الفرح السابع

عبدالإله عبدالقادر

كانت الاستعدادات قائمة لحفل قران ابنته الصغرى، والتي تشكل الرقم السابع بين أخواتها، كان يحلم أن يكون له ولد بين البنات السبع اللواتي جئن واحدة تلو الأخرى، وبين الولادة والتالية كان يقضي أوقاتاً طويلة يصلي لربه ويدعو، لعله يرزق بولد واحد فقط، إلا أن أمنيته لم تتحقق، غير أنه كان محظوظاً بأن زوّج ست بنات منهن، كان يتفنن في الاحتفالات التي ميزت الأولى عن السادسة وكان يحاول أن يبتكر صيغة احتفال جديدة لابنته السابعة التي سيعقد قرانها مساء غد، إلا أن محاولته الأخيرة فشلت إثر نوبة قلبية حادة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

أسرع الطبيب ومساعدوه وربطوه بعشرات الأسلاك والمعدات الإلكترونية، ولم يستطع أن يعترض أو يقاوم بقاءه على فراش المرض في غرفته المنعزلة في العناية المركزة.

خارج غرفة العناية المركزة تجمع أحفاده وبناته وأزواجهن..

وكان بين الفينة والأخرى يطل وجه من وجوه بناته أو أحفاده الذين كثروا حتى نسي أسماءهم، لكنه كان سعيداً بهم، ويجمعهم عند كل مناسبة ليتمتع بوجوههم وابتساماتهم واختلافات خلقهم وأشكالهم، منهم من يكون قريب الشبه به أو بزوجته أو يظن أنهم يشبهون والدته وأولاده.. كان يحب أن يداعبهم ويوزع عليهم الهدايا، كان جداً محبوباً ليس عند أحفاده فحسب، بل وعند آبائهم وبناته، فقد نذر حياته كلها من أجل أن يجعل حياة البنات السبع سعيدة، وأن يلبي طلباتهن بل ورغباتهن حتى في قبوله باختياراتهن لأزواجهن، لكن اليوم وهو لا يدري مدى إصابة قلبه، يحس بقلق شديد خوفاً من أنه لا يستطيع أن يحتمل البقاء إلى مساء غد وقد تجاوز عقده السابع واقترب من الثامن.
لم يكن قادراً على الحركة، بل كان يجاهد حتى يبقى واعياً لما يدور من حوله لكنه يشعر أيضاً أن جسمه قد وهن.. ضعف حتى ما عاد يستطيع أن يحرك قدميه أو ساعديه.. عقله ما زال سليماً إلا أن سيطرته على جسده بدأت تتراجع وبدأ يشعر بتصلب أطرافه أو خدرها رغم محاولات الأطباء الذين حرصوا على التواجد لإنقاذ حياته.

بإرادة شديدة.. وتحدٍّ لما كان عليه .. نطق..
طلب ابنته الصغرى.. وخطيبها ... وزوجته؛
ـ قد.. لا .. أستطيع.. المقاومة.. حتى مساء غد.. قال بنفس متقطع موجهاً الكلام إلى زوجته.. ثم أردف قائلاً..
ـ اذهب الآن.. واستدعِ مأذوناً شرعياً.. وشاهدين..

لم تسعفه صحته في استكمال حديثه.. إلا أن عينيه كانتا تعبران عن رغبته الشديدة في الإسراع بعقد قران ابنته الصغرى قبل أن يغادر الحياة التي شعر أنه قد لا ينجو من هذه الأزمة القلبية الحادة والمفاجئة.. وأن وقته ضيق جداً.. احتار خطيب ابنته في طلب هذا الرجل الطيب الذي يعاني من أزمته القلبية الحادة.. وتردد في تلبية الطلب.. إلا أن أم العروس شجعته على ذلك لأنها أولاً تدرك إصرار زوجها على طلباته التي كان يحرص على تحقيقها بإرادة قوية، وثانياً هي الأخرى أدركت حراجة موقف زوجها وخوفها عليه مثلما كانت تخاف على مستقبل ابنتها.

رغم تحذيرات الأطباء واحتجاجهم امتلأت غرفة العناية المركزة ببناته وأزواجهن وأبنائهن الكبار والصغار، وزوجته أم البنات السبع اللواتي أحطن بسريره كالأقمار المشعة في ليلة مظلمة.. نظر لهذا الحشد من محبيه، وتأكد من وجود المأذون الشرعي، ابتسم.. وأشار للمأذون أن يبدأ عمله المقدس.

انهارت قواه.. ولم يستطع توقيع عقد الزواج.. وفضل أن يبصم بإبهامه.. وغادر العروسان بعد أن قبلا جبينه.. وخرجت بناته وكل أفراد عائلته من غرفة الإنعاش.. وسمع «هلاهل» بعيدة لبداية فرحه السابع.

بدأ الأطباء يزيلون الأسلاك، والأجهزة الطبية المختلفة والمرتبطة بالعديد من أجزاء جسمه.. بعد أن توقف مؤشر التنفس، إلا أن أحداً لم يشعر بتلك اللحظة التي ساد الفرح فيها، برحيل الرجل الذي كان وراء سعادة كل الذين رقصوا عند بوابة المشفى.