وراء كل رجل عظيم امرأة



د. محمد مهداوي

 

تراثنا الشعري

من المعروف أن معظم التراث الشعري العربي،هو من الشعر ا لوجداني الذاتي ، حيث أن الشاعر العربي ، ينهل من العاطفة والإحساس والشعور، مفرداته وصوره ،للتعبير عن فرحه أو حزنه ، أو عن علاقة حب وعشق وهيام ، وما قد تتركه هذه العلاقة من آثار، على العاشق والمعشوق على حد سواء . واللغة العربية غنية بمفرداتها وصيغها ، المعبرة عن صور العاطفة والمشاعر ، يلاحظ ذلك في الموروث الهائل من الشعر العاطفي في تراثنا العربي ، حيث كان الشاعر يبدأ موضوع قصيدته – أيا كان غرضها ، حتى لو كان رثاء – بمقدمة غزلية ، يتحدث فيها عن حبيبته ، وما كان له معها من الوصال أو الهجر، وعدم الوفاء بالوعود ،والحرمان والاشتياق، وما إلى ذلك من مغامرات المحبين ، والتي أدت ببعضهم إلى الوقوف عند أطلال ديار المحبوبة، للبكاء حزنا على انصرام ذلك الزمن الجميل .

وبما أن الحب تجربة إنسانية ، تمثل حالة خاصة من حالات النفس لدى البشر جميعا ، و الناس يختلفون في تكوين شخصياتهم، من الناحية البيولوجية والنفسية ، إضافة إلى الظروف التي تصاحب هذا الحب ، والبيئة التي ينشأ فيها .ذلك كله يلعب دورا رئيسا في جعل هذه المعاناة، أمرا عاديا لدى البعض ،و على ا لنقيض من ذلك لدى البعض الآخر ، مما أدى بالبعض منهم، إلى الهوس أو الصرع أو الغثيان ،وتبعا لذلك صنف العرب ، الحب إلى درجات متفاوتة ، في القوة والعنفوان ، هي على النحو التالي من الأدنى إلى الأعلى :{المحبة.الهوى. المودة. الصبابة. العشق. الوله.الهيام .التتيم }.

الحب ظاهرة إنسانية عظيمة، متأصلة في النفوس الإنسانية، وقد اختلف الشعراء في التعبير عنها، باختلاف بيئاتهم وأمزجتهم، ودرجات عواطفهم، وقدراتهم على الصبر والتحمل، وما إلى ذلك من مظاهر الاختلافات بين طبائع الناس.

 

عنترة رائد الشعراء العذريين

يعد عنترة بن شداد ،رائد الشعر العذري، حيث أحب عبلة ابنة عمه مالك ، حبا جارفا ،شغله طوال حياته ، فلم يعشق غيرها ، وظل مخلصا وفيا لذاك الحب ، الذي صنع منه الشاعر العاشق والفارس المغوار ، حيث قال مصرحا بذلك :

وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها

ولئن سألت بذاك عبلة خبرت أن لا أريد من النساء سواها 1.

فهو يذكرها في كل وقت ، وفي كل مناسبة : يا دار عبلة بالجواء ، تكلمي ، وعمي صباحا دار عبلة ، واسلمي

وتحل عبلة بالجواء وأهلنا بالحزن فالصمان فالمتثلم 2

ففي بيت واحد يذكرها مرتين اثنتين ،فان دل ذلك على شيء، فإنما يدل على شغفه وحبه لهذا الاسم، الذي يردده في قصائده ، لأنه يجد في ذكره لذة ، فلا يمل من ترداده ، وهو لا يكف عن ذكره ،حتى وهو في الحرب تحت ضربات السيوف ،بل إن سيوف العدو حين تلمع وتصيب جسده ، فيقطر منها دمه ،يثير لمعانها وبريقها وبياضها ،في نفسه صورة ثغر عبلة الباسم ،فيود تقبيل سيوف الأعداء ، حيث يقول :

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم 3 .

وهو ينظم الشعر ويخوض المعارك ،من أجل استرضائها ، لذلك لا ينسى أن يذكرها ببطولاته وكرم أخلاقه في المعارك ، اذ يقول :

هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة ، بما لم تعلمي

يخبرك من شهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم

ومدجج كره الكماة نزاله لا ممعن هربا، ولا مستسلم 4

ومع الأيام يزداد عذابه ، وتكبر وتتعمق معاناته ، فيشعر أنه في عذاب مقيم ،وقفر بعيد منعزل عن الحياة ، بما حيل بينه وبين الحبيبة التي ملكت عليه نفسه ،وشغلت تفكيره ، فلا يجد للحياة معنى ولا أنسا بدونها ،يقول مصورا ذلك :

أعاتب دهرا لا يلين لناصح وأخفي الجوى في القلب والدمع فاضحي

وقومي مع الأيام عون على دمي وقد طلبوني بالقنا والصفائح

وقد أبعدوني عن حبيب أحبه فأصبحت في قفر عن الإنس نازح 5 .

ظل عنترة طوال حياته يسترضي محبوبته عبلة، وأباها وأباه شداد بشعره ، ويفتخر بشجاعته ، ويقدم لهم وللقبيلة كلها النصر تلو النصر ،ويحاول أن يؤكد لهم جميعا ، أن شجاعته وفصاحته وكرم أخلاقه ، تغني عن المظاهر والتقاليد الزائفة ،وبعد حياة حافلة بالفروسية والشعر والمعاناة ، يظفر بعبلة بعد أن أغنى البطولة والأدب العربي ، بأعظم الأيام وأروع الآثار الشعرية.

غير أن الحب لم يستذل عنترة ، كما فعل بالشعراء العذريين ، بل زاده قوة وشجاعة وإقداما ،وزاد أخلاقه النبيلة سموا وطهارة ،وناضل وبذل أقصى ما عنده ، حتى حقق هدفه،بعزة نفس وكرم أخلاق ،ولم يضعف أمام العراقيل والحواجز ، التي وضعت أمامه ، من أجل أن يتخلى عن عبلة.

الحب والشعر في قبيلة عذره

ومن أمثلة معاناة العشاق في الأدب العربي ، وهي كثيرة ، قصة مجنون ليلى ،وهو قيس ب ن الملوح ، الذي أحب ليلى العامرية ،{ابنة عمه} حبا عنيفا ، استحوذ على لبه ، وامتزج بدمه ، وأحبت ليلى قيسا مثل هذا الحب ، غير أن الدهر شاء أن يطوح بهذا الحب ،وأن يعصف بقلبيهما ، فأخذ قيس يشبب بليلى في شعره ، فثارت ثائرة الأهل ، وطار طائرهم فأبعدوا عنه ليلى ، فأحس قيس بجفاء مرير ،ازداد على أثره ولهه بها، وانطلق لسانه بالشعر العذب ، الذي يتدفق منه الحب ، ويسمو فيه الخيال ، ثم تمر الأيام على قيس ، وكأنها أعوام عجاف ،و تترامى إليه أنباء زواج ليلى من رجل آخر ، فيمتد حنينه منتصبا أمامه ، معريا خيوط ذاك الحب، الذي نشأ وترعرع معهما ،منذ أن كانا صغيرين يرعيان الإبل معا، يلتمسان الكلأ والماء في الصحراء القاسية، وهما لا يعرفان من الحب شيئا، ويشتد جنونه ، وقد غدا قيس وليلى يعرفان عن الحب أشياء وأشياء ،ويدفع به اليأس ، إلى أن ينطلق هائما على وجهه، في الفلوات عازفا سيمفونية الحب الجارف ، وقد أسلمه ذلك إلى خبال أو ما يشبه ذلك ، إلى أن يدركه الموت الذي يختم قصة حب قيس بن الملوح مع ابنة عمه ليلى.

ومن أعذب شعره واصفا قوة وعنف ذلك الحب، نسوق هذه الأبيات :

ألا طالما لاعبت ليلى وقادني إلى اللهو قلب للحسان تبوع

وطال امتراء الشوق عني كلما نزفت دموعا تستجد دموع

فقد طال إمساكي على الكبد التي بها من هوى ليلى الغداة صدوع 6 ..

ويقول في أبيات أخرى :

ألا أيها القلب الذي لج هائما وليدا بليلى لم تقطع تمائمه

أجدك لا تنسيك ليلى ملمة تلم ولا عهد طال تقادمه

أفق فقد أفاق العاشقون وقد أتى لك اليوم أن تلقى طبيبا تلائمه 7 .

ويقول أيضا :

وإذا الناس شطر البيت ولوا وجوههم التمست ركن بيتها في صلاتيا

أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها اثنتين صليت الضحى أم ثمانيا 8 .

والى جانب هذه القصة ، يذكر لنا تاريخ الأدب العربي ، العديد من قصص الحب ، المشابهة إلى درجة التطابق ، لهذه الظاهرة الإنسانية والاجتماعية والروحية ،خاصة لدى عشاق قبيلة" بني عذره " 9 “ بوادي القرى، كقصة كثير وعزة ، وقيس ولبنى وجميل وبثينة وغيرهم ،واشتهر الحب العذري بأنه حب أبدي حتى الموت ،فإذا بدأ فلانهاية له إلا بنهاية المحب ، ومنطلقه رهافة الحس و الترفع عن الدنس ،مع عفة النفس ،والاكتفاء بالهمس دون اللمس .

وليس معنى ذلك أن الحب العذري ، حب مثالي بريء من الشهوة ، وكأنما هو حب بين ملائكة مطهرين ،كما يتصور بعض الناس،فذلك تصور خاطئ ، لأنه لم يتحقق على هذه الأرض ، التي يعمرها البشر ،وما نظنه ممكن التحقق ، فقد كانت ليلى ذات جمال ساحر ، وصفه قيس فقال : سحرتني ليلى بسواد عينيها إنما السحر في سواد العيون

سحرتني بجيدها وبشعر وبوجه ذي بهجة مسنون

وجبين وحاجب لم يصبه نتف خط كأنه خط نون 10 ولتأكيد ذلك نورد هذه الرواية:

" أن جميل بن عبد الله بن معمر – صاحب بثينة – وهو أحد أعلام الحب العذري ، كان يأتي إلى حبيبته بثينة على حين غفلة من الرجال ، الذين ما إن عرفوا ذلك حتى عزموا على قتله . ولم يكف عن التعرض لها بعد زواجها ، من نبيه بن الأسود العذري حتى شكاه ،فاضطر جميل إلى التوسل بالحيل ،مما أتاح له أن يلتقي بها مرات متعددة ، في بيتها أو بيت بعض أصدقائه 11 .

وبثينة هي ابنة عمه ،وقد أحبها وهو غلام صغير ،وهي غضة صغيرة لم تدرك الأشياء بعد . كان جميل يرعى إبله ، فأوردها واديا يقال له وادي بغيض ، فأقبلت بثينة وجارة لها ، واردتين فمرتا على فصال لجميل بروك ،فضربتهن بثينة عابثة ، فسبها جميل ، فردت عليه شتيمته ، فاستملح سبابها وأحبها ، وفي ذلك يقول :

وأول ما قاد المودة بيننا بوادي بغيض ،يا بثين سباب

فقلنا لها قولا ، فجاءت بمثله لكل كلام يا بثين جواب 12.

ولم يمنعه زواجها ، من نبيه بن الأسود، من لقائها فأخذ يزورها خفية في بيت بعلها ، ويشبب بها في شعره ، ولم تكن تتوارى عنه إذا جاءها ،وتساعدها أخواتها على الاجتماع به ، ويحتلن على زوجها ووالدهن .

وقال عندما طال بعده عنها ذات مرة :

ألا ليت شعري :هل أبيتن ليلة بوادي القرى ،إني إذن لسعيد

يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتها فيعود

يقولون :جاهد يا جميل بغزوة وأي جهاد غيرهن أريد . 13

كانت بثينة تحب جميلا حبا عارما شديدا ، وتؤثره على سائر فتيان القبيلة ، فظلت محافظة على حبه ، حتى وهي امرأة متزوجة ذات بعل ،لا تتردد عن الاختلاء به كلما جاء إليها أو دعاها إليه ، وتضيف الرواية عن وفاة جميل الذي كان قد هاجر إلى مصر بعد ما بلغ به اليأس مبلغه ، ومرض هناك مرضته الأخيرة ، فلما حضرته الوفاة دعا برجل من معارفه وقال له :" هل لك أن أعطيك كل ما أخلفه ،أن تفعل شيئا أعهد به إليك ؟ قال نعم ، قال : إذا مت فخذ حلتي هذه واعزلها جانبا ،وكل شيء سواها ،وارحل إلى رهط بثينة على ناقتي هذه ،والبس حلتي هذه إذا وصلت ، واشققها ثم اعل على شرف و صح بهذه الأبيات :

صدع النعي وما كني بجميل وثوى بمصر ثواء غير قفول

ولقد أجر الذيل في وادي القرى نشوان بين مزارع ونخيل

قومي بثينة فاندبي بعويل وابكي خليلك دون كل خليل 14 .

فلما أتى الرجل وأنشد الأبيات ، برزت بثينة وقالت : " يا هذا إن كنت صادقا ، فقد قتلتني ،وان كنت كاذبا فقد فضحتني ، فقال :ما انأ إلا صادق " وأراها الحلة ،فصاحت وصكت وجهها ، فاجتمع نساء الحي . فمكثت مغشيا عليها بعض الوقت ، ثم قامت وقالت :

وان سلوى عن جميل لساعة من الدهر ما حانت ، ولا حان حينها

سواء علينا يا جميل بن معمر إذا مت بأساء الحياة ولينها 15.

بهذا الخبر الحزين ، أسدل الستار على حياة جميل ، وعاشت بعده بثينة فترة من الزمن، تنتظر أجلها في صمت رهيب ،إلى أن حان أجلها فلحقت به ،وبقيت في الأرض هذه التجربة الإنسانية الخالدة ، مثالا بل نموذجا ينبغي إتباعه في الإخلاص والوفاء بين المتحابين ، فضلا عن هذا الإرث الشعري الجميل ،الذي لا نمل قراءته على الرغم من طول عهده .

ومما سبق يمكن القول:

- إن هذا النوع من الحب وما صاحبه من إبداع شعري جميل ، يكاد ينحصر في أبناء قبيلة عذره ، التي سكنت بوادي القرى القريب من المدينة المنورة ، حتى قيل عنهم " كانوا إذا أحبوا ماتوا ،لما هم عليه من الصدق والإخلاص ، ولما اتصفوا به من العفاف ، وكبح النفس عن شهواتها ، إذا اجتمعوا بمحبوباتهم " 16. ،وكان ذلك الحرمان يدفع بالشاب الموهوب ، إلى التغزل بالفتاة التي أحبها ، فيفتضح أمرها ، فيكون ذلك سببا مباشرا، في إبعاد المحبوبة عن الحبيب بكل الوسائل ، فإذا خطبها إلى أبيها ،رده خائبا مخافة التعيير، لئلا يقال انه زوجها به سترا لعارها ، ثم يزوجها والدها إلى شخص آخر ، ويبقى الشاعر الشاب، كلفا بحب امرأة متزوجة ، لا يستطيع أن يصل إليها ، أو أن يستبيح حرمتها ، وهي في حمى بعلها ،فيزيد ذلك من شدة معاناته ، وهو العاشق المتيم ، لا يقوى على مغالبة هواه ، فيهيم في الفيافي منشدا أشعاره ، هاذيا بحبه لها ،وزيادة على ذلك ، أنهم جميعا أحبوا بنات أعمامهم ، منذ أيام الطفولة ،وشب معهم هذا الحب ، وصاحبهم في مراحل حياتهم ، وكان سببا في دفعهم إلى نظم الشعر ، وقد حرموا جميعهم من الزواج بمحبوباتهم ، وما إلى ذلك من وجوه التشابه ،بين قصصهم الغرامية ،وقصائدهم الشعرية ؟ مما يدفع بنا إلى الشك ، في وجود هذا العدد من الشعراء العذريين ،في زمن واحد ، وفي بيئة واحدة . فلم لا يكون الرواة هم الذين تصرفوا في هذا الشعر، ونوعوا في الأسماء ، ؟ و مهما كانت الحقيقة ، فان هذا الشعر ، عبر عن مرحلة من تاريخنا العربي الحافل ،بنوع جديد من الشعر ، عن ضرب جديد من الحب ، لم يألفه العرب خلال العصور السابقة .

نموذج آخر مشابه

Text Box: Sonnet   d'Arversوهذا النوع من الحب والشعر العاطفي، ليس مقصورا على العرب وحدهم ، بل وجد لدى أمم أخرى ، ولكن في مرحلة متأخرة ، ولنضرب لذلك مثلا بالشاعر الفرنسي : فليكس آرفر 17 آرفر الذي يقول في إحدى قصائده:

، Mon âme a son secret ,ma vie son mystère

Un amour eternel en un moment conçu,

Le male est sans espoir, aussi j'ai du le taire

Et celle qui l'a fait n'en a jamais rien su.

 

Hélas !j'aurai passe prés d'elle inaperçu, 

Toujours a ses cotés et pourtant solitaire,

Et j'aurai jusqu'au bout fait mon temps sur la terre

N'osant rien espérer et n'ayant rien reçu.

 

Pour elle quoique dieu l'ait faite douce et tendre

Elle ira son chemin, distraite et sans entendre

Ce murmure d'amour élevé sur ses pas.

A l'austère devoir pieusement fidèle,

Elle dira lisant ces vers tout remplis d'elle

« Quelle est donc cette femme ! » et ne comprendra pas. » 11  »

من ديوانه : Mes heures perdues

هذه الأبيات من سونيتات آرفر الشاعر الفرنسي، الذي عاش في القرن التاسع عشر الميلادي . أحب هذا الشاعر امرأة متزوجة إلى درجة التتيم ، ومن خجله لم يستطع – حتى – أن يبوح لها بحبه ، فقضى أيامه يتلذذ بذلك الحب عن بعد ،مكتفيا برؤيتها ماشية متبخترة في الطريق ، وهو يتابع حركاتها وخطواتها دون أن تعلم بذلك . قيل ان هذه المرأة هي : { آدال }زوج الشاعر الفرنسي الكبير { فيكتور هيغو} .

كان هذا الشاعر يكتم ذلك الحب الجارف ،ويحتفظ به لنفسه ولا يبوح به ، إلا للورقة التي كان يسجل عليها شعره ،المتنفس الوحيد له، الذي كان يبثه أشواقه وصبابته و معاناته ، لاسيما أن المرأة متزوجة ، ولا يمكن الوصول إليها بأي حال من الأحوال ، فلا شك أن ذلك الحب اليائس ، هو الذي صنع منه شاعرا كبيرا ، خلف وراءه إرثا شعريا في غاية الأهمية ،أغنى به لغة العشاق ،و أثرى به مكتبة الأدب الفرنسي .

ففي المقطع الأخير من هذه الأبيات ، يقول ما معناه :

ستقول إن عثرت بأبياتي وقد ملئت هواها

يا ويح نفسي من عساها تكون ؟ ولا تعي شيا .

قد لا نزيغ عن سمت الحقيقة ،إذا قلنا أن تجربة{ آرفر} لا تختلف كثيرا عن تجارب الشعراء العذريين في الأدب العربي ،غير أن العذريين العرب سبقوا شعراء الأمم الأخرى ، إلى التغني بهذا النوع من الحب ، بقرون قبل أن يعرف عند الغرب بالحب الرومانسي في القرن الثامن عشر، لأن المرأة قبل ذلك ،-خلال القرون الوسطى- كانت عندهم سلعة تباع وتشترى كأية سلعة ، في الوقت الذي كانت فيه المرأة العربية المسلمة،تنعم بمكانة سامقة، وتحظى بهالة من الاحترام والتقدير ، وبقدر وافر من الحرية والحركة ، تعمل إلى جانب الرجل ، وتحادثه ويحادثها ، وتنشده الشعر وينشدها ، ويتغنيان ويتباريان ويتبادلان الرأي في قضايا هامة ، خاصة في العصر الأموي والعصور العباسية ،وعلى الرغم من ذلك كله ، كانت مصونة محصنة ممنعة يصعب الوصول إليها. وبذلك جسد هؤلاء العشاق الشعراء تلك المقولة المأثورة " وراء كل رجل عظيم امرأة ".

الهوامش

 

1-عنترة بن شداد ، الديون ، دار بيروت عام 1978 م ، ص 76وفي منتخبات شعرية ، س ،الروائع عدد27 ط6 ص 27

- شرح المعلقات السبع ، للزوزني ، دار بيروت ، ط عام 1980 ص 137 .وفي الديوان ص 15،16 2

3- ديوان عنترة بن شداد العبسي ،ص 28

4 شرح المعلقات السبع ص 147 .وفي الديوان ص 25، 26

- ديوان عنترة ص114 5

•  6 –الحب الخالد {قيس وليلى}،دار الهدى ، الجزائر ، ص 25 ،

•  7- // //ص

- // // ص 28 8

9-ينظر ذلك في كتاب الأغاني

10- الحب الخالد {قيس وليلى}،دار الهدى بعين مليلة ، الجزائر ، ص 7

11 - ديوان جميل بثينة ، دار بيروت 1982 ، ص 7

// // ص6 - 12

13- // // ص 16، 17، 13

14 // // ص10 ، 11

// // ص 11 - 15

16- // // ص 5

17 - Félix Arvers mes heures perdues

 هو الشاعر الفرنسي : فليكس آرفر { 1806 – 1850 }م