|
منذ سنة ونصف تلح عليه الفكرة دون أن تنجح في إقناعه ليباشر كتابتها، وكلما يتهيأ لحمل القلم ينتابه شعور بأنها لم تأخذ وقتها وحقها من تأمل وتفكير حتى تصبح ناضجة تستحق أن تكون القصة التاسعة التي يكتبها في حياته.
عندما بلغ الخامسة والثلاثين من عمره أنجز كتابة أول قصة استغرقت منه سنة ونصف السنة من الانتظار والمراجعات والقراءات المتعددة.
يومذاك وعندما أدرك بأنه فرغ منها كلياً وأنها لم تعد بحاجة لأي لمسة أخرى، أرسلها إلى إحدى المجلات الثقافية الفصلية المشهورة التي تخصص في كل عدد صفحات للقصة القصيرة.
أرسلها دون أن يتوقع أن هذه المجلة المعروفة ستقوم بنشرها، ودون أن يتتبع صدور أعدادها، لكن المجلة وبعد سنة أرسلت إلى عنوانه نسخة تحتوي على قصته منشورة مع رسالة ثناء من مدير التحرير.
في تلك اللحظات راوده شعور بأنه ترك أثراً أدبياً على صفحات هذه المجلة وأن اسمه بات جزءاً من تاريخها، وصار كلما يراها في المكتبات أو يسمع بها يتذكر قصته التي أخذت ست صفحات منها.
عندئذ بدأت تراوده أفكار عديدة لكتابتها، لكنه رأى ألا يستجيب لأي فكرة خشية أن تكون نتيجة رد فعل على نشر هذه القصة، فيكتب استجابة لرد الفعل الذي يحضه على تكرار النشر.
انتظر نحو سنتين حتى أحس بأن ذاك الحدث التاريخي أصبح جزءاً من الماضي، ثم جاءت الفكرة الثانية التي استغرق في كتابتها سنة وشهرين هذه المرة، وعندما فرغ منها رأى ألا يرسلها إلى ذات المجلة، بل يرسلها إلى مجلة أخرى لا تقل قيمة أدبية عنها، وهي مجلة شهرية تخصص كذلك صفحات في كل عدد للقصة القصيرة.
ليلة إرسال القصة بدا منهمكاً ومرتبكاً كعريس يرتب لاستعدادات الزفاف. كان يقرؤها على زوجته وعلى ابنته الوحيدة، ويعدل ما يراه بحاجة لتعديل، إلى أن وضع القصة في مظروف في وقت متأخر من الليل، صباحاً نهض واتجه إلى مبنى البريد قبل أن يذهب إلى عمله في مصلحة الزراعة التي يعمل فيها مهندساً زراعياً، أودع الرسالة في إرسالية مضمونة واتجه إلى مكتبه.
بعد نحو ثلاثة أشهر أرسلت له المجلة نسخة تحتوي على قصته منشورة برفقة لوحة تشكيلية ملونة وأشارت في الهامش بأنه (قاص).
أحس بالاعتزاز لأن المجلة أطلقت عليه هذه الصفة رغم شعوره بأنه لم يبلغ مرحلة يكون فيها (قاصاً) وصار يتذكر أسماء القصاصين الكبار الذين يقرأ لهم ويشعر بشيء من الحرج، يتذكر القاص الذي يداوم على قراءة قصة واحدة له كل أمسية قبل النوم منذ نحو عقدين من الزمن، حتى إنه في السنوات الأخيرة أحضر جميع أعمال ذاك الكاتب القصصية وهو يجد متعة بالغة في قراءة قصة واحدة له قبل النوم بدقائق معدودة، وعندما ينتهي من قراءة أعماله القصصية كلها، يبقي الكتب في غرفة النوم كي يعيد القراءة مرة أخرى دون أن يغير هذا الكاتب الذي اعتاد على قراءته فقط في ذاك الوقت من الليل دون أي وقت آخر، وهو كاتب يقيم في ذات المدينة التي يقيم فيها. أحياناً يراه مصادفة في الشارع فيقف ويتأمل كل حركة تبدر منه، ينظر إليه وهو يتذكر كل تلك القصص التي قرأها له قصة قصة، كل تلك الجمل والعبارات التي كانت تثير دهشته. تراوده فكرة أن يدنو إليه ويحظى ولو بتبادل كلمة واحدة معه، لكنه لا يجرؤ على ذلك، ولا يدري بالضبط ما الذي يمنعه، لكنه يعود إلى البيت سعيداً وهو يتحدث لزوجته وابنته كيف أنه رأى ذاك الكاتب وكأنه كان كائناً سحرياً. أحياناً كانت تخطر له فكرة ويشعر بأنه لا يستطيع التعبير عنها بأسلوبه فيفكر أن يحصل على هاتفه ويخبره عن تلك الفكرة لعله يكتبها، ومرة أخرى يتردد ويكتفي بمتابعة قصصه الجديدة التي ينشرها باستمرار في بعض المجلات، وعندما تصدر له مجموعة قصصية جديدة يسعى لاقتنائها بأي وسيلة كانت رغم أنه يكون قد قرأ غالبية تلك القصص منشورة في المجلات.
عندما باشر بكتابة القصة الثالثة كان قد بلغ الثانية والأربعين من عمره، بيد أنه هذ المرة آثر أن يحتفظ بها دون أن يرسلها إلى أي مجلة، ولبث مصرّاً على فكرة عدم النشر رغم محاولات ابنته البالغة من العمر عشرين سنة بالعدول عن هذا القرار حتى أتت القصة الثامنة وبلغ معها الخمسين من عمره، فلم تتردد ابنته من أن تقترح عليه جمع هذه القصص ونشرها في كتاب يخلد هذه الآثار الأدبية ويحفظها من الضياع، عند ذاك قال بأنه لا يفكر بمثل هذا الأمر، بيد أن ابنته وعند قراءتها لخبر عن إعلان مسابقة للقصة القصيرة تنظمها إحدى المجلات المشهورة استطاعت بمهارة أن تسطو على القصة وتأخذ صورة عنها وترسلها خلسة إلى تلك المسابقة.
بعد مرور ستة شهور على إرسالها للقصة ونسيان أمرها وبينما كان والدها في عمله نحو الساعة العاشرة صباحا، رن جرس الهاتف وجاء صوت امرأة تسأل عن أبيها باسمه الثلاثي وتقول بأنه فاز بالجائزة الأولى لمسابقة القصة القصيرة التي نظمتها المجلة، وطلبت أن تخبره حتى يرسل صورة عن جواز سفره كي ترسل له المجلة تذكرة طائرة ليحضر حفل استلام جائزته.
ظنت الفتاة بأنها في حلم، وعادت من جديد تتذكر كيف أنها أرسلت القصة إلى المسابقة دون علمه فلم تملك فرحتها ودهشتها وراحت تخبر أمها الخبر الذي سمعته في الهاتف، وما لبثت أن اتصلت به تخبره النبأ. في البدء ظن أنها تمزح لأنه لم يرسل قصة إلى أي مسابقة، فلبث إلى أن انتهى الدوام دون أن يفكر بالأمر، لكنها في البيت أكدت له الخبر وطلبت أن يسامحها على تجاوزها بحقه لأنها أرسلت القصة دون موافقته، وعندما تأكد له ذلك هزّ رأسه علامة بالسماح مبتسماً وكأنه يخبرها بأنها فعلت ما كان عليه أن يقوم به، ورأى نفسه بطل حدث وقع بالفعل. في اليوم التالي وأمام إلحاح زوجته وابنته اتصل بالمجلة وذكر اسمه الثلاثي، فأكدت فوزه بالجائزة وقدمت له التهنئة، لحظتئذ لم يجد بداً من الموافقة على السفر.
بعد يومين من وصوله بدأ الحفل ولأول مرة رأى نفسه وجهاً لوجه أمام الجمهور وكاميرات التلفاز يقرأ قصته كما طلبت إليه لجنة المسابقة.
والآن هاهي فكرة القصة التاسعة تراوده وقد دخل حيطان الخامسة والخمسين من عمره.
يشرد بها طويلاً، يقلب الفكرة على كل أوجهها، يرى بأنها ليست ناضجة، يقرر أن يتركها لعل السنوات القادمة تحمل له فكرة قصة جديدة تستحق أن تأخذ مكانة قصة تاسعة.
|