بين أنياب الغربة.. وأزمنة التَّشَـرُّد
عنوان الديوان يفضح محتواه وهو بالفعل يضم فيما بين دفتيه خمس عشرة قصيدة كتبها الشاعر أثناء رحلةٍ قام بها إلى فرنسا. وبدءاً من عنوان الديوان مروراً بعناوين القصائد التي يحتوي معظمها على مفردة من مفردات معجم
يجد الشاعر نفسه تائهاً بين براثن هذا الوحش الذي يُسَمَّى ـ حركيّاً ـ بالغربة، وبعد أن يفشل في أن يتبيَّن مصيره هناك يعود ويتساءل مرة أخرى قائلاً:(ما وجهتي؟!)
وهكذا يعنُّ لنا أن الشاعر يكاد لا يخرج من غربة ـــ ليستريح من آلامها ومتاعبها ـــ إلا ويبدأ ـــ من جديد ـــ طقوس غربة أخرى ربما تكون نيرانها أشد وطيساً من غيرها
مَنْ يقترب مِنْ تخوم عالم حمزة قناوي الشعري يُدرك الاغتراب بكل ما له من معطيات وروافد. ومنشأ ذلك هو ذلك الواقع الذي يحياه وهو واقع بعيد تماماً عن ساحات أحلام الشاعر بما فيه من أزمات وعراقيل وقيود خانقة ألوانها شتى تمنعه ـــ دائماً ـــ من ممارسة تفاصيل حياته كما ينبغي لإنسان طبيعي. حالة الاغتراب هذه تلبَّستْ الشاعر بعدما أخفق في الوصول إلى حل لمعادلة الواقع/الحياة/الحلم والتي تستعصي رموزها/طلاسمها على الحل، فلا هي ـــ تلك الحياة ـــ كما يتمناها ويتوقع منها أن تكون، ولا هو قادر على أن يُغَيِّر من معالمها أي شيء.
إن عدداً قليلاً من الدواوين/المجموعات الشعرية هو ما يرتكز على محور وحيد تدور في فلَكِه كل قصائده حتى لتشعر وكأن الديوان ـــ بكل قصائده ـــ هو عبارة عن قصيدة واحدة طويلة غير أنها قُسِّمتْ إلى مقاطع لكل منها عنوان فرعي. والديوان الذي نحن بصدده الآن هو ديوان (الغريب..قصائد باريس) للشاعر حمزة قناوي هو خير مثال على هذا.
بداية نجد أن عنوان الديوان يفضح محتواه وهو بالفعل يضم فيما بين دفتيه خمس عشرة قصيدة كتبها الشاعر أثناء رحلةٍ قام بها إلى فرنسا. وبدءاً من عنوان الديوان مروراً بعناوين القصائد التي يحتوي معظمها على مفردة من مفردات معجم: الغربة/الغياب/التشرد (الغريب/وقت لأسئلة الشريد/المبحر الضرير/طيف بذاكرة المسافر/حكاية الغريب والأميرة/وردة الحلم الشريد/....) ندرك أن هذه القصائد تدور في عوالم الغربة بما فيها من أحاسيس ومشاعر تنتاب هذا الغريب وتجثم على صدره وهي تقوده ـــ أحياناً ـــ إلى نقطة الاختناق.أما عن معجم الشاعر في هذا الديوان فأكثر المفردات التي تتكرر بشكل لافت للنظر ـــ وكأنه تأكيد من الشاعر على إبراز هذه الحالة كأفضل ما يكون ـــ هي (غريب/غادر/ غياب/ عابر/ متاهات/ وحشة/ منافي/ وحدة/ مبحر/ تاه/ تيه/ أضيع/ اغترابي/ مسافر/ وحيد/ منفرد/ راحل/ شتات/..). بالطبع لم يكتفِ بهذا ـــ تأكيداً منه ـــ بل نراه يستخدم أيضاً المفردة وما ينتمي إلى عائلتها من مفردات أخرى مثل: (شارد/مُشَرَّد/تَشَرُّد/شرَدَ/تَشْرد/شريد). ورحلة الغربة هذه تبدأ مع الشاعر منذ قصيدته الأولى والتي أخذ الديوان اسمها (الغريب): (هذا هو اسمك يا غريب فما اتجاهك؟) وهنا يبدو هذا التساؤل طبيعياً، فالغريب الذي تتقاذفه أمواج الغربة ومتاهاتها ودروبها الوعرة يعرف تماماً أن الأمر كذلك، لكن ما لا يعرفه هو: إلى أين سيتجه ولا إلى أين ستأخذه المقادير. وشيئاً فشيئاً تزداد آلام الغربة ـــ خاصة مع مُضيِّ الوقت ـــ وجراحها اللا بُرْءَ منها حتى تصل إلى كونها منفىً (حيث تأخذني وجوه العابرين إلى شتاءات المنافي/ شارداً ومُشرَّداً).
وهكذا يجد الشاعر نفسه تائهاً بين براثن هذا الوحش الذي يُسَمَّى ـــ حركيّاً ــ ـبالغربة، وبعد أن يفشل في أن يتبيَّن مصيره هناك يعود ويتساءل مرة أخرى قائلاً: (ما وجهتي؟!)،
ربما يكون هذا التساؤل نتيجة حتمية لواقع الشاعر الذي تيقن من أنه(لا درب هنالك للغريب يشده )خاصة وهو يقطن ـــ مغترباً ـــ في مدينة تموج على أسوارها الأحزان وتحوَّلتْ كائناتها جميعاً إلى أسراب أطياف.
ونظراً لحالة الاغتراب التي انغمس الشاعر فيها نراه في قصيدته (حلم يجوب المدينة) يُكثر من استخدام لفظة التشرد بكل وجوهها (شردني السؤال/ شردني صداه/شارداً ومشرداً بين الأساه/ أسيرَ شروده)،
الشاعر وفي القصيدة ذاتها يستخدم أيضاً مفردات: غياب..لم تأتِ..وحدتي..لم تجئ.. سأضيع.. العابرين.. اغترابي.. تاهت. ومن هنا نكتشف مدى ما آلت إليه حالة الشاعر النفسية والتي يبدو لنا تمزقها ذهاباً وإياباً بين الغربة بما لها من أنياب وبين التشرد الذي يقوم بدور ضربةٍ قاسيةٍ في الرأس تُفقد صاحبها اتزانه وتَشل تفكيره وربما لا تغادره حتى تتركه جثةً لا حراكَ فيها.
أما الغربة المتجسدة لحماً ودماً فنعثر عليها فيما بين سطور قصيدته (وقت لأسئلة الشريد)، فها هو الشريد يقر بوحدته
(ونظرت حولي/
(لا أحد) /لم ألقَ إنساناً هنا في هذه الأرض/
النعيم/بحثت في أركان مخملها وفي ساحاتها الخضراء والبيضاء/ لكن لا أحد)
لا أحد هنا يشعر به أو يبادله إحساساً ما فهو ليس في صحراء وإنما بين أناس لا يمثلون بالنسبة له أي شيء، وهذا ما جعله ييأس من العثور على أنيس/منقذ يخرجه من بين دوامات الغربة، وعند هذا الحد حاول أن يهدئ نفسه آملاً في قدوم طوق نجاة يخفف عنه ـــ على الأقل ـــ قسوة كهذي (لتهدأ يا غريب!وقد يكون الموت! قد..!).
وتعود ترتفع درجة حرارة إحساس الشاعر بغربته حتى تصبح الغربة معادلاً للهلاك الذي تفرّ منه، لكنه يظل في طلبك (كأنه الهلاك/ كأنه الردى تفرّ منه بينما ارتجاك/
وكلما وجدت مهرباً أتاك/ يغلق الدروب كلها محاصِراً خطاك/ باللعنة الجموح والأسى/
بالموت في مدينة/ تضيع في زحامها ولا تراك). ليس هذا وفقط بل(كأنك الفريسة الغرير/ والأرض حول خطوك الشريد كلها شِراك).
وبعد أن فعلتْ جيوش الغربة التي تكالبت على الشاعر ما فعلت واتضح له أن حلمه قد ضاع سدى، كان لابد من أن يجلس أعلى كرسي الاعتراف ليعترف أمام نفسه بخسارته التي نالت منه ثم تساءل (تُراك قد عرفت بعدما تشردت سكينتك/بأن ما ظننته النعيم لم يكن سوى السعير).
وفي موضع آخر من قصيدة أخرى يصل الأمر بالشاعر إلى التساؤل عمن هو الغريب؟أهو هو؟أم هم الماضون حوله في دروب الصمت واللغة الشهيدة؟ ثم يجيب بأنه هو ذلك الغريب ـــ لم نكن بحاجة إلى إجابة كهذي ـــ لماذا؟ لأن ذاكرة المدينة لا تراه ولم يبقَ هو في ترسبها سوى اسم بعثرته الريح فوق جسورها وما كان منه إلا أن منح اسمه ذاك ووجهه كذلك للغياب وهو يجوب فيافي ذاكرة المدينة طيفاً شريداً عابراً حاملاً معه اغتراب حقائبه. وتسافر سفائن الاغتراب بالشاعر حتى ترسو به إلى مرافئ اليأس/يأسه من مجيء غد يلتقيه (ما بين وجهك والطريق مسافتي/وأنا الشريد وغايتي منفى).
بالطبع هذا عكس السائد والمألوف، فالشريد يبحث عن عودة إلى وطنه، أما أن تصبح غايته منفى فهذا شيء آخر..أيعني ذلك خوف الشاعر من غربة هي أشد وأقسى من تلك الغربة التي يعاني الآن منها/غربته داخل وطنه؟
وبعد أن يشرع الشاعر في التخلص من غربته تلك بنيِّته العودة إلى أرضه يجد نفسه مشدوداً إلى غربة من نوع آخر/غربة أصلها هو فراقه لأشخاص تعرَّف إليهم في غربته سواء الأصدقاء منهم أو الأحباب (لا تنسني/ قالت على درب المطار / ولملمت أحزانها الصغرى
وشدتني لأترك للرصيف حقيبتي/../سترجع؟/ ربما).
وهكذا يعنُّ لنا أن الشاعر يكاد لا يخرج من غربة ـــ ليستريح من آلامها ومتاعبها ـــ إلا ويبدأ ـــ من جديد ـــ طقوس غربة أخرى ربما تكون نيرانها أشد وطيساً من غيرها. وهنا نتساءل أهو ـــ حقّاً ـــ قدَر الشعراء أن يعيشوا مغتربين في كل حالاتهم سواء أرحلوا عن أوطانهم إلى أوطان أخرى أو ظلوا وهم تدوس أقدامهم ثرى أراضي أوطانهم؟
إنه ليس مجرد تساؤل، بل سؤال لا يملك الإجابة عنه إلا الشعراء أنفسهم فهل من جواب؟