الاقتصاد المبني على تكنولوجيا المعلومـات
ومـدى إسهـــامــه فــي التـنـميـــة
د. رضا عبد الحكيم إسماعيل رضوان
إن اقتصاد المعلومات هو الاقتصاد الذي يقوم أساساً على المعرفة والاتصالات كمنابع للثروة بدلاً من الموارد الطبيعية وقوة العمل التقليدية، ويعتمد في مختلف قطاعاته على المعلومات في إنتاج السلع والخدمات، كما تزيد فيه قوة العمل المعلوماتية عن قوة العمل في بقية القطاعات الاقتصادية.
تهتم معظم الدول النامية بتكنولوجيا المعلومات من أجل الاستفادة منها في إحراز معدلات أعلى للتنمية الاقتصادية وعدم الانعزال عن فرص التقدم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الدولية، ولتحديث نظم الاتصالات في الدول النامية تأثير مباشر على زيادة النمو الاقتصادي، فرفع مستوى جودة الاتصالات يعني النفاذ إلى أسواق الصادرات وسرعة انتشار التكنولوجيا الحديثة. والقضية الرئيسية في الدول النامية تتمثل في أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تزيد من سرعة الاندماج في السوق العالمية والعولمة واتساع السوق والمنافسة، وفي بيئة المنافسة تصبح تكنولوجيا المعلومات وسيلة مهمة للنهوض الاقتصادي.
ويوجد شبه إجماع في أدبيات التنمية على ضرورة وجود اقتصاد مفتوح وأسواق منافسة مع تدخل محدود للحكومة في النشاط الاقتصادي لتصحيح فشل آليات السوق، وذلك من أجل الخروج من آثار التخلف.
إن التحول إلى مجتمع المعرفة يعني بناء مجتمع يشجع الابتكار والإبداع والبحث العلمي، والاستجابة لتكنولوجيا المعلومات، وإطلاق حرية الممارسات الديمقراطية.
المعلومات واقتصاد المعرفة
كانت المعرفة منذ الأزل المولّد الرئيسي لكل الأنشطة الإنسانية، مهما كان نوعها وتوجهها ومستواها، ولكنها لم تستثمر استثماراً حقيقياً، ولم يُلتَفَت إلى أهميتها الفعلية إلا مع نهايات الألفية السابقة وبدايات الألفية الحالية، بحيث تحوّلت إلى ركن أساسي من أركان الاقتصاد العالمي، الذي تحرر من قيود رأس المال، والعمال، واتكأ على المعرفة إما بشكل كلي فيما يُعرف بـ (Knowledge Economy) الذي يشير إلى اقتصاد المعرفة، أو شبه كلي فيما يُعرف بـ(Knowledge-Based Economy)، الذي يشير إلى الاقتصاد المبني على المعرفة، إلا أن هذين المصطلحين يُعرفان على وجه الإجمال بين المختصين باسم (اقتصاد المعرفة).
ويمثّل اقتصاد المعرفة اتجاهاً حديثاً في الرؤية الاقتصادية العالمية، ينظر إلى المعرفة بوصفها محرك العملية الإنتاجية، والسلعة الرئيسية فيها، إذ يرى أنها تلعب دوراً رئيسياً في خلق الثروة غير المعتمدة على رأس المال التقليدي، ولا على الموادّ الخام، أو العمال، إنما تعتمد كلياً على رأس المال الفكري، ومقدار المعلومات المتوفرة لدى جهة ما (شركة، أو دولة،.. إلخ)، وكيفية تحويل هذه المعلومات إلى معرفة، ثم كيفية توظيف المعرفة للإفادة منها بما يخدم البعد الإنتاجي.
وبظهور اقتصاد المعرفة في عالم الاقتصاد ظهرت مفاهيم جديدة مصاحبة له، مثل: المعرفة الإنتاجية، ورأس المال الفكري والبشري، وثقافة المعلومات وغيرها. وإذا كان رأس المال الفكري أو البشري يعني المهارات والخبرات التي تمتلكها مجموعة من الكفاءات البشرية، وثقافة المعلومات تعني القيم اللازمة للتعامل مع عصر المعلومات، كما أشار إلى ذلك د. صلاح زرنوقة في مقالته (قراءة في مفهوم اقتصاد المعرفة)، فإن مفهوم المعرفة الإنتاجية يظلّ مفهوماً دقيقاً، يستدعي التوقف عنده، رغم أنه لم يعدْ حديثاً، لكنه يثير الكثير من الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق، ومن جملتها: ما المعرفة؟ وكيف تكون المعرفة إنتاجية؟ أو كيف يتحقق اقتصاد المعرفة؟
يمكن أن نظفر بتعريف مبدئي للمعرفة بأنها: المعلومات التي يملكها الشخص امتلاكاً يخوّله الاستفادة منها في كتاب مثل (الإنسان والمعرفة في عصر المعلومات) لـ(كيث دفلين).
وقد تنبّه بعض علماء الاقتصاد إلى إمكانية الاستفادة من المعرفة لتصبح سلعة اقتصادية يمكن استثمارها (أو استغلالها!) لتحقيق قدر أكبر من الأرباح، وجني الكثير من الأموال، فكان أن انبثقت فكرة علم الاقتصاد المعرفي ليصبح اقتصاد القرن الواحد والعشرين، نتيجة الطفرة المعلوماتية التي تغمر العالم منذ نهايات القرن الماضي في مختلف المجالات.
ولكن لماذا المعرفة بالذات؟ وكيف يمكن أن نتقبل فكرة الالتفات إلى المعرفة بوصفها سلعة اقتصادية بعد أن كانت السلع الاقتصادية تعتمد على مواد خام كما في الزراعة والصناعة والبتروليات.. إلخ.
وبقليل من التفكير يمكن لأي منّا أن يتنبّه إلى أن عماد الاقتصاد الناجح هو وجود مادة خام غير قابلة للنضوب على المدى الطويل، أو غير قابلة للنضوب إطلاقاً. ومثل هذا الشرط ينطبق على المعرفة التي تعدّ معيناً لا ينضب، ولا يخشى القائمون على هذا الاقتصاد مجيء يوم ينفد فيه مخزونهم المعرفي. ولا تتميز المعرفة فقط بكونها تمثّل رأس المال الذي يطمئن أربابه إلى عدم نضوبه، بل إن من طبيعتها أن تزداد مع الاستخدام بحسب د. زرنوقة؛ فاستخدام المعلومات يولد المعلومات، واستخدام المعرفة يخلق معرفة إضافية.
وقد أصبحت المعرفة، بعد اتحادها مع الاقتصاد، ذات تأثير كبير في مختلف الجوانب الحياتية، خصوصاً في ضوء الطفرة التكنولوجية، والثورة المعلوماتية، التي وفّرت المادة المعرفية للجميع بلا استثناء، وبقي فقط أن يتعلم الجميع بلا استثناء كيفية الإفادة من هذه المادة المعرفية، وتوظيفها، وحسن إدارتها.
ومما لا شك فيه أن التكنولوجيا الحديثة تؤدي دوراً مهماً في هذا النوع من الاقتصاد، ولكنها لا تؤدي الدور كاملاً، إذ يجب أن تتضافر معها جهود العقول البشرية المفكرة والمنتٍجة، وكذلك العلاقات الاجتماعية التي قد تكون أكثر أهمية من معرفة مبادئ علمية شديدة الدقة والتخصصية كما جاء في مجلة (عرين) الصادرة عن مجلة النادي العربي للمعلومات. إذن، يجب أن يُحسَن فهم هذا النوع من الاقتصاد، وعدم حصره في زاوية واحدة ضيقة، لا تمثله حق التمثيل، ولا تعبر إلا عن جزء يسير من المفهوم الذي ينطوي تحت المصطلح.
إن النظر إلى البعد التكنولوجي بوصفه أساس هذا النوع من الاقتصاد يعني أن تُحرَم دول كثيرة من حقها في اللحاق بركب الدول التي قطعت شوطاً طويلاً في هذا الميدان، ولكن الحقيقة هي أن أي دولة، مهما كان نصيبها من السلة التكنولوجية، تستطيع أن تدرك ذلك الركب إن هي أحسنت فهم أبعاد الاقتصاد المعرفي، وعرفته من جميع جوانبه، وعملت على توفير أهم أسسه، وهو رأس المال الفكري، لمواطنيها في مواقعهم الوظيفية المختلفة، وذلك من خلال التأكيد على برامج التعليم الدائم والمستمر، والتركيز على تجديد العلوم والمعارف في مختلف التخصصات وتحديثها، وتوظيف كل معرفة جديدة في المجالات التي يمكن أن تؤثر فيها تأثيراً إيجابياً وفعالاً. بهذه الطريقة يمكن لأي دولة أن تصيب سهماً وافراً من هذا النوع من أنواع الاقتصاد، الذي بدأ حيزه يتسع في السنوات الأخيرة، ويكاد تأثيره يتفوق على تأثير الأنماط التقليدية التي عرفها الميدان الاقتصادي من قبل.
يمثّل اقتصاد المعرفة اتجاهاً حديثاً في الرؤية الاقتصادية العالمية، ينظر إلى المعرفة بوصفها محرك العملية الإنتاجية، والسلعة الرئيسية فيها، إذ يرى أنها تلعب دوراً رئيسياً في خلق الثروة غير المعتمدة على رأس المال التقليدي، ولا على الموادّ الخام، أو العمال، إنما تعتمد كلياً على رأس المال الفكري
إن الاستخدام المبدع لتكنولوجيا المعلومات يحتاج إلى مهارات جديدة، فمازالت اللغة الإنجليزية تهيمن على تطبيقات تكنولوجيا المعلومات وشبكة الإنترنت، مما يعكس تأثير الثقافة الأنجلوسكسونية عليها، ومن هنا أصبح إتقان اللغة الإنجليزية من أهم المهارات المطلوبة في استخدام تطبيقات تكنولوجيا المعلومات
انعكاسات تكنولوجيا المعلومات على التشغيل ومعدلات النمو
إن الاستخدام المبدع لتكنولوجيا المعلومات يحتاج إلى مهارات جديدة، فمازالت اللغة الإنجليزية تهيمن على تطبيقات تكنولوجيا المعلومات وشبكة الإنترنت، مما يعكس تأثير الثقافة الأنجلوسكسونية عليها، ومن هنا أصبح إتقان اللغة الإنجليزية من أهم المهارات المطلوبة في استخدام تطبيقات تكنولوجيا المعلومات، وهناك ثلاث مهارات أخرى ذات تأثير فعال في تطبيقات تكنولوجيا المعلومات، وهي:
- مهارات المشاركة والعمل الجماعي التي تساعد على رفع كفاءة الأداء في شبكات الاتصال والمعلومات.
- مهارات فنية مطلوبة لتدعيم عمليات التصميم والتنفيذ والصيانة لشبكات الاتصالات، كما أن تكنولوجيا المعلومات تتطلب مهارات فنية لتركيب المعدات وتدريب المستخدمين وإجراء عمليات الصيانة.
- يلزم توفير مهارات للرقابة في إدارة شبكات الاتصالات المعقدة وخدمات المعلومات وتطبيقاتها.
ولعل الدول النامية الأكثر فقراً تواجه مشكلات كبيرة عند التصدي لتوفير هذه المهارات، وحتى إذا توفرت هذه الإمكانيات فإن هذه الدول تحتاج إلى فتح فرص للتعليم غير الرسمي من أجل تحديث وتقوية هذه المهارات، كما أن ارتفاع نسبة وحجم الشباب في التركيب السكاني للدول النامية يعني زيادة الطلب على خدمات المعلمين والمدربين المؤهلين، ورفع كفاءة نظام التعليم ليقدم للشباب تعليماً فعالاً ونافعاً للمجتمع وتنميته، وهنا نجد أن تطبيقات تكنولوجيا المعلومات يمكنها أن تدعم هذه الإجراءات.
ويمتد تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى التشغيل وتوزيع المهن في الدول النامية، وسوف يتأثر مستوى التشغيل بالنمو في الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع مستوى الإنتاجية، خاصة في القطاعات الجديدة لخدمات المعلومات. وسوف تزيد الآثار المباشرة وغير المباشرة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات مع تغير الهيكل الإنتاجي للدول النامية الناهضة في التحول إلى مجتمع المعلومات، وتساهم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في توضيح المزايا النسبية وحركة رؤوس الأموال الدولية.
هناك عوامل تؤثر في قدرة الدول النامية على استيعاب التجديد والتحديث التكنولوجي منها مدى توفر البنية الصناعية والتكنولوجية من مصانع ومدارس وجامعات ومراكز بحوث وتدريب تكنولوجي، وتوفر المعرفة الفنية والموارد البشرية أي القوى العاملة والخبرة المهنية والعملية والقدرات البحثية، ومن الضروري توفر القبول الاجتماعي للتكنولوجيا والقدرة على التعامل معها
مما لا شك فيه أن التكنولوجيا الحديثة تؤدي دوراً مهماً في هذا النوع من الاقتصاد، ولكنها لا تؤدي الدور كاملاً، إذ يجب أن تتضافر معها جهود العقول البشرية المفكرة والمنتٍجة، وكذلك العلاقات الاجتماعية التي قد تكون أكثر أهمية من معرفة مبادئ علمية شديدة الدقة والتخصصية
تكنولوجيا الاتصالات وزيادة معدلات النمو والعائد على الاستثمار
تعمل وسائل الاتصالات الحديثة على تقليل الوقت وخفض تكلفة نقل المعلومات وبينما تسهل تخزين ومعالجة المعلومات، فإنها أيضاً تتضمن بعض ملامح تكنولوجيا المعلومات وخاصة اتساع حجم السوق ورفع القدرة على المنافسة، وانتشار عمليات التجديد والابتكار في مجال الإنتاج. وتستخدم طريقة معدل عائد الاستثمار في الاتصالات لتقدير منافع شبكة التليفونات، وفي تقرير البنك الدولي حول التنمية في العالم لسنة 1994 يعطى متوسط معدل العائد المالي للاستثمار في مشروعات الاتصالات بنحو 20%، وهو معدل مرتفع نسبياً، فضلاً عن منافع أخرى لهذه المشروعات مثل انتشار تطبيقات تكنولوجيا المعلومات وخفض تكلفة الاتصالات، والآثار الخارجية الإيجابية لشبكة التليفونات لانجدها في عائد الاستثمار في مجال الاتصالات وإنما في آثارها على الناتج الإجمالي.
ولتقدير التأثير الكلي لشبكة الاتصالات على النمو الاقتصادي نحتاج إلى معرفة منافع الاستثمار في مجال الاتصالات، وقد أجريت دراسات أثبتت أن الدول التي يتوفر بها شبكة جيدة للاتصالات تحقق معدلات نمو أعلى وتوجد أدبيات اقتصادية حول تأثير الاستثمار في البنية الأساسية ومحددات النمو الاقتصادي، ووضعت معايير وعوامل للنمو الاقتصادي منها درجة انفتاح الاقتصاد القومي على السوق العالمية، وارتفاع مستوى التعليم وكفاءة أداء المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والنمو السكاني والعمراني المتوقع. كما يوجد نموذج مبسط، وفيه يكون ارتفاع مستوى شبكة الاتصالات بزيادة عدد التليفونات مقارناً بعدد السكان وارتفاع مستوى الاستثمار في التعليم على معدلات النمو في المستقبل. وإذا استطعنا السيطرة والتحكم في المعدلات الأخرى تصبح التليفونات في مرتبة أقل ضمن المتغيرات المؤثرة في النمو.
كما توضح دراسات أخرى أنه توجد صعوبات في تقدير أهمية مدخلات رأس المال مثل التعليم والبنية الأساسية في نماذج انحدار النمو، وهذه المدخلات تعتبر مستقلة وتزيد مع اضطراد النمو الاقتصادي، فمثلاً من الصعب القول إن التعليم وحده يسبب النمو الاقتصادي أو إن ارتفاع الدخل وحده يؤدي إلى ارتفاع مستويات التعليم، وقد اتضح من البحث أن المشكلة تتمثل في أن مدخلات رأس المال العيني والتعليم والاتصالات ليست المنابع الأساسية للنمو. ففي نموذج كامل للنمو متعدد الأبعاد لا يجب علينا فقط أن نأخذ في الاعتبار مصادر النمو التقريبية مثل ارتفاع الإنتاجية وتراكم رأس المال وإنما أيضاً القوى التي تقود الإنتاجية والاستثمار، على سبيل المثال فإن وجود إطار تشريعي ومؤسسي جيد يمكنه أن يشجع الاستثمار، وبالتالي يرفع مستوى النمو والاستثمار، ونموذج كامل للنمو يجب أن يتضمن كلتا الآليتين، أي أن العوامل المؤسسية تؤثر في الاستثمار، والاستثمارات ترفع معدلات النمو.
ويجب النظر إلى عملية النمو الاقتصادي كعملية متعددة الأبعاد، فالنمو الاقتصادي يتمثل هنا في رفع مستوى الإنتاجية وتراكم رأس المال، وكلاهما يمكن تفسيره بقوى أخرى، فنجد أن بعض الاقتصاديين يركزون على دور العوامل الجغرافية كمحددات للأداء الاقتصادي على المدى البعيد، بينما آخرون يركزون أكثر على العوامل الثقافية والحضارية، وما يهمنا هنا هو تقدير العلاقة الهيكلية بين تراكم رأس المال، خاصة الاستثمار في الاتصالات، والنمو الاقتصادي، وينطلق بعض الاقتصاديين من اعتبار أن الناتج القومي الإجمالي يرجع في المقام الأول إلى دالة الإنتاج، وفي دالة الإنتاج لدى النيوكلاسيك يعزى الناتج إلى التكنولوجيا، ورأس المال العيني والعمل ويضاف إليها التعليم والبنية الأساسية لرأس المال، ويفترض أن لكل بلد مستوى معين من التكنولوجيا، وأنها تنمو في كل بلد بمعدل يتغير كل فترة زمنية، وفي تقدير دالة الإنتاج نجد أن رأس المال العيني ورأس المال البشري والبنية الأساسية لرأس المال هي عناصر مهمة في دالة الإنتاج.
تمثل البنية الأساسية للعلم والتكنولوجيا أهم مقومات المنظومة القومية للعلم والتكنولوجيا، من حيث الموارد والمؤسسات المالية والنظم الإدارية والتشريعات القانونية المنظمة لهذه المؤسسات، بالإضافة إلى السياسات والقيم والوظائف المنوطة بهذه المؤسسات، وعلى الدول النامية إذا أرادت الاستفادة من التقدم التكنولوجي أن تعمل على تغيير هياكلها الإنتاجية حتى يمكنها التلاؤم مع التغيير التكنولوجي واستيعاب التكنولوجيا وتطويرها، ولا شك في أن تشجيع التغير التكنولوجي سيكون في صالح جميع الدول في منظومة الاقتصاد العالمي المعاصر. والبنية الأساسية للعلم والتكنولوجيا تعرف بدلالة المؤسسات والهياكل الاجتماعية التي تتضمن أنشطتها أساساً الاكتشافات وشيوع المعرفة العلمية والتكنولوجية.
وهناك عوامل تؤثر في قدرة الدول النامية على استيعاب التجديد والتحديث التكنولوجي منها مدى توفر البنية الصناعية والتكنولوجية من مصانع ومدارس وجامعات ومراكز بحوث وتدريب تكنولوجي، وتوفر المعرفة الفنية والموارد البشرية أي القوى العاملة والخبرة المهنية والعملية والقدرات البحثية، ومن الضروري توفر القبول الاجتماعي للتكنولوجيا والقدرة على التعامل معها، وأن يكون حجم السوق المحلية كبيراً نسبياً، ويلزم لتطبيقات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إذن توفير بنية أساسية مناسبة، وبينما تحتاج بعض الدول النامية إلى إنشاء شبكة اتصالات ذات سرعة عالية، فإن البعض الآخر يحتاج فقط لمجرد توسع بسيط لخدمات شبكة التليفونات أو تقوية الإرسال التلفزيوني، وهناك العديد من الدول النامية تفتقر إلى معدات الكمبيوتر وتطبيقات البرمجيات، ولعل انتشار التليفون المحمول وهو تطبيق متقدم لتكنولوجيا الاتصال اللاسلكي، سوف يؤدي إلى التغلب على بعض الصعوبات في تقديم خدمات الاتصالات في المناطق النائية والمعزولة، أو مناطق الغابات والجبال، فقد تم إدخال استخدام التليفون المحمول وشبكة الإنترنت في بعض مناطق الغابات في إفريقيا، ونتج عن ذلك خلق نوع جيد من الاتصال بين القاطنين في هذه المناطق وخارجها، حتى إن سكان بعض الغابات الإفريقية يمارسون التجارة الإلكترونية لمنتجات الغابات الاستوائية عن طريق شبكة إنترنت والتليفون المحمول، وستشهد السنوات العشر القادمة انتشار تطبيق هذا النوع من خدمات الاتصالات، وبزيادة الطلب عليها ستنخفض تكلفتها وبالتالي ثمنها.
وتعتبر البنية الأساسية بوجه عام هي المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، حيث يستفاد من جداول المدخلات والمخرجات والحسابات القومية في كل من الولايات المتحدة واليابان أن الاتصالات السلكية واللاسلكية تستخدم في جميع القطاعات الاقتصادية تقريباً، والمستخدمون يطلبون هذه الخدمات للاستهلاك المباشر ولرفع إنتاجيتهم وتوفير الجهد والوقت، وبالتالي تقليل التكلفة.
وبمفهوم علم الاقتصاد يخلق التوسع في شبكة الاتصالات آثاراً خارجية بمعنى أن المنافع التي تعود على مستخدمي شبكة الاتصالات تزيد بمعدل أكبر من التوسع فيها، وتحدد فرص المكالمات عبر شبكة التليفونات بعدد المواطنين الذين يرسلون ويستقبلون هذه المكالمات، ولو كانت شبكة الاتصالات ضيقة ومحدودة فإن كلا الطرفين المرسل والمستقبل تكون استفادته ضئيلة، وتبين بعض الدراسات أن زيادة القدرة على الاتصال التليفوني بنسبة 20? تزيد من الفرص بأكثر من أربعة أضعاف، وبمعنى آخر فإن تزايد منافع شبكة الاتصالات مقاسة في زيادة فرص الاتصال، يبلغ أضعاف معدل التوسع في شبكة الاتصالات.
وتوجد أربعة خيارات فيما يتعلق بملكية مرافق الاتصالات وتحسين خدمات الاتصالات في الدول النامية:
أولاً: ملكية عامة لمرافق الاتصالات وقيام مشروع عام بالإدارة.
ثانياً : ملكية عامة لمرافق الاتصالات مع التعاقد مع القطاع الخاص على التشغيل والإدارة.
ثالثاً: ترك ملكية وتشغيل مرافق الاتصالات للقطاع الخاص مع وضع تنظيمات وضوابط تحددها الحكومة.
رابعاً: قيام المجتمع المحلي والمنتفعين بتوفير الخدمة بالجهود الذاتية.
ويستفاد من الدراسات التي أجريت في معهد التنمية بجامعة هارفرد حول أثر البنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التنمية، أن اتساع شبكة التليفونات وتطوير الاتصالات له أثر كبير في رفع مستوى الإنتاجية أكثر من الأنماط الأخرى لرأس المال، وهذا العائد الإضافي على مستوى الاقتصاد الكلي يعتبر برهاناً على حدوث آثار خارجية إيجابية، وأن اتساع شبكة التليفونات والاتصالات ترفع الكفاءة الاقتصادية عند خفض قوة الاحتكارات المحلية بزيادة المنافسة، وبالتالي خفض الرسوم المفروضة على المكالمات التليفونية.
مطلوب من دولنا العربية سعي حثيث إلى تدعيم البنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتؤدي دورها في التنمية، وترفع من قدراتها التنافسية في السوق العالمية، ويحتاج متخذو القرارات إلى إلمام بالمشكلات المعقدة للاتفاقيات المنظمة لقطاع الاتصالات واتفاقيات التوحيد القياسي للمواصفات الفنية، واتفاقيات حقوق الملكية الفكرية وحمايتها، والمنظمات الدولية التي تهتم بتنفيذها.
توثيق الدراسة:
- د. صلاح زين الدين «تكنولوجيا المعلومات والتنمية» الهيئة العربية العامة للكتاب، مكتبة الشروق الدولية 2008م وللمؤلف أيضاً «الاقتصاد الدولي»، مطبعة دار الشعب 1998.
- ناريمان إسماعيل متولي: اقتصاديات المعلومات «دراسة للأسس النظرية وتطبيقاتها العملية على مصر وبعض البلاد الأخرى» المكتبة الأكاديمية القاهرة 1995.
- فاطمة البريكي «اقتصاد المعرفة» 2005. www.doroob.com
Crede, A., Mansell, R: Knowledge Society in a Nut Shell Information Technology for Sustainable Development: International Development Research Center, Ottawa 1998. Pp. 19.
|