كما تحب أن تكون
هاني القط
بعض من كانوا يتطلعون إلى البحر مرة، وإليك مرة، قطعوا طريق الكورنيش ركضاً بأعين نصف مغمضة، وحدك من بقي في مكانه رافعاً وجهك مستقبلاً منح السماء! ظلال التواريخ والصور تنبت أمامك على صفحات الموج الهائج التي يمحوها الاصطدام بالصخور.
يومها لم يطاوعها النوم، طوال الليل تروح وتجيء، مودعة ذكريات البيت وروائحه الموشومة في قلبها المريض: هل بكت ؟
وكيف لا تبكي يا «مصطفى» وهي التي منحت عمرها للأحزان!
صبت لك ماءً من الزير لتتوضأ قبل خروجك ـ كم لامتك بعينيها كثيراً كلما تناسيت صلاة، فتحني رأسك متعرقاً بالخجل وتنهض لتقيمها قضاءً. عندما حل الموعد صرّ الباب يودعكما لحظه الخروج، على مقعد المحطة الوحيد استأذنتها لتصلي الفجر في زاوية قريبة فأومأت برأسها. حين جاء القطار، انخلع قلبها من مكانه فسقطت على وجنتيها لؤلؤتان ساخنتان أنارتا كخطف البرق، أردت أخذ يدها لتنهض لكنها بقيت جالسة. رحمها الله الذي كتب عليها ألا تبرح القرية أبداً.
الإسكندرية مدينة يغسلها النور ويمحو تعبها المطر، وقفت أمام بحرها تجتر أخيلة أحلامك عنها، الحقيقة أكثر جلاءً، والصخرة في مكانها يغسلها الماء. سبعة أيام قضيتها غادياً رائحاً بين البنايات حتى سلموك عملك. ثم بثمن القراريط الخمس ـ جل ميراثك ـ اشتريت شقة في الدور الثالث، تطل على البحر، «ما شاء الله شقتك حوائطها وردية وحجراتها يرمح فيها الخيل». هكذا قال ـ مديرك والد خطيبتك ـ يوم زارك هو وابنته.
كل عيد تسافر وحدك في الفجر، تنقر على باب الدار علَّ أمك تفتح، تدخل فتشم رائحتها العالقة بالمكان، لحظة وتخرج لك بجلبابها الأسود من ركن مظلم، فتخبرها بضيقك من تأخر الإنجاب، تربت على ظهرك وتملس على صدرك، فينمحى الحزن، ترجوها أن تأتي معك فتختفي من حيث جاءت! فتخرج أنت الآخر مغلقاً باب الدار وراءك وتسير حتى مدفنها، تقرأ الفاتحة وبعضاً من قصار السور، ثم تسقي الصبار العطشان أمام شاهد قبرها، وتعود مع أول قطار.
حَسَنٌ جداً أن تعد اللي الي والشهور والسنين، تنتظر يوماً تتحقق فيه أمانيك فتفرح، لكن ما ليس بحَسَن أن تنسى مع مرور السنين ما أمانيك.
واظبت كل يوم على أن تقطع نفس الشارع بعد انتهاء العمل، ومن خلف زجاج المحل الذي بمساحة الباب، تحدق لوقت طويل في الكمان ثم تغمض عينيك معيداً أحلام صباك.
أنت الصغير المختفي مثل الهواء بفعل السحر، تمشي بين الناس دون أن يروك، تدخل إلى المدرسة لتلتقط من أعلى دولاب مدرس الموسيقى هذا الكمان، تمشي بعصاك على أوتاره فيحملك النغم إلى السماء، تسابق الريح وتصل لتلك الصخرة التي أمامك الآن، تعزف لحناً يرن في أذنك طوال حياتك دون القدرة على الإمساك بنغمه السماوي. صاحب المحل لسنين يبتسم من وراء الزجاج كلما وقفت بشغف تتملى الكمان، حتى إنك في اليوم الذي لا ترى فيه الكمان تحس بمرارة طوال النهار والليل.
صببت الشاي بعد العشاء، الأحمر لك والأخضر لزوجتك، وعلى الصينية سرت به إلى الشرفة حيث مكان جلوسكما، كانت زوجتك ترفع سبابتها للسماء وهي تبتسم، لم تسمع كلماتها الهامسة لتَلَهِّيكَ في رشف الشاي وقراءة الجريدة، وعندما انتهيت رأيت رأسها مسنوداً على كتفها ويديها ساقطتين للأسفل، قمت تحركها؛ لم تتحرك، صرخت باسمها؛ لم تجب. أطبقت بكفك الكبيرة على كفها الباردة، وحكيت ما لم تحكه لها في حياتك: عن وحدتك أنت وهي، وعن الأولاد الذين تمنيتهم، وعن الكمان الذي مازلت تحلم به، سألتها: لمَ كل من تحبهم يمرضون بالقلب ويغادرون الدنيا قبل الأوان؟ رفع الطبيب سماعته في هدوء وأخرج ورقة كتب فيها تصريحاً بدفنها، فغطت أختها وجهها لتنتحب على عمر أختها القصير.
الشمس تعلو الموج بقبضة يد، ثم تسقط رويداً رويداً في الماء، كأنها تبوح لنا بإجابات أسئلتنا الحيرى دون أن نلتفت.
القمر يطل بنوره كاشفاً امتداد البحر الهائل، كيف طاوعت لأول مرة رغباتك، ارتديت قميصاً صيفيّاً وخرجت. بغواية طفل دفعت باب المحل وسلّمت على العجوز الذي ما إن رآك ابتسم، ومن تلقاء نفسه التقط الكمان من على الرف، وبقماشة مسح الغبار العالق عليه، ليضع نهايته ما بين صدغه وكتفه، وبعصا الكمان مر بيده النحيلة على الأوتار، حال انتهائه أخذته منه لتسير لمكان حلمك، وقفت أمام البحر محاولاً عزف اللحن الذي خاتل قلبك منذ الصغر، أنت الآن غير عابئ بأحد، تنظر إلى البحر ماداً بصرك إلى منتهاه، بقية من كانوا يتطلعون إلى البحر ولك، قطعوا طريق الكورنيش ركضاً بأعين نصف مغمضة، يستنجد كل واحد منهم بياقة معطفه حتى الوصول لساتر يعصمه من البلل. وحدك من بقي مكانه، تمرر عصا الكمان على الأوتار فيخرج النغم مرة غليظاً ومرة حاداً، لكنك لا تعبأ بنشاز العزف، فالنغم الذي يملأ روحك كان كما تحب أن يكون.
|