مسارات النقد الثقافي


د. هاني علي سعيد

 

أدرك الغربُ أنَّ المناهج والنظريات التي تحكمهم باتت كالموتى الذين يديرون الحياة ويستحيل قتلهم، كما أدرك مثقفو أمريكا أنهم حُرموا من أن يروا الجديد غير الأوربي حين شُغلوا بوهْج التكنولوجيا، وهكذا عبّر "بودريار" حين وصف أمريكا (( بأنها صحراء من اللامعنى، وهي صورة للمآل الذي سيؤول إليه الآخرون، وهو مآل غير مُبهجٍ وغير إنساني في عُرف (بودريار)، صنعته المركزية الأوروبية )) (1)

إنّ هذا الاستهلال يحمل في عُرْفي دالّين، الأول كامن في الثقافة وما يُرْفَدُ معها من فلسفات، والآخر: يتمثل في التحول من المنهجية إلى الفلسفيّة التي تطرح الفكرة ونقيضها في آن، وذلك باعتبارها حدثا غير ممنهج، مما يعلل ما كان عليه النقد حين اعتمد على النظريات والمناهج الصارمة (2) كالأسلوبية الإحصائية والبنائية المستغلقة مما أدّى إلى دعوات الانفتاح بظهور قوى نقدية معارضة تمثّلت في اتجاهات الأسلوبية التعبيرية "لليوسبيتزر"، والبنائية التكوينية "للوسيان جولدمان"، وانتهاءً بالنقد الثقافي أو ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.

وهذان الدّالاّن (الثقافة والتحول) يطرحان – لديّ- دلالات، منها التوجّه الغربي إلى استكشاف الآخر وثقافته، من خلال نشاط الدرس الثقافي بدايةً من الثمانينيات بعد جدلٍ مع المناهج والنظريات، وهو أمرٌ أدرك الغرب من خلاله أنّ أولئك الذين يعيشون في المجاهيل بعيدًا قد تكون لديهم القدرة على خَرْق المركزيّة الأوربية، إنْ لم تتمكن أوربا من فتق ثقافتها والكشف عن أنساقها الثقافية في كافة المناحي؛ لذلك ظهرت نظريات (الانتخاب الثقافي) التي تعتمد على رصد ظواهر يكتب لها الشيوع داخل مجتمع ما، من مثل الشعيرة الدينية أو أسلوب في الفن أو طريقة في الصيد. وتشتمل هذه النظرية على ثلاث عمليات أساسية، أولها: أن تنشأ الظاهرة ، وهو ما يسمى بالتجديد، أو الإبداع، والثاني أن تنتشر الظاهرة من إنسان إلى آخر أو من جماعة لأخرى، وآخر هذه العمليات هي الانتخاب، ويُعنى به الآلية أو العامل وراء انتشار الظاهرة. (3)

أما بقيّة الدلالات فنوجهها نحو الوافد الجديد "النقد الثقافي"؛ للكشف عن مدى فاعليته في فَهم حركة الحياة بما في ذلك الحياة الأدبية.

- النقد الثقافي/ الإرهاصات والمفهوم:

تحتضن إرهاصات البداية الخاصة بظهور "النقد الثقافي" فكرة تراجع النظرية أو المنهج، حيث تجتمع الرؤى من مدارس مختلفة لتنجز نقدًا يعتنق الرؤية الحداثية الشاملة قبل التقيّد بضوابط منهج ما.

ولقد كانت أول ممارسة للنقد الثقافي في أوربا مع بداية القرن الثامن عشر، لكنها ممارسات لم ترق إلى مستوى معرفيّ إلا مع بداية التسعينيات من القرن العشرين وذلك حين دعا الباحث الأمريكي "فنسنت ليتش" إلى نقدٍ ثقافيّ ما بعد بنيويّ مهمته تمكين النقد المعاصر من الخروج من نفق الشكلانية، والدخول في أوجه الثقافة، ولا سيما تلك التي يهملها عادة النقد الأدبيّ. (4)

ويعدّ "ليتش" أوّل مَنْ أطلق مصطلح النقد الثقافي، وقد توقف أثناء تحديده للمصطلح عند الثقافة، وعبر عنها بأنها" دينامية( نشطة وحية)ومتعددة الأوجه، يدخل فيها الاقتصاد والتنظيم الاجتماعي والقيم الأخلاقية والمعنوية والمعتقدات الدينية والممارسات النقدية والأبنية السياسية وأنظمة التقييم والاهتمامات الفكرية والتقاليد الفنية (5) ، وعبّر "ليتش" عن خصائص النقد الثقافي بأنه لا يكتفي بالرصد الجمالي للنصوص، بل ينفتح إلى غيرها من الأنساق الثقافية، كما يستفيد من مناهج التحليل العرفية في تأويل النصوص ودراسة الخلفية التاريخية.

وإذا كان "ليتش" هو أوّل من حدد مصطلح النقد الثقافي في الغرب، فإنّ "الغذّامي" يعدّ أوّل من عرّبه وطبقه على الخطاب الأدبي العربي. وقد عرف الثقافة بأنها: "آليات الهيمنة من خطط وقوانين وتعليمات ... ومهمتها هي التحكم بالسلوك" (6)

وذلك بالإضافة إلى التعريف المعتاد بأنها أنماط السلوك والخبرات ومجموع العادات والتقاليد. وبذلك يكون للثقافة بعدان، الأول: مختزن، والثاني: مهيمن.

وفي سبيل وصول الغذّامي لمفهوم محدّد "للنقد الثقافي" أخذ يتساءل: "هل في ديوان العرب أشياء أخرى غير الجماليات التي وقفنا عليها ...؟"(7) وكانت بداية الإجابة منه على هذا السؤال تحمل بُعدًا انفصاليّا حادًا، وذلك حين وقف ،في ندوة شعرية عقدت بتونس ،يُعلن موت النقد الأدبيّ، وإحلال النقد الثقافي مكانه. (8)

وفي إطار هذا الإعلان الغذاميّ الخطير اتهم الغذامي النقد الأدبيّ بأنه "أوقعنا في حالة من العمى الثقافيّ التام عن العيوب النسقية المختبئة من تحت عباءة الجمالي" (9) وهو بذلك يوجه النقد من العناية بالجماليات البلاغية إلى الجماليات الثقافية من حيث البحث عن علاقة النص بالإيديولوجيات والمؤثرات التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية، مع إدخال الدراسة الجمالية أو الأدبية في التحليل النقدي الثقافي، بوصفها جزءًا من الثقافة، على ألا يكون البحث عن الجماليّ في النص مقصودًا لذاته ومقصورًا عليها فقط.

ووَفق هذه النظرة حدد الغذاميّ مفهوم "النقد الثقافي"، بأنه: "فرع من فروع النقد النصوصيّ العام، ومن ثَمّ فهو أحد فروع علوم اللغة وحقل (الألسنية) معنيّ بنقد الأنساق المضمرة التي ينطوي عليها الخطاب الثقافي بكل تجلياته وأنماطه وصيغه ... وإنما همّه كشف المخبوء من تحت أقنعة البلاغيّ الجماليّ، وكما أنّ لدينا نظريات في الجماليات، فإن المطلوب إيجاد نظريات في (القبيحات)، لا بمعنى البحث عن جماليات القبح ... وإنما المقصود بنظرية القبيحات هو كشف حركة الأنساق وفعلها المضاد للوعيّ وللحس النقدي" (10)

لقد أمسك "الغذامي" بالعيب الأكبر للبلاغة والنقد الأدبي، المتمثل في أن البلاغة لا تخترع الجماليّ ولا تؤسسه، فقط تقول لنا: لماذا الجميل جميل ...؟ وتعجز عن الكشف عن مضمرات الخطاب الثقافي وعيوبه النسقية.

النقد الأدبي والنقد الثقافي/مسألة تهديد الجماليّ:

إذا كان النقد الأدبيّ يهتم بالنصوص ذات القدرات الجمالية والبلاغية مع إهماله النصوص المهمّشة، كما يركز على المنتوج الدلالي للغة النص، ويهتم بالجانب الفني للكلمة داخل إطار النص، والكشف عن جمالياتها البلاغية، مع الاستفادة من القواعد المتوارثة التي يُحكّمها في تحليله الجمالي للنصوص – فإنّ النقد الثقافي يهتم بكل ما يحيط بالنص، يربط النص بسياقه وظرفه، ويستفيد من العلوم الإنسانية والفلسفية،كما أن لديه قدرة على اكتشاف الأخطاء الحضارية،وذلك من خلال البحث عن صلة اللغة بالمجتمع والبيئة لا صلتها بالنص فقط، واهتمامه بالنصوص المهمشة لكونه لا يؤمن بفكرة النصّ النخبوي (11) ،

فهو يجمع كل أشكال الخطاب بغض النظر عن مدى القدرات البلاغية المتوفرة للنص.

وهذه المقابلة بين النقد الأدبي والنقد الثقافي لا تعني بحال الانفصال فيما بينهما، وإنما بينهما تماهٍ، إذ النقد الأدبي وجمالياته جزء من الثقافة، وبذلك لا يُهدد النقدُ الثقافي فكرة "الأدبيّة" أو "الجمالية" الخاصة بالأدب، بل هي مسار مهم من مسارات النقد الثقافي إلى جانب التاريخ، والفلسفة، والعلوم الاجتماعية، مما يمكننا من أن نقول: إن الأدب – والحالة هذه- لا يُخشى عليه من هجر خصوصيته الجمالية، فهو يُدرس بوصفه نصًّا أدبيًّا وخطابًا ثقافيًا في آن، وذلك على أساس أن النقد الثقافيّ تجاوز للنصوص، ففي حين يقف "النقد النصيّ" عند الجماليات البلاغية من تقديم وتأخير وأساليب خبرية وإنشائية، وصور فنيّة، ومحسنات لفظية ومعنوية، نجد النقد الثقافي منطلقًا إلى حدود خارج الكلمة وجمالياتها، حدود تتصل بالفلسفة والتاريخ والاجتماع ...، مع عدم إهماله للجمالي، وذلك بهدف الكشف عن النسق المصحح للأخطاء الحضارية.

- أهمية الجماليات الثقافية/وظيفة النقد الثقافي:

لمعرفة جماليات التحليل الثقافي The poetics of cultural analysis لا بد من التعرض لمفهوم جماليات الثقافة، وتتمثل في مجموع القيم والعادات والتقاليد والمعتقدات وأساليب التفكير وطرق المعيشة المرتبطة بالجانب الثقافي، وهذه الجماليات تستلزم وضع آليات جديدة في النظرة للنص الأدبي، وتوسيع آفاق الرؤية. والعلاقة بين الجماليات الثقافية والجماليات الأدبية أن الثانية تندرج تحت الأولى، لكوْن الجماليات الأدبية – رغم ضروريتها في نقد الخطاب الأدبي- فإنها غير كافية لمشروع النقد الثقافي. (12)

وتكمن وظيفة "النقد الثقافي" في كونه يُشرّح العمل أو الخطاب؛ معلّلا ديمومته وذيوعه، من خلال الوقوف على المعاني الباطنية، والدلالات الكامنة خلف الألفاظ المباشرة، ولو تأمّلنا شاعرًا "كأحمد مطر" نجده قد أثر في الكيان العربي، على الرغم من كونه لم يتسلّح بجماليات شاعرٍ كالبحتري في قوله:

أَتاكَ الرَبيعُ الطَلقُ يَختالُ ضاحِكاً مِنَ الحُسنِ حَتّى كادَ أَن يَتَكَلَّما

نعم يتناغم النُّخبة حين يسمعون هذا البيت وغيره من شعر البحتري، لكنّ جمالية شعره لا تدوم أمام جماليّات الثقافة المضمرة في شعر "مطر" حين شرّح الذات العربية وعبّر عنها، وبذلك تّبدو وظيفة النقد الثقافي في "نقد المستهلك الثقافيّ". (13)

وأهميته تكمن في أنه:

- يبتعد عن الانتقائية المتعالية، فكل خطاب داخل فيه دون انتخاب لخطاب بعينه.

- ربط العلوم الإنسانية بالأدب مما يُساهم في إثراء النص.

- تذوق النص بوصفه قيمة ثقافية، لا بوصفه قيمة جمالية فقط.

- الكشف عن جماليات أخرى للنص لم يُلتفت إليها من قبل.

- الكشف عن القيم الفعلية للخطاب الأدبي ووضعها في حيز التطبيق.

- الاهتمام بالنصوص المهمّشة.

- مجال عمله ورواده:

يدرس النقد الثقافي وفق هذه النظرة كل خطاب بغض النظر عن كونه شعرًا أو نثرًا، أو حتى كلامًا شعبيا، لذلك نجد من مجالاته العلوم والتكنولوجيا،

والرواية التكنولوجية، والخيال العلميّ، وثقافة الصورة والميديا، والثقافة الجماهيرية، والاستشراق، والدراسات النّسْوية، وثقافات البيئة، والعولمة Baligation ، والدراسات الأدبية. ويُعنى النقد الثقافي بالمتلقى الجمالي، والمتعلم، والشعبيّ.

ولم يكن غريبًا على الناقد الفرنسي "رولان بارت" أن يبرح النقد النصّي للأدب إلى كتابة المقالات النقدية حول سباق الخيل، والموضة، والأزياء ...، وقد تبنىّ النقد الثقافي في كتاباته، والتي ظهرت أيضا لدى "كلود ليفي ستراوس، وميشيل فوكو، وبيير بورديو، و"دريدا" من فرنسا، ولدى "وليم إمبسون، وماري دوجلاس، وريتشارد هوجارت" من إنجلترا، ولدى "إدوارد سعيد، وفريدريك جيمسون" من أمريكا، ولدى "أمبرتو إيكو" من إيطاليا، و"يورجين هابرماس، وثيودور أدورنو" من ألمانيا. وأخيرًا "عبد الله الغذامي، وعبد الملك مرتاض، وعبد القادر الرباعي"(14)

من العرب، "غير أن طه حسين" يعد الأسبق في ممارسة النقد الثقافي على الأدب العربي، وذلك في بحوثه التي حررها حول الأدب الجاهلي والمتنبي.

- الأنساق الثقافية:

لم يُمرر الغذامي التعريف السائد للنسق على أنه النظام System أو كل ما هو على نظام واحد، وذلك حين أضاف إلى عناصر النموذج اللغويّ التي حددها ياكبسون في ستة عناصر هي: (المرسل، والمرسل إليه، والرسالة، والسياق، والشفرة، وأداة الاتصال) وجعل وظائفها على التوالي (وجدانية ذاتية، وإخبارية نفعية، وجمالية شاعرية، ومرجعية، ومعجميه، وتنبيهية) ليكون العنصر السابع هو النسق، ووظيفتهُ نسقية، وهو بذلك يجعل "النسق" مقابلًا "للدال" في النقد الأدبي؛ (15)

ليكون منطلقًا نقديًا وأساسًا منهجيًا.

وبما أن الخطاب الأدبيّ حادثة ثقافية فالنسق يعدّ إفرازًا ثقافيًا يستهلكه الجمهور، وتكون الجماليات البلاغية قناعًا تمُرّ من خلاله الأنساق بأمان، ويشترط الغذامي في الخطاب المنقود ثقافيًا أن يكون جماهيريًا، وأن يمتلك نسقين ظاهر ومضمر، وأن يكون النسقان في حالة صراع، كما يشترط فيه، أن يحظى بمقروئية عريضة مما ينمّ عن كونه خطابًا جماليًا.(16)

ووظيفة النسق تكمن في الكشف عن المضمرات الثقافية الموجودة في النص، وغالبًا ما تكون هذه المضمرات ذات تأثير كبير رغم كمونها، ويسميه الغذامي النسق المضمر، ويعرفه بقوله: "هو مضمر نسقي ثقافي لم يكتبه كاتب فرد، ولكنه انوجد عبر عمليات من التراكم والتواتر حتى صار عنصرا نسقيا يتلبس بالخطاب ورعية الخطاب من مؤلفين وقراء" (17)

وقد جعل الغذامي للنسق دلالة سمّاها "الدلالة النسقية" وجعلها تعمل في مقابل الدلالة الضمنية التي يقوم عليها النقد الأدبي الجمالي وعرفها بقوله: "علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصرًا ثقافيًا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرًا فاعلا" (18)

وقد عمد الغذامي إلى تقريب فكرة "النسق" من خلال تطبيقها على المتنبي، حين بدأ الحديث عنه بسؤال: "المتنبي مبدعٌ عظيم أم شحاذ عظيم أم هو الاثنان معًا ...؟" (19) وفي إطار هذا التساؤل جعل المتنبي ذا نسقين، الأول: نسق ظاهر يتمثل في فحولته الشعرية ومقدرته القولية في الأدب العربي ، أمّا النسق الثاني فمضمر يتمثل في كونه شحّاذًا منافقًا، وهذا النسق المضمر لعبت البلاغة بجمالياتها المختلفة على إخفائه، حتى عُدَّ مسلّمة لدى (الرعية/المتلقي/قارئ المتنبي) أن يكون المتنبي أشعر العرب، والدلالة النسقية هذه يتم اكتشافها من خلال شعر المتنبي بالإضافة إلى ما كتب عنه وعن سيرته وعن عصره، إلى غير ذلك ممّا حِيكَ ثقافيًا حوله،وذلك لتصحيح المسار الثقافي.

- موقف النقّاد العرب من النقد الثقافي:

في الوقت الذي أعلن الغذّامي فيه "موت النقد الأدبي" وتبنىّ النقد الثقافي، وباركه في ذلك "عبد الملك مرتاض" نجدُ الساحة النقدية تنشطر إلى شطرين، شطرٍ أخذ يألف هذا النقد ويربط بينه وبين الأدب والثقافة العربية، وشطرٍ آخر يمُجّه ويحذّر منه ويرى أنه لا جدوى من ورائه.

ولو أخذنا الدكتور"محمد عبد المطلب" كمثال على الشطر الأول الذي أخذ يبحث عن أصول هذا النقد الثقافي في الثقافة والنقد العربيّ، نلفاه يتحرك خلف ربط الثقافة بالنقد، وفك لغز المركب الإضافيّ الوافد (النقد الثقافي) بقوله: "والنقد الأدبيّ عندما يتماسّ مع الثقافة يستعيد ثوابتها، ويربطها بكمّ الوقائع النصّية بوصفها رموزًا، كما يستعيد الذوات الثقافية بوصفها أفكارا مُجرّدة" (20) ونراه يُحّدد أركان هذا النقد الثقافي ومجاله، من خلال "النصّ بوصفه نسقًا من الرموز والأفكار، بدءًا من مادة النص المحسوسة، وصولا إلى طبيعته التكوينية، ثم أثره التنفيذي، دون فصل بين هذه الثلاثية"(21) وفي محاولة للتقريب بين النقد الثقافي بوصفه وافدًا حداثيًا، وبين الوعي العربي، يشير "محمد عبد المطلب" إلى مقولة ابن سلام الجمحي التي يجعل الشعر فيها صناعة وثقافة، وهذه الثقافة نجدها موزّعة على الجوارح، فمنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان (22) ،

وبذلك يتوصل إلى أن الشعر معطى ثقافيّ، بل هو بالنسبة للعرب وثقافتهم أعظم هذه المعطيات على الإطلاق. ثم ينهي حديثه بعد ذلك بالحديث عن خصائص النقد الثقافي عند "ليتش"، وبذلك يكون ممّن تحمسوا لهذا الوافد الجديد، ويظهر ذلك في الربط بنيه وبين معطيات الثقافة العربية ومتطلبات الأدب.

أمّا مثال الشطر الثاني من الذين مجّوا النقد الثقافي وحذروا منه، فنلفى "عبد العزيز حمودة" حين حّذر من النقد الثقافيّ "بوصفه مشروعًا نقديًا جديدًا ... يمثل افتنانًا جديدًا بمشروع نقدي عربي تخطته الأحداث داخل الثقافة أو الثقافات التي أنتجته."(23)

ولا شك أن رأي الدكتور "عبد العزيز حمودة" ينتج عن إشكالية يعاني منها كلّ مثقف عربيّ، تتمثل في الاتباعية للقديم، والخوف من الجديد الغربيّ؛ لأمور نفسيّة مترسّبة تقف خلفها الهيمنة الغربية من ناحية، واعتبار الخوض في هذا الوافد من المجهول الذي يحتاج إلى جرأة لا تتناسب وشخصية العربيّ المستكينة من ناحية أخرى.

ومن الذين رأوا عدم جدوى "النقد الثقافيّ" الدكتور حاتم الصكر، وقد انصبّ كلامه على تجربة "الغذامي" مع النقد الثقافي، وذلك حين رأى أن محاولاته في النقد الثقافي حوّلت القراءة الثقافية إلى محاكمات أخلاقية بالمعنى الفلسفي، وتراجعت بالنقد إلى النبش في السير والاستدلال بالنصوص على ضِعة المتنبي ونرجسية أدونيس ... مما يعيد النقد للعمل داخل الحياة الخاصة والتاريخ والوقائع المشكوك بصحتها (24)

ويمكن أن نجعل الغذّامي يُبرر مدى صحة ما ذهب إليه "الصكر"، وذلك حين نستحضر قوله في مسألة الاحتكام إلى التاريخ والأخبار والوقائع في النقد الثقافي، يقول: "ولكل شاعر قديم نصّان أحدهما أشعاره المرويّة، والآخر قصص مبثوثة في الكتب" (25)

ويرى أن هذه القصص لم تُعط حقها من الاهتمام، وهي وإن كانت في معظمها غير صحيحة إلا أنها لسان حال الثقافة وهي تتكلم عن الهامشي والمغفول عنه. (26) وبذلك يجعل الغذامي القصص الملفقة نسقًا ثقافيًّا مهمًا حتى وهو ملفق، فله دور كبير في تصحيح الأنساق الحضارية. وبذلك يجعل الغذامي القصص الملفقة نسقًا ثقافيًّا مهمًا حتى وهو ملفق، فله دور كبير في تصحيح الأنساق الحضارية.

ممارسة النقد الثقافي/في الكيفية:

لابد أنْ نتفق على أن النص يصدر عن ثقافة، "وإذا ما كان الشعر هو ديواننا، أي سجلنا الثقافي والحضاري، فإنّ هذا سيعني بالضرورة أننا سنستلهم منه نماذجنا في الفعل وفي التصور، وسنتمثل سيئاته مثلما نتمثل حسناته، ولن نسلم من سيئاته إلا لو جرت عمليات نقد منهجيّ يُشرّح الخطاب الشعري، كذلك الذي نشأ في علم مصطلح الحديث" (27)،

من ثمّ فيمكن أن نحدد كيفية ممارسة النقد الثقافي وفق خطوات محددة:

- الابتعاد عن حدود الكلمات المباشرة، وربط النص بكل محيط فهو منتج ثقافيّ يؤثر ويتأثر بغيره.

- تناول الخطاب الجماهيريّ، الذي يحظى بمقروئية عريضة من الناس، بغض النظر عن شكله أكان شعرًا أم نثرًا، حكمة أم مثلا، نكتةً أم أغنية...

- الاستفادة من العلوم الإنسانية المرتبطة بأشكال الخطاب المنقود.

- البحث فيما ورائية الخطاب من مضمرات نسقية، وذلك للوصول إلى طريقة التفكير وأشكال السلوك، وأساليب التعبير، وكل ما يتصل بالجوانب المادية والروحية والفكرية والعاطفية.

- الإلمام بسيرة الشاعر، والاستفادة من الحكايات التي تسردها الكتب التاريخية.

- الربط بين الشاعر ونصّه وثقافته.

- الربط بين اللغة والنص من جهة واللغة والنص والثقافة من جهةٍ أخرى.

- معرفة الدلالات النسقية الموجودة في الجملة الثقافية، والمستترة خلف البهرجة اللفظية وجماليات البلاغة.

- القدرة على تأويل الرموز والأقنعة وتحليلها.

- الكشف عن المثاقفة التي تعبّر عن اتصال ثقافتين مختلفتين بحيث يفرض هذا الاتصال تغييرًا في شكل الثقافة السائدة.

- عدم إهمال الجانب الجمالي، وعدم قصر التحليل عليه، فهو عنصر ثقافي ينضاف إلى بقية العناصر الأخرى في الخطاب المنقود.

وتطبيقا لفكرة الأنساق التي أسس لها النقد الثقافي، نجد أنه لم يعد من المجدي ثقافيا أن نقول في رصد جماليات الصورة مثلا إنها تشبيه أو مجاز أو استعارة..،دون أن نبيّن الأنساق الموجودة خلف هذه الجماليات الفنية للصورة، وذلك بوصف النص مجموعة من العلامات الثقافية، بعد أن صار مكونا من جملة نحوية وبلاغية مضافا إليها جملة ثقافية.

وإذا كانت الجملة النحوية ذات وظيفة نفعية تواصلية، والجملة البلاغية ذات وظيفة أدبية جمالية تضاف للخطاب الأدبي ، فإن الجملة الثقافية تشير إلى المخزون الفكري الذي يحمله النص، أيًا كان هذا النص، وهذا المخزون لا يتعلق بإرادة المؤلف أو المرسل، ذلك أن هناك مؤلفًا مضمرًا يختبئ في لا شعوره، يملي عليه القواعد الأساسية للنسق الفكري المضمر.

وإذا كان الناقد الأدبي يبحث عن مواطن الجمال في النص الأدبي تبعا للمنهج الذي يتبناه،ويعمل على اكتشاف العيوب الجمالية في هذه النصوص، فإن الناقد الثقافي يتجه إلى بيان الأنساق الفكرية التي ينهض عليها النص، وجلاء عيوب هذه الأنساق الثقافية.

وبذلك يظهر لنا أن النقد الثقافي لا يبقى مشروطًا بالظاهرة الجمالية وحدها (28)،

بل بنسق مضمر يستعين بهذه الوسائل الجمالية لتمرير عيوبه وأيديولوجيته تحت الغطاء الجمالي. لذا فإننا في الوقت الذي نكشف فيه عن مستويات الجمال الصوَري في نص ما، نعمد إلى إبراز قبحيات هذه الجماليات من الناحية الثقافية.

- نموذج للتحليل الثقافي/ الجامع الأموي:

وهو نموذج مستل من كتاب النقد الثقافي للغذامي، يبين من خلاله التحليل الثقافي لنموذج معماري له شهرته في الثقافة العربية وهو الجامع الأموي،الذي يتحول إلى نص قابل للتحليل والقراءة، إذ يمكن قراءة هذا النص أو تحليله وفق المستويات الآتية:

1- القيمة النحوية: وهي تقابل الجمل النحوية ذات الدلالية النفعية في علم النحو. والجامع الأموي من هذه الناحية، أعني وظائفه النفعية، مكان للعبادة، وقراءة القرآن، وتلقي الدروس، والاسترخاء والتقاء الناس. وكل هذه الوظائف نفعية، وقد وجد الجامع ليؤدي هذه الوظيفة، ولذلك فإن أيّ خلل في أداء هذه الوظيفة سيظهر على أنه لحن أو خلل في النص، كأن يُمنع الناس من الدخول إليه، أو ينقطع الماء فلا يتوضأ المصلون .

2- الدلالة الجمالية: فالجامع الأموي مبنى جميل، فيه الكثير من النقوش والرسومات الهندسية الأخاذة التي تبهر الناظر إليها، وهو من هذه الناحية مشابه للنص الأدبي الذي يحمل دلالات جميلة. ويشترك الجميع في تلقي هذه الوظيفة سواء أكانوا من المنتفعين بقيمته النحوية أم لا. ولكن النقد الأدبي يقف عند هذه الوظيفة مذ كان همّه البحث عن الجمالي، والكشف عن العيوب التي تضرّ بالوظيفة الجمالية للنص.

3- الجملة الثقافية: يتحول الجامع الأموي في هذه القراءة إلى جملة ثقافية تحمل أو تكشف إشكالاً ثقافيًا، أو علامة ثقافية. وأهم هذه العلامات نسبة المكان إلى الحقبة الأموية التي تمثل حقبة عربية إسلامية، وتدل على خطاب يمثل حالة تحول جذري في تكوين الأمة. فهو مسجد ينسب إلى عشيرة، تحتل موقعاً جدلياً في نفوس المسلمين، وعلامة على تحول الخلافة إلى ملك. ومن الضروري التساؤل عن سبب بقاء هذا المكان من الحقبة الأموية، رغم زوال القصور والعمارات التي اتخذها خلفاء بني أمية.

وبذلك يرى الغذامي أن النسق المضمر في الجامع الأموي نسق مضادّ للسلطة والتاريخ، فالمكان لا يحتفظ من الحقبة الأموية إلا باسمه، أما ما سوى ذلك فإنه لا يمتّ إلى هذه الحقبة بِصِلة، بل إنه يشكل نسقًا مضادًا لنسق السلطة. فالقبر الذي فيه هو قبر لنبيّ ليس له ديانة معروفة، وليس له أتباع، ومن ثم فهو لكل الناس ما دام غير محصور بفئة أو دين أو طائفة، كما أنّ في المسجد قبرًا للحسين بن علي، وهو الرجل الذي قام بالثورة على خلفاء بني أمية، وبذلك فإن كل ما في المسجد ليس أمويًا باستثناء الاسم.

وعلى المستوى الشعري قدم الغذامي قراءات للأنساق الثقافية للمتنبي، وأبي تمام، وأدونيس، ونزار قباني، وهو في كلٍ حاول الخوض وراء الظاهر الجمالي، وكشف عباءة التزييف للمتنبي بوصفه نسقا دونيا، ولأبي تمام لكونه شاعرا رجعيا، ونسق الاستفحال وتزييف المشاريع الإبداعية لدى كل من نزار قباني وأدونيس، وهو ما يطول تتبعه هنا .(29)

وبذلك يصير النقد الثقافي أداة نقدية لا تبرر العمل وتعمل على تسويقه من الناحية الجمالية، وإنما تعكف على رصد أنساقه الثقافية والكشف عن عيوبه الثقافية؛ ليصير النص والنسق جدلية كبرى تشرِّح ثقافة الحياة.

 

الهوامش

(1) د/عبد الله الغذامي: ((النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية))، المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء، ط3، 2005م، ص35. والكتاب يعدّ الرائد في تعريب النقد الثقافي وتطبيقه على الثقافة العربية، ويشتمل على سبعة فصول، تناول الأول: النقد الثقافي وذاكرة المصطلح، وفيه يحاول الغذامي البحث عن إرهاصات النقد الثقافي في أوربا، ويأتي الفصل الثاني: ليتناول النقد الثقافي النظرية والمنهج، وفيه يؤصل لنقد ثقافي عربيّ ممنهج؛ مبينًا أهميته في الكشف عن الأنساق المضمرة، أما الفصل الثالث: فيدرس فيه النسق الناسخ/اختراع الفحل، وفيه يقدّم تطبيقا على رؤيته لبعض الرموز الشعرية في إطار النقد الثقافي، فيعرض للمتنبي وصلته بالصنم البلاغيّ، في حين يأتي الفصل الرابع: بعنوان (تزييف الخطاب/صناعة الطاغية) وهو امتداد في التطبيق على "أبي تمام والمتنبي" وكيف أسهمت جماليات البلاغة في تزييف مكانتهم الأدبية. ويأتي الفصل الخامس والسادس ويليهما السابع ممعنا في بسط قصة الشاعر الطاغية من خلال دراسة أدونيس ونزار قباني؛ مبيّنا الجميل الشعري في مقابل القبيح الثقافي. ولهذه الريادة سوف يكون عليه جل اهتمامنا في رصدنا لمسارات النقد الثقافي - هذا مع الإشارة إلى وجود دراسات أخرى قيمة في هذا الجانب من مثل:كتاب الدكتور. عبد القادر الرباعي: تحولات النقد الثقافي، دار جرير للنشر، ط1، 2007م، وكتاب الدكتور: محسن جاسم الموسوي: النظرية والنقد الثقافي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،ط1، 2005.،وكتاب الدكتور:صلاح قنصوة: تمارين في النقد الثقافي، ميريت للنشر والمعلومات، ط1، 2007م.
(2) و هو ما لم يزد المشكلة الأدبية إلا تعقيدًا؛ لأنّ هذه الصرامة أضفت بُعدًا أبعدَ النقد عن أدبيته.
(3) انظر:أجنر فوج: الانتخاب الثقافي، ترجمة شوقي جلال، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، عدد(609)، الطبعة الأولى، 2005،ص:78.
(4)انظر: الغذامي: ((النقد الثقافي، قراءة في الأنساق الثقافية العربية))، ص31 وما بعدها .
(5)فنسنت بي ليتش: ((النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات))، ترجمة/محمد يحيى، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 2000م، ص104.
(6)الغذامي: ((النقد الثقافي)) مرجع سابق، ص74.
(7) عبد الله الغذامي، ((النقد الثقافي))، م. س، ص7 .
(8)عقدت الندوة في تونس بتاريخ 22/9/1997م، وأخذ بعدها يُقاطع المحافل الشعرية القائمة على كشف جماليات الأدب من خلال النقد الأدبي، انظر: السابق، ص8.
(9) الغذامي، ((النقد الثقافي))، ص8.
(10)الغذامي، ((النقد الثقافي))، ص83، 84.
(11)النص النخبوي مقابل للنص الشعبيّ الجماهيري ويهتم النقد الثقافي بالنص الجماهيري، في حين يولى "النقد الأدبي" عنايته بالنص النخبويّ، وهو النص المنسوب لنخبة تملك سلطة الكتابة والتعبير، "فكليلة ودمنة" مثلا نص نخبوي لأنه يتمثل قواعد البلاغة وجمالياتها، أمّا "ألف ليلة وليلة" فهو نص غير نخبويّ، ولا يحظى باهتمام النقد الأدبي لأنه حكايات للعامة والأطفال. للمزيد: انظر: الغذامي:((النقد الثقافي))، ص26، ص58 .
(12)انظر: فنسنت ليتش: ((النقد الأدبي الأمريكي من الثلاثينيات إلى الثمانينيات))، ص107.
(13)الغذامي، ((النقد الثقافي))، ص81.
(14)بايع "عبد الملك مرتاض" - الناقد الجزائري – "الغذاميّ" بمقولة موت النقد الأدبي، وذلك في تونس 22/9/1997م، واشتغل على التطبيق. أمّا عبد القادر الرباعيّ فمن إسهاماته دراسة ((تحولات النقد الثقافي))، إلى جانب غيره من الدارسين، لكنّا اكتفينا بهؤلاء للتمثيل لا للحصر.
(15)الغذامي: ((النقد الثقافي))، ص64.
(16) انظر: الغذامي، ((النقد الثقافي))، ص77 وما بعدها.
(17) السابق، ص71.
(18) السابق، ص73.
(19)انظر الغذامي: النقد الثقافي،مرجع سابق، ص93.
(20)د. محمد عبد المطلب: ((ذاكرة النقد الأدبي))، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط2، 2008م، ص106.
(21) السابق: ص106.
(22) د.محمد عبد المطلب: ذاكرة النقد الأدبي، مرجع سابق،ص104.
(23) د.عبد العزيز حمودة: ((الخروج من التيه))، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، ص351.
(24)انظر: حوار "حاتم الصكر"، مجلة العربي – الكويت، أكتوبر 2008م.
(25) الغذامي: ((النقد الثقافي))، ص88.
(26) السابق، ص88.
(27)الغذامي :النقد الثقافي:ص93.
(28)من الدراسات التي بحثت الجماليات من منظور ثقافي، دراسة يوسف عليمات: جماليات التحليل الثقافيّ: الشعر الجاهلي نموذجًا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر– بيروت،ط1، 2004م،ومن خلال هذه الدراسة قدّم تصورّا جديدا للنص الشعري الجاهلي، انطلاقا من أطروحات جماليات التحليل الثقافي، وذلك حين حاول الكشف عن المحمولات الثقافية للنسق في القصيدة الجاهلية، وقد انتظمت الدراسة في بابين كبيرين، درس الأول منها مركزية النسق الضدّي في الموضوعات الشعرية، أما الباب الثاني فدرس فيه ثنائيات الضد وفلسفة الصورة.
(29) انظر: الغذامي: النقد الثقافي،ص 93،167،177، 248، 270.