غواية الجنون في الأدب النسائي
قراءة في قصتي «امرأة أنا» و«من فرط الدموع»
د.علاء عبد المنعم إبراهيم
ظل المجتمع العربي لفترة طويلة مجتمعاً أبوياً تقليدياً يحتفي بالصوت الذكوري، ويسعى في أحيان كثيرة إلى وأد الصوت النسائي، وتحويله إلى صدى خافت لنظيره الذكوري، خالقاً بذلك نوعاً من التمييز الجائر ـ الذي استقر في الأعراف الاجتماعية والتقاليد الثقافية ـ بين الرجل والمرأة، فمنح الأول قدراً هائلاً من الحرية خولت له التحرك السلس والانتقال الحر في المجالات كافة، فبدا أنه الفارس الأوحد في الميدان، ولم يعترف للثانية بهامش الحرية، بل تعامل بوصفها ظلاً للرجل وتابعاً له، فبدت كذات هامشية الحضور، لا لأنها كذلك، ولكن لأنها لم تمنح مساحة التجريب والممارسة الممنوحة للرجل.
ولكن المرأة تمردت على وضعها القاهر، وسعت لاستعادة حقها، مانحة الرجل صك الغفران لأنه أخذ بيدها في بداية القرن الماضي، لكي تسترد ما سلب منها، وبالفعل تمكنت المرأة من استغلال هذه المواربة التي أتيحت لها، فاستطاعت بفضل طاقتها الخلاقة الممتاحة من داخلها أن توسّع الفراغ فيصير: باباً مفتوحاً «مشرعاً، يتوالى عبور المبدعات من خلاله في المجالات كافة، وفي الأدب بشكل خاص، حتى صرنا بإزاء ظاهرة تفجّر الوعي النسائي في الأدب.
فبزغ مفهوم «الأدب النسائي» الذي أثار ـ ولا يزال ـ إشكالية تفسيرية بين من يتعاطونه، وظهر فريقان؛ يتعامل الأول مع المفهوم وفق رؤية تسامحية تنماز بالرحابة الفكرية، ويغلق الثاني الدائرة المفهومية على فئة بعينها، فيرى الفريق الأول أن المفهوم يتسع لكل الأعمال الإبداعية التي يكون موضوعها الرئيس المرأة أو إحدى قضاياها التي تتعالق بشكل عضوي بالذات الأنثوية، بغض النظر عن التصنيف الجنسي للصوت المعبر عن هذه القضية المؤطرة بالسياق النسائي، فقد يكون هذا الصوت مذكراً أو مؤنثاً، ويلمع في هذا السياق اسم «إحسان عبد القدوس» الذي استطاع ببراعة ـ تشهد بها النساء ـ أن يتمثل الذات الأنثوية، فعايش سياقاتها، وغار في أعماقها، ونفذ ببصيرة إلى مواضع فرحها وألمها بمذاقها الفعلي وحجمها الطبيعي، فكان الصوت الزاعق للحضور الأنثوي على الساحة الأدبية، ثم السينمائية، وأخيراً الدرامية، لفترة طويلة.
أما الفريق الثاني ويتمركز في بؤرته الوعي النسائي المتشدد، الذي ربما سعى إلى ممارسة التشدد الذي مورس عليه من قبل، فيرفض هذه الرؤية المنفتحة ويستبدل بها رؤية مفهومية تحصر الأدب النسائي في الأعمال الإبداعية المنطلقة من لدن الذات المبدعة بمفهومها الجنسي لا الأدبي، أي بوصفها امرأة أولاً وأخيراً ويتمثل العنصر المركزي في هذه الرؤية في الإيمان العميق بأن المرأة هي الأقدر على التعبير عن قضاياها لمعايشتها لها بشكل دائم بفضل طبيعتها النفسية والفسيولوجية، والتي يصعب على الرجل ـ مهما سعى بحسن نية وصبر ـ إدراكها، وأقصى ما يمكن أن يصل إليه الرجل ـ وفقاً لهذه الرؤية ـ هو ملامسة القشور الخارجية دون أن يصل إلى لب القضية، لأن مفهوم التمثّل يحمل في طياته اعترافاً بعدم التماثل، فهو يتكئ على التشبيه الذي هو درجة أدنى من التطابق الضروري في هذا السياق. فهذه الرؤية تتلوّن بعاطفة حادة تجنح إلى غلق الدائرة على الذات الأنثوية بحضورها المرجعي الحقيقي لا الأدبي.
يصير من حق المتلقي أن يقتنع بمبررات أي من الفريقين، ويؤمن بصواب منطقه، أو أن يجاوز هذه الإشكالية التفسيرية، ويغض الطرف عن مقارباتها النظرية، وروافدها الإيديولوجية، مركزًا جلّ اهتمامه على العمل الأدبي ذاته, فيقوم بعملية حذف افتراضي لاسم المؤلف من على صفحة الغلاف الخارجي فيصير المتن الحكائي هو المحك الحقيقي لموضعة هذا العمل أو غيره ضمن الحدود المفهومية للأدب النسائي.
الجنـون...الهـروب إلى الحقيقة
يقع الناقد دائماً في حيرة عندما يسعى إلى استكشاف طبيعة الأدب النسائي، إذ يجد نفسه متحيراً بين تناول أعمال لأسماء لامعة ـ مثل لطيفة الزيات، ونوال السعداوي، وأمينة زيدان، ونعمات بحيري، ونجوى شعبان، وسلوى بكر، ومي خالد، وميرال الطحاوي، ومي التلمساني.. ـ وبين مقاربة نصوص لأسماء نسائية تنزوي بعيداً عن أضواء الشهرة الإعلامية وجلبتها الشائقة وبريق التداول الزائف في بعض الأحيان، وهي عوامل تواصل ضغطها على الناقد في أثناء قراءته التأملية للنص.
وقد فضلنا الاختيار الثاني؛ دون أن يعني ذلك أن الأسماء المنطرحة سلفاً لا تملك ما يؤهلها لهذا الحضور القوي على الساحة النقدية، ولكن لكي نتجنب الوقوع في شرك التناول النقدي السابق ومغرياته، فيصير من حقنا أن نضرب بمبضعنا النقدي في جسد النص دون أن نخشى انفتاح جروح قديمة خلّفها النقاد السابقون بمباضعهم الدقيقة، ومن جانب آخر نسعى عبر هذا التناول لإعادة الاعتبار لبعض الأصوات المبدعة التي عانت من الطابع الشللي في الممارسات النقدية المعاصرة، ووقعت ضحية له. لهذا اخترنا قصة «امرأة أنا» للقاصة المصرية ليلى الشربيني من مجموعتها القصصية «الكرز»، والتي تعلن افتتاحيتها حضور الوعي النسائي وما يستحضره من استلاب وفزع داخلي، تقول..
« ـ امرأة أنا.
ـ أنتِ مجنونة؟
ـ ربما.
ـ تحتاجين لحقنة.
ـ حتى يتوقف الجنون؟
ـ حتى يتوقف عقلكِ.
ـ توقف عقلي وتوقف الجنون، وأخذتُ الحقنة...وحقنة أخرى، وبدأتُ أذهب وحدي إلى الصيدلية لآخذ الحقن، بدأتُ أيضاً أنام وآكل، بدأتُ أحيا مثل الأخريات.
ـ أنتِ مجنونة.
ـ ألم يذهب الجنون؟
ـ المجنون لا يشفى..استمري على الحقن».
يبدو لنا من الوهلة الأولى أننا بإزاء ذاتين تتحاوران حواراً خارجياً (ديالوج)، الأولى تبدو مجنونة مضطربة، والثانية تبدو حكيمة تسعى إلى مساعدتها فتمارس معها أفعال النصح والتوجيه، ولكن دعونا نبدأ بطرح سؤال أولي وبسيط..
من هو المجنون؟
أتوقع أن تستدعي ذاكرتنا على الفور صورة ذالك الرجل ـ أو المرأة ـ الذي نراه في الشارع في أثناء عودتنا للمنزل، مرتدياً ملابس غريبة وممزقة، مطلقاً لحيته وشعره، وتبدو علامات الاتساخ كاسية لملامح وجهه، فتعوقنا عن تحديد سنه الحقيقي وشكله الأصيل، متلفظاً بعبارات غير مفهومة، وبين الشعور بالتعاطف معه والرهبة والخشية منه تتراوح معاملتنا له.
ولكن هل سألنا أنفسنا يوماً كيف استطاع هذا الرجل أن يواصل حياته على الرغم من طبيعته الانعزالية هذي، فعندما نتابعه على مدار اليوم سيتبين لنا أنه يمارس أحياناً طقوساً عادية مثلنا؛ فينهض ذاهباً إلى أحد محال الأطعمة طالباً الطعام، فيمنحه صاحب المطعم ما يريد دون أن يأخذ ثمنه بالطبع، أو يمنحه أحد المارين ما يسد به رمقه، فيأكل بشراهة ونهم، وعندما ينتهي ينام قرير العين أين شاء وأنّى أراد.
إذن هذه الذات تمارس سلوكاً مشابهاً لسلوكنا في بعض الأحيان تحقيقاً لأهدافها النفعية الملحة التي لا تتحقق سوى بتمثّل منطقنا نحن ـ العاقلين ـ فهي تتخلى عن منطقها، وتقبل بمنطقنا وتتعامل من خلاله، وعندما يتحقق لها الحد الأدنى من متطلباتها تعود إلى عالمها الذي اختارته أو فُرض عليها.
إن خروج هذه الذات من حالة الجنون ـ كما نعرفها ـ إلى حالة العقل ـ كما نظنها ـ ثم العودة للحالة الأولى وهكذا دواليك، يجعلها ذاتاً واعية تملك قدراً كبيراً من المعرفة الذهنية التي تمكّنها من تمثل الحالتين، والاختيار بينهما، ومعايشة كل حالة بكامل مقتضياتها وملابساتها.
فرؤيتنا للجنون تبدو رؤية مشوشة يسودها الاضطراب والضبابية، لأننا ننظر دائماً إلى المجنون من موقع فوقي مفارق مرده إدراكنا العميق بالمساحة الشاسعة التي تفصل بيننا وأولئك الذين يمارسون سلوكاً مستغرباً من قِبلنا، ولا شك أن هذا الإدراك يحقق لنا إحساساً بالراحة والأمان.
ولكن دعونا نخضع هذا الأمر للمساءلة الجدلية، فالجنون في حقيقته مجاوزة للمألوف، وعدول عن السلوك التقليدي الذي اكتسب رصانته بفضل التداول واعتياد السياق المحيط عليه، فترسخ في وعي الجماعة، التي تتناسى بفضل مرور الزمن اختبار فاعلية هذه الأفعال ومدى مناسبتها لمقتضيات الفترة الراهنة ومعطياتها، فتغفل عن مساءلة هذه الأفعال تعصباً لها بوصفها مقدسات فكرية وسلوكية متوارثة تمارس هيمنتها وسطوتها على وعي الجماعة، ويعد الخروج عليها أو مجاوزتها نوعاً من الانزياح الإيديولوجي والانحراف السلوكي الذي يستحق صاحبه أن تلفظة الجماعة وتخرجه من محيط حضورها، وتتعامل معه بشح بالغ باعتباره ذاتاً انتهكت حرمة الوعي الجمعي، وتبنّت لنفسها وعياً مغايراً.
ولكن هل كل ما يتبناه السياق المحيط من رؤى ومواقف وأفكار، وكل ما يمارسه من سلوك وعادات ينطوي تحت لواء الصحيح، فالتباين في الرؤى بين الجماعة المرفودة بخبرة الأسلاف والفرد الباحث عن حلمه، والمؤمن بضرورة توجيه طاقته إلى المجال الذي يطمئن إليه، يخلق نوعاً من المفارقة الإيديولوجية بين الذات والآخر، هذه المفارقة التي تتحول إلى انفصال بين الوعيين، فتتخذ الجماعة موقفاً معادياً من الذات متهمة إياها بالجنون، فارضة بذلك نوعاً من العزلة عليها، لا لشيء سوى لأنها تمسكت بحقها في الاختيار، غير أن الذات الواعية بقدراتها والمدركة لتبعات الخروج على المألوف تتأطر رؤيتها بنظرة تسامحية تصالحية مردها إدراكها المرهف أن للتغيير عواقبه، وأن مخالفة سياق الجماعة ومحاولة الانفلات منه لابد وأن يعرّضها للهجوم، ومن ثم يصير وعي الذات في حقيقته وعياً ثنائياً، وعي بما تقوم به، ووعي برد فعل الآخر تجاه هذه الأفعال.
إذن ليس كل من يطلق السياق عليه «مجنوناً»، يكون منحرفاً في حقيقته، بل ربما كان هو صاحب الرؤية الصائبة، وكان السياق أضعف من أن يواجهه، فسعى إلى عزله عبر هذه التهمة التي لم ينج منها كل من سعى إلى تغيير وعي الجماعة، سواء أكان مبدعاً أم سياسياً أم أديباً أم نبياً، لأنهم سعوا إلى تحطيم الأصنام الفكرية للجماعة، وقليل من تلك الذوات استطاع أن يصمد أمام هذه الاتهامات، فكافأه التاريخ وسجله في متونه بحروف من نور، حيث يصير المجنون ـ بفضل الوعي التاريخي الذي يعيد الأمور دائماً إلى نصابها ـ ذاتاً تلقى الترحيب والقبول من أفراد الجماعة كافة، لأنها استطاعت أن تعيد صياغة مفردات الوعي الجمعي، وتؤسس وعياً جديداً يحمل في طياته عوامل بقائه واستمراريته لفترة زمنية محددة يصير بعدها مؤهلاً للتغيير وهكذا دواليك، بحيث يغدو الجنون في أحيان كثيرة صنواً لمفهوم التنامي الطبعي للمجتمع.
وعندما تلفي المرأة نفسها مفعمة حتى التشبع في مجتمع ينفي حقها في العيش بحرية، عندئذ تكتشف أنها في حاجة إلى التدرّع بشجاعة الجنون، والتذرّع بملابساته حتى تتمكن من انتزاع حقها المسلوب، فيصبح الجنون هنا خلاقاً ممثلاً لجوهر العملية الإبداعية التي ربما كانت مؤلمة في تلقيها الأول، وممتعة وشائقة في تلقيها الثاني، وضرورية في تجاوزها.
إن هذا الفهم يمنحنا حقاً شرعياً، في إعادة قراءة الافتتاحية الحوارية للقصة، حيث نصير أمام ذات واحدة، ذات المرأة، التي تقف أمام المرآة، فترى في الوجه المقابل المنعكس على سطح المرآة، امرأة تماثلها شكلاً، وتنفصل عنها فكرياً، فنغدو أمام ذات واحدة تستدعي وعيين في إطار حوار داخلي (مونولوج)، وعيها الخاص كذات أنثوية مقهورة، ووعي الجماعة المحيطة، ولا نحدده بالوعي الذكوري، لأن المرأة في أحيان كثيرة تكون أكثر عداء لأفكار المرأة الأخرى، وأكثر صراحة في المجابهة من الرجال المطمئنين إلى رسوخ سلطتهم المجتمعية، بما يجعلهم أشد تسامحاً، وأكثر قابلية للتعاطي مع ما تطرحة المرأة من بنات الجنس الواحد.
تخوض ذات المرأة في هذه الافتتاحية الموجهة صراعاً إيديولوجياً مع وعي الجماعة، صراعاً بؤرته المركزية صالحية الوجود، فتسعى الذات إلى استبدال مفهوم «البقاء للأصلح» بمفهوم «البقاء للأقوى» المشدود إلى قوانين الغابة بصراعاتها الحيوانية والشهوانية، فتصدح في بداية النص بمسلّمة بدهية (امرأة أنا) وكأنها تؤكد على رسوخ موقفها وفخرها بجنسها وانتمائها له، معلنة منذ بداية مساجلتها الحجاجية عن قضيتها الوجودية، التي تحرر بها الخطاب وتنقله من كونه تعبيراً عن مشكلة ذاتية إلى أزمة كونية تخص المرأة كذات إنسانية لها الحق في الحضور والمشاركة.
ويترجم هذا الوعي بملمح أسلوبي فتتقدم كلمة «امرأة» إلى صدر الجملة، وتتأخر «الأنا» الفردية التي تعي هشاشة موقفها عند حضورها الفردي، فتحتمي بالآخرين، وبالأحرى بالأخريات التي تحمل على كاهلها عبء التحدث بصوتهن والإنابة عنهن في هذه المباراة الذهنية.
غير أن وعي الجماعة لا يقف جامداً بل يكشر عن أنيابه ويظهر شراسته، عندما يتجاوب مع ملفوظ المرأة بسخرية لاذعة، فينقض المسلّمة البدهية بجملة استفهامية فاضحة «مجنونة أنت؟» فيكشف برده هذا عن خواء وعائه الفكري، وعجزه عن مواجهة الذات فيصدر إليها تهماً جاهزة إن جاز التعبير، إن الجماعة تلقي بتهمة الجنون في وجه كل من يخالفها، ويسعى للانعتاق من أسر سلطتها الطاغية، إنه اتهام ترهيبي تعاقب به من يفكر في مجاوزتها.
غير أن الآخر الناطق بصوت السياق المحيط، يقع الشرك الذي نصبته له ذات المرأة، عندما يقابل هذه المسلّمة بجملته الزاعقة تلك، فيتعرى أمام المتلقي الذي يتبين له زيفه لأن رفضه للمسلّمة البدهية ونقض منطقها الرصين، يعد مخالفة فاضحة للمنطق الإنساني، وهو ما يكشف عن الهشاشة العنكبوتية للمرتكزات الإيديولوجية للآخر. ومن ثم يخسر الآخر منذ افتتاحية النص تعاطف المتلقي الذي يتوجه إلى ذات المرأة ومنطقها العفوي السليم.
إن الجنون هنا يتجرد من دلالته السلبية كخروج عن قواعد المنطق، ويكتسب دلالة إيجابية، مفادها أن من يتهم به قد تمرد على السياق الفاسد، وواجهه وسعى إلى الكشف عن نواقصه وهناته، وبالتالي يصير من حقه التباهي به ـ أي بتهمة الجنون ـ أمام الآخرين ـ مثلما يتباهى كثير من السياسيين بفترات اعتقالهم في عصور سابقة سادها الفساد ـ فيصير الجنون هنا أيقونة تؤشر إلى قدرة الذات على مقاومة السلطة المجتمعية الجائرة وعلامة سيميولوجية على مقاومتها له.
يتبدى هذا بشكل واضح في التساؤل الذي تطرحه ذات المرأة على الآخر «حتى يتوقف الجنون!!»، فيكون رد الآخر «حتى يتوقف عقلك»، إن الجنون يصير هو العقل ذاته باعتراف الآخر المجادل، فالذات تطرح تساؤلاً متوتراً لا يقنع باليقين الجاهز، فإذا بالآخر يمنحها هذا اليقين بجملة غير متوقعة، وهنا تنطرح قضية خطيرة وهي أن السياق عندما يلفظ أحد أبنائه فليس من الحتمي أن يكون الرفض نتيجة لفساد هذا العضو، بل ربما كان الأمر عكس ذلك؛ فيكون الرفض نوعاً من أنواع الخشية على ما يظنه ثوابت قيمية للمجتمع، فالسياق هنا يعلم أن ذات المرأة هي العاقلة وأن رفضه لها هو الجنون عينه، وعلى الرغم من ذلك يستميت في الدفاع عن موقفه، ولا شك أن المتلقي يزداد تعاطفاً مع المرأة بفعل هذا الاعتراف المزعوم لأنه اعتراف منطلق من لدن الجماعة المعادية فيكتسب قوة تأثيرية أكبر، إنها شهادة الأعداء التي يفخر بها المحارب الصلب.
ولأن الضعف سمة بشرية، فإن الذات لم تتنزه عنه، معلنة أنها وافقت على شروط السياق (توقف عقلي وتوقف الجنون، وأخذت الحقنة... وحقنة أخرى، وبدأت أذهب وحدي إلى الصيدلية لآخذ الحقن، بدأت أيضاً أنام وآكل، بدأت أحيا مثل الأخريات) لقد قبلت التعامل بمنطق الجماعة، فمارست السلوك ذاته، الذي مارسته الأخريات الخانعات القابلات بفتات الحرية، اعتادت على معاملاتهم النفعية، ولكنها موافقة مؤقتة، استفاقت الذات منها بفضل وعيها الطاغي وسريرتها النقية، فأدركت أنها إن فعلت ذلك صارت مجنونة لا بالمنطق المجتمعي، ولكن بالمنطق البشري الحصيف، إن تخلت عن عقلها وما تختزله ذاتها من قيم نبيلة تصير ذاتاً هامشية بلا خصوصية مثلها مثل الأخريات أو الآخرين عديمي التأثير، فيصير حضورها مثل غيابها بلا قيمة حقيقية، ترفض الذات بفطرتها السليمة هذا الانزلاق وتتجاوزه معلنة العصيان من جديد، ومن ثمّ يعاود السياق المتعصب اتهامها بالجنون (أنت مجنونة).
فتطرح المرأة سؤالها الأليف (ألم يذهب الجنون؟)، فيأتي صوت الجماعة محملاً بدلالته المنفتحة (المجنون لا يشفى..استمري على الحقن)، فهو يومئ إلى أن الذات الواعية التي تدرك إمكاناتها الحقيقية ستظل على وعيها البصير مهما حاول السياق الذي يموج بالتناقضات أن يستقطبها أو أن يأسرها بمفاتنه الزائفة، ولكن على الذات أن تدرك تبعات محاولتها البحث عن الحقيقة، فلكل شيء ثمنه ومتعته، وهي الحكمة التي صاغها المتنبي ـ أقرب الأسماء الشعرية العربية إلى الذاكرة ـ في بيته الشهير:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
إنه الشقاء الأليف، الذي يستشعر المرء متعته ونعيمه بعد أن يصل من خلاله إلى هدفه، فيتبدل النصب ويستحيل نعيماً أبدياً، شقاء الطالب المجتهد, الذي يدرك قيمته عندما تكرمه الدولة لتفوقه في نهاية العام، شقاء الأم الحبلى الذي يتبدد وهي ترى وليدها يبسم لها فتحتضنه، فتحتضن به العالم، شقاء الأب الذي يذرف دموع الفرح وهو يحضر عرس الابنة الكبرى التي استطاع أن يسلّحها بالخلق والعلم والدين على الرغم من مرتبه المحدود، في حين يتحول النعيم الوقتي للذات الخاملة جحيماً تصطلى بناره عمرها كله، فتتمنى أن تكون شيئاً منسياً.
يصير الجنون معادلاً للحقيقة في أبهى صورها، والتي تنهض بالواقع من حمأة الاختلال السلوكي والاضطراب الفكري والتشويش القيمي، الذي تحتمي به الذات لتؤسس به عالماً مغايراً ناجز الحضور، فاره البناء، فتستحيل المحنة منحة، ويتردد صوت الحكيم وهو يردد (أنا مجنون ـ في مجتمع فاسد ـ إذن أنا عاقل).
الجنون.. جسـر إلى الخلـود
لاشك أنك تعرف هاملت، تلك الشخصية المفعمة بالتوترات والتي خلّدها الكاتب الإنجليزي الأشهر «شكسبير» في رائعته التي تحمل اسم البطل ذاته، وإذا لم تكن قد قرأت النص، فربما سمعت أحد أصدقائك وهو يبدي ملاحظاته القيمة حول المسرحية التي مُثلت على خشبة المسرح القومي، والتي شاهدها أمس في برنامج «كنوز المسرح»، وكيف تقمص محمد صبحي ـ في بداياته ـ الشخصية ببراعة، فصرنا نتصور ونحن نشاهده أننا أمام «هاملت» الحقيقي، حيث استطاع أن يصل إلى لب أزمته المتمثلة في الصراع الداخلي بين الرغبتين المتناقضتين، الرغبة في العيش في سلام وهدوء، والرغبة الملحة في الانتقام من العم الذي قتل الأب وتزوج الأم، فدُفعت الشخصية دفعاً إلى قدرها المحتوم الناتج عن هذا التناقض، لتختتم المسرحية بموت الأبطال جميعهم.
وإذا كان الإبداع يرتبط جذرياً بالحب، فإن «جوليت» التي نستحضرها دائماً في تلازمها مع صنوها الأجل «روميو»، تدخل في علاقة تآزر مع «هاملت»، فكلاهما عاش الواقع الرافض له والمسبب لأزمته.
تستحضر الذات هاتين الشخصيتين الأثيرتين وهي تواصل مساجلتها الحجاجية مع الآخر:
(ـ وماذا عن هاملت؟
ـ كان يحتاج إلى حقنة.
قال الطبيب إن هاملت لو أخذ الحقنة لما تطاول عليه شكسبير، فكل ما عانى فيه المسكين هاملت كان سيتوقف عند أخذه الحقنة، ربما أيضاً تغيرت الأحوال وذهب إلى زوج أمه لتقبيل يده، هكذا صرت، تعلمت كلمة «يا فندم» إنها كلمة مريحة، فهي تجعل الشخص الذي تحدثه يعلم جيداً أنك تضعه في المكان اللائق، ويصبح على استعداد لسماعك، وربما أيضاً للرد عليك.
ـ جوليت أيضاً كانت تحتاج لحقنة حتى لا تنتحر.
ـ نعم فأنا أنتحر لأنني أخذت الحقنة).
تحتفي الذات بالشخصيتين الخالدتين، فتستدعيهما وتموضعهما في إطار الدائرة نفسها التي تتمركز الذات في بؤرتها، بحيث تغدو ذات امرأة، وهاملت، وجوليت كائناً عضوياً واحداً وإن تعددت العلامات الاسمية الدالة عليه، باختلاف العصر وملابساته، وإن جمعتهم الأزمة ومن ثم المصير.
فتبدو الذات على وعي كامل بطبيعة الشخصية العربية وذائقتها الخاصة، والتي يمثل الفكر التوثيقي أحد أهم روافدها، فتخلق لنفسها مرجعيةً تاريخية؛ عندما تحقق ربطاً تلازمياً بينها والشخصيتين الشكسبيريتين، اللتين أثبت الوعي الجمعي اللاحق فاعلية حضورهما، واستطاعت السنون أن تفك الشيفرات المستعصية لمنطقهما، فأعلنت دون استحياء انتصار منطقهما في مقابل انهزام منطق السياق المؤطر لوجودهما، وأبرز علامات هذا الانتصار، أننا لا نزال نذكر «هاملت» و«جوليت» وسط هالة من التقدير والاحترام والتعاطف، دون أن يبقى للسياق الفاسد ذكر.
فذات المرأة تتغيّا توثيق مصيرها المستقبلي، في إطار نبوءة تستلهم مبرراتها من التاريخ الذي لا يكذب وإن تجمل لفترات قبل أن يتخلى عن جماله الزائف عائداً إلى جماله الطبعي الأليف وأبرز علاماته المصداقية.
فترسخ حضور هاتين الشخصيتين في الوعي الإنساني العالمي حتى يومنا هذا يعكس ما تختزله كل من الشخصيتين من عوامل البقاء، وما تتذرع به من مقتضيات الخلود التي تهيأ لهما هذا الحضور الطاغي والاستمرارية المذهلة، والمعايشة المتجددة، فتفيد الذات من كل هذا، فتبدأ في استدعاء الشخصية الأولى «هاملت» في صبغة تساؤلية تتوشح بالبعد الاستنكاري «وماذا عن هاملت؟»، فكأنها تقدم برهاناً على براءتها من تهمة الجنون وهي تصرخ «إذا كنت تتهمني بالجنون فلابد أنك تتهم هاملت أيضاً»، وتكون المفاجأة المذهلة عندما يأتي صوت الجماعة مقرراً لهذه الرؤية الفاسدة، فيعلن دون تحرج «كان يحتاج إلى حقنة».
فهاملت الذي سعى إلى الانتقام من زوج أمه ليعيد الأمور إلى نصابها، يصير كائناً غريباً من وجهة نظر السياق الفاسد، الذي يستبدل بالصراحة في العداء، المداهنة والنفاق، بل يزداد الأمر فجاعة عندما يأتي صوت الطبيب ـ المفترض أنه المعادل لصوت حكماء المجتمع ـ ليقدم روشتة العلاج غير المجدي لهاملت مؤكداً أنه كان ينبغي عليه تقبيل يد العم، وهنا يتكشّف لنا فساد منطق الطبيب غير الحكيم، وهو ما ينسحب على مجتمع يتمركز في قمة هرمه هذه الآراء الفاسدة، فالمجتمع الذي يرى في النفاق والرياء آليات مقبولة يمكن لأفراده توظيفها في معاملاتهم اليومية، يصير مجتمعاً منحلاً لا يتغيا سوى الأهداف الاستهلاكية النفعية المتجاوزة لكل القيم الفطرية الطاهرة.
إن الحقنة هنا تصير معادلة للمبادئ التي يرسخها المجتمع في وعي أفراده، فيغدو من يستمسك بالقيم الإنسانية الرقراقة كائناً نافراً من وجهة نظر هذه الجماعة، يقول النص كل هذا دون وجود تفاصيل مبعثرة على فضائه.
فهاملت قد تعرض للأزمة نفسها التي تتعرض لها ذات المرأة، وهي أن هناك بوناً شاسعاً بين قناعات الذات (هاملت/المرأة) ومعطيات السياق المحيط، الذي يسعى بشكل ملحاح إلى فرض سطوته على أفراده، وتظل الذات الإنسانية بما تحمله من نقاء هي القادرة على تجاوز هذه الأزمة عبر توظيفها لإمكانات عقلها وروحها ـ بوصفهما أيقونتين للذات الطاهرة ـ فتفارق هذا المجتمع وترفض مقتضياته، حتى وإن تراتب على ذلك صدام يفرض نوعاً من العزل الإجباري على الذات.
وتتباين ردود أفعال الذوات النقية تجاه هذا العقاب المجتمعي؛ فإما أن تسلّم الذات بإيديولوجيا المجتمع، حتى وإن بدت غير متوائمة مع أفكارها وغير متناغمة مع مخزونها الفكري، فتنهزم أمام سلطة الوعي الجمعي، فتنساق في قطيعه دون وعي، وإما أن تستغل هذه القطيعة وتظل محتفظة بقدرتها على المقاومة، بل وتمارس سلوكاً مضاداً يتمثل في محاولتها إيصال أفكارها ومبادئها وقناعاتها إلى أفراد الجماعة، وتصدير إيديولوجيتها لهم، وهكذا يكون دائماً الكبار.
ولكن ذات المرأة لم تكن في ضعف الفريق الأول، فلم تستسلم لقدرها المحتوم، ولم تكن كذلك في رسوخ الفريق الثاني وثباته، فلم تصمد بشكل دائم بل ظلت تراوح بين الصمود والاستسلام، مما ساهم في تفعيل أزمتها «هكذا صرت، تعلمت كلمة «يا فندم» إنها كلمة مريحة، فهي تجعل الشخص الذي تحدثه يعلم جيداً أنك تضعه في المكان اللائق، ويصبح على استعداد لسماعك، وربما أيضاً للرد عليك».
إن اعتراف الذات بانكسارها أمام طغيان سلطة الجماعة، وعدم قدرتها على استمرارية المقاومة، يبرز الوجه القبيح لهذا السياق المتسلط الذي يستنفر أدواته لإخضاع أفراده، فقد تعلمت الذات النفاق وربما تكون قد جنت ثماره النفعية.
ولكنها وهي تعلن هذا الاعتراف على مرأى ومسمع من المتلقين، ربما يكون لها غرض آخر أكثر عمقاً؛ فهي تكشف عن عورات هذا المجتمع، وفساد منطقه عندما تجعل من نفسها نموذجاً مؤقتاً لأحد أفراده، الذي استطاع أن يتكيّف مع معطياته، فتعاطى آلياته واستوعب منهجه، وارتضى قوانينه، فمارس الكذب والنفاق والرياء، بوصفها عناصر رئيسة في البنيان الأخلاقي لهذا المجتمع، مما يعد كشفاً فاضحاً لأزمة غياب المعايير الأخلاقية، وكأن الذات تخلق شكلاً منطقياً يتكوّن من مسلّمتين تفضيان إلى نتيجة محذوفة نستطيع استشفافها من المقدمتين:
ـ أنا وافقت على شروط هذا المجتمع.
ـ شروط هذا المجتمع النفاق والرياء.
ـ أنا فاسدة (فأنا أنتحر لأنني أخذت الحقنة)
فالذات تستطيع أن تأخذ بيد المتلقي بسهولة إلى النتيجة السابقة، وكأنها تنصب الشرك للآخر المجادل، وتظل تجادله حتى تصل معه إلى هذه النتيجة المأساوية، وهذا الاعتراف الناجع الذي تتلفظ به الذات خاتمة به حجاجها مع وعي الجماعة، يعلن عن موقفها من المجتمع، فهي تدرك أنها إذا ظلت قابضة على جمرة الحق والخير فستكون النتيجة لفظ المجتمع لها، لعدم تعاطيها مع مفرداته السلبية، ولكنها لأنها ذات نقية فسرعان ما يزول أثر الحقن، فتعود إلى فطرتها مقاومة هذا التقهقر القيمي، المفروض عليها من السياق الشيطاني المحيط، فأسلوب التقية الذي توشحت به الذات يستحيل أسلوباً واهياً يتشظى أمام وعي الذات الممتاح من فطرتها السليمة المرهفة.
إنها نموذج للذات الطاهرة التي تتأبى على الانصياع لمقتضيات الواقع المرير غير المتجانس مع معتقداتها ومبادئها فتتمرد عليه، وتصنع لنفسها عالماً يوتوبياً أرحب تجد نفسها من خلاله، فتحفظ لروحها مكاناً مرموقاً في الذاكرة الإنسانية، مثلها مثل «جوليت» التي انهزمت أمام سلطة المجتمع ولكنها انتصرت أمام ذاتها وأمام المجتمع نفسه بعد فترة، فبقيت «جوليت» خالدة الذكر وغاب المجتمع القاهر.
إن المجتمع الذي رفض «هاملت» و«جوليت» ثم ذات المرأة، واتهمهم بالجنون لهو الأحق بالوسم بالجنون، فذات المرأة تعلن أنها كما عانت من الأزمة التي عانت منها الشخصيتان الخالدتان، فمن الطبيعي أن تتوحد معها في المصير، فكما رفض السياق الشخصيتين وصب عليهما لعنته متهماً إياهما بالجنون مثلما فعل مع المرأة، فإن هذا السياق قد عدل عن موقفه بفضل الوعي التاريخي القادر على رد الاعتبار للشخصيات بعيداً عن الضغوط الآنية، فحولهما إلى نموذجين خالدين يمارسان سطوتهما الإيديولوجية والعاطفية على الذات الإنسانية في مجملها، ومن ثم فذات المرأة تنبئ عبر هذا التعالق عن التوحد في المصير بأنها ستخرج من هذا السياق منتصرة كما انتصر «هاملت» و«جوليت»، ومن ثم يصير الجنون المتهمة به هو الجسر السحري المؤتي للخلود لأن المنطق الإنساني يرسخ للصحيح وإن قاومه في البداية.
فالذات الواعية بأصول الخطاب الحجاجي، والمقتنعة بسلامة موقفها وصلابته، عندما تستدعي هاتين الأمثولتين الأليفتين، فإنها بذلك تكسب انتصارها المحتوم شرعيةً، ومن ثم فعلى المتلقي أن يهيّئ أفق انتظاره لاستقبال ختام القصة التي تومئ بانتصار وعي المرأة على وعي الجماعة المضلل، واستشفائها من ثأثير الحقن:
( ـ تحدثي أني أستمع إليك.
ـ لا أود أن أكون شجرة.
ـ لا تودين أن تكوني شجرة؟
ـ نعم.
ـ منذ متى وأنت لا تودين أن تكوني شجرة؟
ـ منذ أن رأيت الأشجار في الفجر.
ـ أنتِ تحتاجين لراحة.
ـ لم لا؟!
ـ خذي هذا الدواء..فالحقنة وحدها لم تعد تكفي).
الجنون.. الانفلات من الواقع المأزوم
سيظل الأدب هو الميدان الأرحب الذي تتأكد من خلاله إنسانية الذات البشرية، ويعد «الأدب المقارن» هو الأيقونة التي تؤشر إلى مفهوم التشارك الإنساني في الأفكار والقيم والمبادئ، فعبره يتضح أن الفكرة الأدبية تتدثر بالبعد الإنساني التي يجعلها قادرة على تجاوز التخوم الجغرافية والحدود السلكية، فربما وجدنا أديباً من الصين يتناول الفكرة عينها التي عالجها أديب آخر من البرازيل أو السعودية أو النمسا....مع اختلاف الطرائق والآليات، دون أن يعني ذلك أن أحدهم قد سطا على فكرة الآخر، فالأدب المقارن ينماز بالنظرة التسامحية المؤمنة بحرية انتقال الأفكار وتداولها، لأن الذات الإنسانية في مجملها كيان واحد، وإن تنوعت المظاهر الشكلية.
إن الجنون الذي لجأت إليه الذات في قصة «امرأة أنا» للقاصة المصرية ليلى الشربيني، تلجأ إليه الذات المعذبة في قصة A FUROR DI LACRIME «من فرط الدموع» للكاتبة الإيطالية ANNA MARIA SCARAMUZZINO «أنّا ماريا سكاراموتيسينو» إذ نلفي أنفسنا في هذه القصة أمام ذات تعتريها مشاعر الخوف والرهبة والخشية من المستقبل نتيجة الفقر المدقع الذي تعيش فيه، ويبدو شبح صاحبة البيت ـ التي ستأتي لتطالبه بدفع الإيجار المتأخر ـ يطارده في أحلامه، وفجأة يجد الأداة السحرية التي يتجاوز بها أزمته، وهي الدموع فقد اكتشف أن كل دمعة يذرفها تتحول إلى حفنة من الليرات، فليس عليه سوى البكاء لكي تنهال عليه الأموال التي يمد يده داخل بنطاله ليأخذها، وبالفعل يعيش فترة من الزمن في هذه الحياة الرغدة، ولكن دوام الحال من المحال، ففجأة يصبح غير قادر على البكاء، ومن ثم غير قادر على كسب الأموال، ـ وهنا يتأزم الوضع، فيسعى بشتى الطرق إلى إشعار ذاته بالألم لكي يبكي، فيستدعي ذكريات سيئة دون جدوى، فيجرح يده غير أن ذلك لا يجدي نفعاً، وتعلن نهاية القصة عن فجاعة الواقع:
(أشعر بمرور كل هذه الآلام على وجنتي وأبكي، أبكي، أنا سعيد ببكائي، سعيد بإفراغ ما في داخلي مع هذا الصمت الصديق المتصدق، ثم انتفض، تذكرت الماضي القريب وكدت أقفز من السرير.
ــ أنا أبكي.. أنا أبكي...
صرخت بأعلى صوتي، حاولت أن أضع يدي في جيبي ولم أفلح.
أين ذهبت يداي؟ صرخت «أين هما؟».. لقد عادت دموعي... ساعدوني... ساعدوني...
فتح الباب ودخل منه شخص لم أنجح في التعرف عليه. قلت لهم أنا أختنق...أنا أختنق «بسرعة..بسرعة خذوا يدي...لا أجدها..ضعوها في جيبي». سمعت صوت رجل آخر يقول: «حقنة أخرى».
صرخت بإلحاح «يداي..يداي..إنني أبكي..أنا أبكي، دموعي...وقد عادت دموعي»
ألصقتني ذراعان كبيرتان على السرير، ودخلت في مؤخرتي إبرة.
قال رجل قبل أن يخرج ويغلق الباب: «يجب ألا يخلع القميص لفترة أخرى على الأقل».
منذ ذلك اليوم وأنا أبكي وأبكي دون جدوى).
إن الذات هنا مثلها مثل ذات المرأة تعاني من السياق الذي يحاول أن يحقنها بمبادئه ولكنها ترفض، فالذات تتجرد من جنسيتها وعرقها ولونها ودينها ولغتها ولا تدثر سوى بقرابتها الإنسانية الرهيفة التي تجاوز التخوم الاصطناعية وتقفز فوق الأسلاك الشائكة ببراعة إبداعية، فالذات الأوروبية تعاني من الواقع المأزوم مثلها مثل الذات العربية، فالمسافات البعيدة تتآكل بفضل توحد الأزمة وتوحد الأداة التي تلجأ إليها الذات للهروب منها... إنه الجنون الذي ينغوي به الإنسان العاجز عندما يعجز عن التأقلم مع واقعه.
|