولية وإنسانية في التاريخ المسيحي ولأن صورة صلاح الدين في الآداب الأوروبية ينبغي أن تفرد بدراسة خاصة فقد أرجأنا الحديث عنها لما بعد.

أما الأمثال أو الأوابد التي وردت وحدها دون حكايات فنحن نعتقد أنها من الأمثال المتناثرة في كليلة ودمنة خاصة، وإعادة تجميع لها في صفحات مستقلة ومقصود بها قارئ معين، ربما لا يصبر عليها قارئ القسم الأول من الكتاب، وربما تكون هذه الأمثال مما قر في الذاكرة الإنسانية عموماً، لكننا أميل إلى الاعتقاد بأن كليلة ودمنة كان أمام دون خوان مثلاً يحتذيه في كتابه كله، ومع كل هذا فنحن نراه قد أبدع نصاً أدبياً، تختلف الآراء حول مصادره، لكنه - في أغلبه - استطاع أن يسبغ عليه ثوباً يكاد يكون خاصاً به، وحسبه أنه من كبار الكاتبين في اللغة القشتالية.

هــوامش :

1- Obras Completas. 1. Ed. J. M. Blecua, pag. 133، Madrid, 1981.
2- انظر، مقدمة القونت لوقانور - طبعة Castalia
3- Vease: El Conde Lucanor: Ed, Alfonso I. Sotelo Catedra, page: 18-19.
4- المصدر السابق، نقلاً عن Gimenez Soler.
5- في مقدمة كتابه القونت لوقانور يعترف دون خوان بأنه كتب كل كتبه بالرومانثية، ويقرر مؤرخوه أنه صنع هذا لا جهلاً باللغة اللاتينية،     فإنه يقرأ بها، ويستشهد ويترجم منها، ولكن لتلقى كتاباته مزيداً من الجماهيرية والقبول لدى الكافة. انظر ص22 وهوامشها من الكتاب     المذكور في هامش 3.
6- Vease: Luis Rubio Garcia: la fecha de la muerte de Don Juan Manuel.
من كتاب دون خوان مانويل في ذكراه السابعة بعد المائة طبعة جامعة مرسية، أكاديمية ألفونسو العاشر الحكيم. ص 325، 326.
7- انظر: تاريخ الفكر الأندلسي، أنخل جونثالث بالنثيا، وترجمة د. حسين مؤنس - ص326، وهامشها. ط مكتبة النهضة المصرية.
8 - انظر: مقدمة القونت لوقانور - طبعة:
Enrique Moreno Beaz. Ed. X. Castalia - 1981.
9 - انظر المرجع المذكور في هامش 3 - ص28.
10- انظر المرجع السابق، هامش 66 ص35، حيث يذكر باسكوال جيانجوس أنه كان موجوداً لدى الملكة إيزابيل في قائمتها، كما يذكر خمينيث سولير أن الملكة ماريا طلبت أن يحضر لها هذا الكتاب.
11- القصص الحكيم - للفيلسوف إيسوب، ترجمة مصطفى السقا وسعيد جودة السحار. ص21 - مكتبة مصر. د.ت.
12- انظر: أدب ونقد - لكاتب هذه السطور ص32، 33.
13- انظر المرجع المذكور في هامش 3 ص44.
14- المرجع المذكور في هامش 7 ص586.
15- انظر المرجع المذكور في هامش 3 ص52.
16- تذكار جيتي - العقاد.
وانظر: المازني شاعراً لكاتب هذه السطور ص66، 67.
17- انظر تاريخ الفكر الأندلسي ص581.
18- السابق ص582.
19- كليلة ودمنة. الطبعة الثانية - دار الشعب ص21، 22.
20- انظر مقدمة El Conde Lucanor. C. Austral. Espana Calpe, Madrid الطبعة الحادية عشرة 1975 - ص41.
21 - راجع البحث الجيد الذي نشره دون فرناندو دي لاجرانخا بعنوان Origen Arabe de un famoso Cuento espanol Al Andalus. Vol: xx1v 1956. Fasc 2.

وانظر ترجمتنا له في كتابنا «تأثيرات عربية في حكايات إسبانية» - مكتبة النهضة المصرية 1986.
22- القصص الحكيم للفيلسوف إيسوب - ترجمة مصطفى السقا وسعيد جودة السحار، ص173 وما بعدها مكتبة مصر.
23 - كليلة ودمنة - ص83.
24 - العقد الفريد.
25- القصص الحكيم ص122 وما بعدها.
26- جحا الضاحك المضحك - العقاد - ص541 وما بعدها. ط. الهلال - أغسطس 1956.
27- انظر مواضع متفرقة لتأثير نوادر جحا في «تأثيرات عربية في حكايات إسبانيا» بترجمتنا.
28- انظر: Espana en su historia, Cristeanos, Moros y gudios. Page 61.
29- القصة القصيرة دراسة ومختارات. د. الطاهر أحمد مكي - ص14، 15، دار المعارف.
30- راجع كليلة ودمنة «باب البوم والغربان» وقد اختصرناه جداً.
31- القصص الحكيم ص154 وما بعدها.
32- راجع كليلة ودمنة «باب الأسد والثور».
33- المصدر السابق ص25.
34- الذخيرة، ابن بسام - جـ3 ص73 تحقيق د. إحسان عباس.
35- راجع، خمس مسرحيات أندلسية بترجمتنا.